|
|
|
المرأة المسلمة وتحديات العصر العلمي |
|
ليلى عادل |
|
يعتبر الحديث عن القضايا التي تمس واقع الإنسانية بوجه عام، والمرأة بوجه خاص، من الأمور المعقدة والشائكة ضمن دائرة الجدال؛ لكون المرأة تمثل نصف كيان المجتمع من حيث التعداد، وهي أرق وألطف ما فيه من حيث العواطف والمشاعر، وأكثر تناقضاً من حيث الأوضاع والتحديات الواقعية والمشاكل الاجتماعية. فلقد كانت المرأة الشرقية مع الرجل عبر المراحل التاريخية المتوالية من مختلف ألوان الظلم والاضطهاد الذي ابتليت به المجتمعات العربية الإسلامية، بدءاً بالاستبداد السياسي، ومروراً بالتدهور الاقتصادي والقسمة الضيزى في توزيع الثروات الوطنية، وانتهاءً بالتفكك الاجتماعي والتمزق الأسري، مع سيل عارم من الأمراض النفسية والاجتماعية. وبما أن المجتمع يمثل مرآة عاكسة للأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية السائدة في أي بقعة على وجه الأرض؛ لذا فإن المجتمعات والشعوب الإسلامية تظهر في تلك المرآة وهي تكابد آلام الحياة، وتلهث باستمرار لسد الاحتياجات والمتطلبات الحياتية اليومية، دون وجود فائض من الوقت لتستغله في اهتمامات أخرى. وهذه باختصار الخطوط الخارجية لرسم الواقع المرير للمجتمع العربي الإسلامي. وقد أدى هذا الواقع المأساوي إلى استنزاف طاقات أجيال عديدة في فوهة المتطلبات المادية، حتى عجزت تماماً عن مواكبة التطورات الثقافية والعلمية، أو الأحداث السياسية، أو غير ذلك مما يتعلق بحركة العالم من حولنا، هذا فضلاً عن فقدان كل القدرات والإمكانيات للإبداع الفكري، باستثناء مجموعة متواضعة من العناصر المهتمة والتي تحاول بجهد جهيد الحفاظ على المستوى الثقافي دون تطويره. وقد غرقت المرأة الشرقية المسلمة في أمواج من التحديات يصعب حصرها، وساهم عدم مواجهتها في تأخر النساء وضعف أدوارهن وعدم تواجدهن بالشكل الفعال والقيادي داخل المجتمعات، وذلك يعود أساساً إلى ضعف المستوى العلمي والثقافي لدى المرأة المسلمة، حيث تصنف كثير من الدول الإسلامية - مع بالغ الأسف - ضمن قائمة الدول الأكثر أمية، بينما احتفلت كثير من الدول بتوديع آخر أمي فيها منذ زمن؛ مما أدى إلى خسران المرأة لقرون طويلة من عمرها دون أن يسجل قلم التاريخ لها إلا إنجازات يسيرة، نظراً لغياب أعمالها. وكأن المجتمع لم يلتفت إلى عمق الرحمة الإلهية التي أكدت على أهمية العلم للرجل والمرأة على حد سواء؛ لكونه مفتاح خير وسعادة الدنيا والآخرة. المرأة حاولت جاهدة في القرون المتأخرة أن تتحرر من أميتها ومن قيود الجهل فارتفعت نسبة المتعلمات من كل المستويات وبخاصة الحاصلات على الشهادة الجامعية. وهذا مكسب إيجابي دون شك، إلا أن حقيقة المعضلة تتمثل في أن المرأة وإن حملت بعض الشهادات، إلا أنها ظلت مكبلة بقيود قديمة تحجبها عن الانتقال إلى مستويات أكبر وأرقى في عالم العلم والمعرفة؛ لأنها تشكو من نوع آخر من المشاكل الثقافية يتمثل - حسب منظمة اليونسكو - في العجز عن التفكير العلمي، وعن تعلم ما هو جديد، بحيث لا زالت فئة ضخمة من المتعلمات في حاجة ماسة إلى تجاوز هذه المرحلة الصعبة، للوصول إلى التفكير العلمي المنطقي الجاد والطموح لتعلم الجديد. هذه الحالة السلبية نشأت عند المرأة المسلمة المعاصرة بسبب عدة أمور، منها عدم نضج نظرة المرأة أو تصوراتها الذهنية تجاه العالم المحيط بها حيث أصبحت عاجزة عن بلورة مواقفها الفكرية. وهذا يشمل السواد الأعظم من النساء، أما حالات الاستثناء التي تمثل النخبة الناضجة من النساء، فلا يخلو منها زمن ولا وطن. هذا إضافة إلى تشابك عواطف المرأة وتميزها بالمشاعر الفياضة... كل ذلك أثر على توجهاتها وقراراتها بسبب افتقادها لأقوى الأسلحة ألا وهو العلم وارتقاء المستوى الثقافي. كما أن السلوك العام للمرأة المسلمة يشهد تناقضات شتى أدت إلى اهتمامها بالشكليات دون الجوهر؛ فأهملت تجميل عقلها بالعلوم والمعارف، في مقابل الاهتمام المفرط بالمظاهر والتكاثر في المسائل الدنيوية. إن واقع حياة المرأة المسلمة في كيفية التعامل مع العالم من حولها لا يمثل في قليل أو كثير، الفهم الإسلامي الراقي والمتألق لدور المرأة، والذي عبر عن نفسه بكل وضوح في الرعيل الأول من النساء المسلمات؛ فإن ما يدمي القلب أن يكون هذا الدين العظيم الذي طالما حارب الجهل والتخلف، وقدم لأجل ذلك جهوداً لا يستهان بها، بينما يعاني أغلب أتباعه، ورجالاً ونساءً، اليوم من انخفاض المستوى العلمي والثقافي بشكل جلي.
|