كيف ننتصر في المعركة؟

 

إعداد: لمياء الموسوي

 

إن انتصار أية ثورة في التاريخ وانتصار أي مبدأ في الحياة لا يمكن أن يأتي لشعب على طبق من ذهب، إن في الثورة تضحيات وقبل التضحيات هناك العمل الطويل الشاق؛ فالثورة من بدايتها إلى نهايتها عمل متواصل من أجل بلوغ الهدف. وإن سنة الله في الأرض تقول (إن الأرض يرثها عبادي الصالحون)(1)، فعلى كل المسلمين رجالاً ونساءً أن يجاهدوا من أجل بلوغ هدفهم، وهو الحق ضد الباطل، وأن يعدوا العدة، ويبدأوا المسيرة لكي يصلوا إلى أهدافهم السامية.

إن النضال الذي تخوضه الأمة إنما هو صراع بين رسالتين متضادتين هما رسالة السماء ورسالة الأرض التي وضعها الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ومن الطبيعي أن نرى المواجهة أو ننتظرها، وهنا تأتي مرحلة الإعداد وهي المرحلة الصعبة الشاقة في حياة أي فرد يطالب بالتحرر والاستقلال.

لا للانتظار البارد

إن الفرد الذي يهيئ نفسه للانتصار وإقامة الحكومة القائمة على مبادئ التوحيد يجب أن يثبت نفسه، أما إذا رفض المواجهة ولم يعدّ العدة لها ولم يخض الصراع مع النظم الظالمة في سبيل تحقيق أهدافه، فإن الصراع سيأتيه ويشمله شاء أم أبى، ونحن في هذا اليوم يجب أن نكون على أتم الاستعداد ومهيئين نفسياً لدخول الصراع مع الأنظمة القائمة.

إن انتظار خوض الصراع بين الحق والباطل يعني إعداداً دائماً ومستمراً من أجل ساعة المواجهة، ولكن يجب أن نعرف أن هذا الانتصار وهذا الانتظار ليسا بالتمني وإنما بالعمل الجاد والإعداد الدائم والمستمر للنهضة. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: بماذا ننتصر على الباطل؟ والجواب: إن انتصار الإسلام في العالم لأجل قيام دولة حق يحكمها الإمام المهدي (عليه السلام) وإقامة الحكم الإسلامي يتطلب أموراً ثلاثة لابد منها وهي:

أولاً: الإعداد النفسي

الإعداد النفسي للصراع بمعنى أن الفرد يملك الإرادة والعزيمة وأن خصمه يمتلك أيضاً تلك الخصائص، وعندما نقول بصراع الإرادة فإنما نقصد أن كل مسلم ومسلمة يجب عليه القيام بإعداد نفسه وشحذ عزيمته، فإن قسماً كبيراً من عملية خوض الصراع مع الخصم والانتصار عليه وبلوغ الهدف مرتبط بالتهيئة النفسية وشحذ الإرادة، وعندما يتصف المسلم والمسلمة بالشجاعة والإرادة والإصرار على المواجهة رغم الظروف فإنه سينتصر حتماً - بإذن الله -.

