قراءة في كتاب

الإمام الشيرازي في حديثه مع الناشئين

الكتاب: حديث مع الناشئين

المؤلف: السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده)

عرض: عقيلة المقبل - القطيف

نحن بين يدي كتاب لمؤلفه المرجع الأعلى الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي (قده)، ذلك المرجع  العظيم الذي رحل عن هذه الدنيا وترك لنا ثروة عظيمة لكي نستفيد منها في حياتنا العلمية والعملية . فهو لم يبخل على أبناء الأمة الإسلامية فقد زودهم بالعديد من المؤلفات المتنوعة والشاملة المرتبطة بمجمل نواحي حياتهم الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والقانونية، وغيرها. وليس هذا فقط ؛ بل إنه أقام العديد من المؤسسات الخيرية، والمكتبات، والمدارس المنتشرة في جميع أنحاء العالم؛ لكي يستفيد منها كل إنسان يعيش على وجه البسيطة..

مرجعنا الجليل - كما أسلفنا - لم يبخل على أبناء أمته الإسلامية، فهو خاطب الجميع، وكتب للجميع - (الصغار والشباب والشيوخ والنساء والعلماء والطلبة..)، كلاً بحسب فكره وثقافته... فقد تميزت مؤلفاته بالتنوع والشمولية والأصالة، حيث أنها مستمدة من القرآن والسنة ومدرسة أهل البيت (ع). ولم يكتف بذلك فقط بل عالج المشاكل التي تعاني منها الأمة الإسلامية والعالم بأسره ،وذلك بالتحدث بلغة علمية رصينة في كتاباته لذوي الاختصاص، وبلغة واضحة وسهلة يفهمها الجميع. وكان دائما ما يعزز أفكاره ومحاضراته بشواهد من واقع الحياة؛ وذلك لاستفادته وارتباطه بكل أفراد المجتمع، سواءٌ كان جليسه نجاراً أو تاجراً، بقالاً أو مزارعاً، صغيراً أو كبيراً... 

شباب المستقبل

استهل الإمام الشيرازي (قده) كتابه بكلام لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع)  مبيناً فيه أن الإنسان قادر على أن يصل بنفسه إلى ما يريد. ولكن بشرط أن يبدأ في سبيله بالسعي اللازم.. فعندما تريد أن تكون طبيباً، فأنت ـ أيها الإنسان ـ قادر على ذلك فيما إذا وفرت في نفسك المؤهلات وعملت جاهداً على تحصيل أسبابها .  

فكل إنسان خلق في هذه الدنيا فهو حر في اختيار ما يريد ، وكل ما يريده الإنسان هو بيد الله سبحانه أولاً، ولكن جعل له أسباباً لتحصيلها. ومنها: اهتمام الإنسان، وإرادته، وعلمه. فكل فرد قادر على أن يكون من العظماء في المستقبل، وذلك بالعلم، والتوكل على الله، وبذل الهمة والمثابرة، كي يكون عظيماً من العظماء.. فكل العظماء كانوا في يوم من الأيام أطفالاً.

من طلب شيئاً ناله

الكتاب يبدأ بكلام لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع)، جاء فيه: (من طلب شيئاً ناله أو بعضه). والطفل - مثلاً - إذا كان يسعى للوصول إلى هدف ما وسار إليه في الطريق السليم، فإنه سيدركه لا محالة، وسيصبح في المستقبل من الشخصيات المرموقة. والطريق إلى ذلك يتلخص في أمور منها :

- أولاً: طلب العلم.

فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهو بحاجة إلى تحصيل دائم، وعمل متواصل لا يعرف سالكه الملل والكسل . وقد جعل الله سبحانه وتعالى العلم أعلى شرفاً ومنزلةً، والدليل هو أن أول سورة نزلت من القرآن الكريم على النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يقول الله تعالى فيها: (أقرأ باسم ربك الذي خلق).

- ثانيا: الإخلاص لله والتوكل عليه.

يقول سبحانه وتعالى: (من يتوكل على الله فهو حسبه)، أي إن من يكل أموره إلى الله يكفيه كل مخوف ومشكلة ، وينجيه من كل تهلكة، وضمن السياق يذكر لنا السيد المؤلف قصة لرجل فقير عنده طفل ، وفي أحد الأيام طلب من ولده الذهاب معه لسرقة الفاكهة من أحد البساتين، فقال له: أنت عليك أن تقف هنا وتنتبه إلى كل الجهات بحذر، فإذا رأيت أحداً قادماً وأحسست أنه يرانا فأخبرني بسرعة، لكي نذهب إلى مكان آخر.

وبعد برهة قصيرة صرخ الطفل: بابا يا بابا .. ثمة أحد يرانا، فنزل الأب من على الشجرة بسرعة وهو خائف، فسأله: من ذا رآنا؟.

فقال الابن الصغير: يا بابا أنه الرب العظيم! هو الذي يرانا، وهو مطلع على كل شيء.. إن هذا الطفل الصغير وبسبب خوفه وحذره من الله، حاول أن يثني أباه عن السرقة بهذه الطريقة، وقد تأثر والده كثيراً، وندم وخجل من ابنه الصغير، وترك السرقة من ذلك الحين.

فعلى كل إنسان أن يراقب نفسه باستمرار لئلا ينحرف عن المنهاج الإسلامي. كما أن الخوف والخشية من الله ، تبعث الطمأنينة والاستقرار ، وبالتالي يمكن أن يصل الإنسان التقي إلى أي هدف يريد تحقيقه بالتوكل على الله تعالى.

- ثالثاً: خدمة الناس.

جاء في وصية الرسول الأعظم للإمام أمير المؤمنين(ع): (فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك).

إن محمداً (ص) وأهل بيته (ع) كانوا يخدمون الناس دائماً، وينجزون الأعمال التي يعود نفعها على الناس ، كما فعل أمير المؤمنين (ع) عندما قام بحمل النواة وهو خارج إلى الصحراء، وذلك لغرسها، ولكي يستفيد منها الناس جميعاً. وبالإضافة إلى ذلك يجعل (ع)  نخله وبساتينه وقفاً في سبيل الله، ويرعى بذلك حال المحتاج والفقير. وهذا من علامات المؤمن؛ فمن الواجب علينا التأسي بأهل بيت النبوة (ع)؛ لأنهم قدوة وأسوة لنا في كل أعمالنا وأفعالنا ، وهذا الطريق موصل إلى رضى الله سبحانه.. وخدمة الناس وحب الخير للجميع هو القاعدة الرصينة التي تمهد لنا السبيل نحو بناء مجتمع إسلامي متكامل، كما قال أمير المؤمنين (ع): (خير الناس من نفع الناس).

رابعاً: الالتزام بأحكام الإسلام.

يلزم الالتزام بكل الأحكام الإسلامية، من صلاة وصوم وصدقة وأمانة ووفاء وحياء وطاعة للوالدين والإحسان إليهما وما أشبه من الواجبات والمستحبات ، والابتعاد عن الغيبة والنميمة وترك الكذب وكل الأعمال السيئة ، وعلى الإنسان ومنذ صغره أن يتعلم أحكام الإسلام ، ويحفظ القرآن في بواكير حياته ما استطاع إلى ذلك سبيلا . يقول الإمام الصادق (ع): (الحافظ للقرآن، العامل به، مع السفرة الكرام البررة).

فاهتموا - كما ينصح  رحمه الله - بحفظ القرآن الكريم، وأنتم بهذه السن لتسعدوا في الدنيا والآخرة. وبعد أن تربوا في ذواتكم وأنفسكم هذه الخصوصيات الأربع، لابد لكم من التحلي بالهدفية؛ لأن المسيرة الواقعية تتطلب أهدافاً واضحة.

 

تطبيق حكم الله في الأرض

بما أنكم صغار اليوم فيوشك أن تصيروا كبار القوم غداً؛ فلابد أن يكون هدفكم الأول هو إقامة حكم الله في الأرض، وقطع الأيادي الاستعمارية الظالمة وجماعتهم . وتكون الحاكمية لله ورسوله وللأئمة الأطهار (ع) وللعلماء. إذن يجب أن يكون هدفنا إقامة حكم الله، فإذا أقمنا حكم الله في الأرض، نكون قد ربحنا الحياة في الدنيا وربحنا كذلك الآخرة .

الهدف النبيل

يحتاج تحقيق الهدف إلى أمرين :

1- بناء النفس من الداخل، أي تربية النفس على الفضائل التي ترضي الله تعالى؛ لأن الله خلق النفس وعرّفها طريق الطاعة والمعصية، أو الخير والشر، أو الفجور والتقوى؛ فقد نجح وفاز من زكى نفسه في هذه الدنيا وربّاها على الفضائل، وخسر وندم من ربّاها على المعاصي والخمول والعمل الطالح . 

2- العمل الجاد والمتواصل وعدم التخلي عن الهدف حتى يأذن الله بنصره؛ لذا يجب أن نستمر بهمة عالية حتى نصل إلى الهدف النبيل وهو (تطبيق أحكام الله في الأرض).

وأخيراً ختم الإمام كتيبه ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتحدث عن العمل الصالح ، وطلب العلم وأهميته، والإخلاص، والتوكل على الله. 

أما الأحاديث فأنها تؤكد على تربية الناشئين، تأديب الأحداث، حقوق الأولاد، طلب العلم وأهميته، أهمية السعي، الإخلاص لله تعالى، فضل القرآن، فضل الأعمال.