فعلى المسلمين رجالاً ونساءً أن يتحلوا بمثل هذه النفسية وأن يتمرنوا عليها، لأنه عندما تكون نفسيتهم معدة وإرادتهم حديدية فإن باستطاعتهم المقاومة حتى النفس الأخير، فإن الظلم والإرهاب الذي تشيعه النظم الظالمة اليوم يجب أن يجعلنا مؤمنين بضرورة مواجهة مثل هذه الإجراءات وإعداد أنفسنا الإعداد الذي نستطيع معه أن نصمد ونقاوم ونحطم هذه القيود، قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)(2)، والصبر في مرحلة المواجهة ينمي إرادة الإنسان، وكذلك الصلاة هي الأخرى تنمي الإرادة لدى المؤمنين وتدفعهم نحو الانطلاق دون خوف وجزع، إذ إن الخوف لا ينبغي أن يكون إلا من الله عز وجل وعلينا أن نتحدى الصعاب والعقبات في طريق الانتصار، فعملية الانتصار ليست سهلة كما يتصورها بعض الناس بل إن من واجبنا خوض الأعمال الصعبة وتحدي الظروف القاسية والهجرة والنفي والسجن وغيرها.. ونعتبر هذه المسائل في سبيل إزالة العقبات القاسية، فهناك عقبات نفسية كالجبن والاستسلام التي تمنع الإنسان من العمل فإذا خاف الإنسان من هذه العقبات فإنه ليس باستطاعته التخلص من ربقة القيود والأغلال المفروضة عليه، فعلى الإنسان أن يزيل هذه العقبات ويربي نفسه على الشجاعة والإقدام حتى يكون بمستوى خوض الصراع لأجل قيام الدولة العادلة. فتنمية المواهب والتربية الشخصية وصقل النفس ضرورات لابد منها لتحقيق الانتصار، فالقيام بالأعمال التربوية تجعلنا نمتلك الإرادة الحديدية التي لا تقهر.

ثانياً: الإعداد البدني

أما الإعداد البدني للصراع فهو ضرورة من الضرورات التي يستطيع بها المسلم والمسلمة الانتصار على الخصم، فاللازم أن تكون الأبدان صلبة وقوية تتحمل المجابهة وتقوى على مواجهة ما تقوم به النظم الظالمة من أعمال الفتك والإبادة، فإن كلمة نعم في سؤال المسلم هل أنه يريد الإصلاح ليست كافية لأن تغير تاريخاً وتبني حضارة، فالوسائل والإعداد الذي نتخذه يجب أن لا يكون قشرياً واهياً ينكسر ويتلاشى مع أول مواجهة، فيجب الإعداد إعداداً إيمانياً راسخاً في النفس، وأن تكون النفس مطمئنة ومسلّمة بضرورة الإعداد للمواجهة، ومستعدة لخوض الصراع حتى النصر أو الشهادة. ومن جانب آخر يجب أن ندرب أنفسنا على الوسائل التي تعطينا (النفس الطويل) في الصبر عند المواجهة، فلا نتنازل في خلال ساعات أو أشهر، بل يجب خوض المعركة ولو كانت طويلة، فطول المعركة يجب أن يلازمه الصبر وارتفاع درجة الإرادة في النفس وصلابة الأبدان لتحمل المشاق والمصاعب فإن هذه الأمور أساسية يجب أن يتدرب عليها المسلمون في كل مكان، فاللازم إذن أن نتسلح بالروحيات العالية والأبدان القوية لخوض المعركة، والتسلح بالإيمان يجب أن يكون متقدماً، فإنه هو الذي يضمن صمود الإنسان واستقامته في المعركة نظراً لإيمانه بعدالة قضيته.

ثالثاً: الإعداد التنظيمي

اللازم أن نعرف أن الحياة تعتمد اعتماداً أساسياً على التقنية في جميع المجالات، وهذه التقنية ليست فقط في الأدوات التي يستخدمها الإنسان في حياته بل في التعاون والتنسيق بين طاقات الإنسان نفسه أيضاً. وحضارة اليوم مبنية على التعاون في كافة الحقول والمجالات. ونحن المسلمين الذين نتطلع إلى إقامة صرح الأمة الإسلامية بقيادة الإمام المهدي (عليه السلام) وإنقاذ العالم، يجب علينا أن نعد أنفسنا تنظيمياً في التنسيق بين خبراتنا وطاقاتنا وتوجيهها التوجيه السليم، ومن الضروري أن يكون هذا التعاون قبل مرحلة المواجهة وعندها، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(3)، فيجب أن نعبئ طاقاتنا الفكرية وقدراتنا المادية وأن ننخرط في التنظيمات الإسلامية التي تبلور عملنا وجهودنا وتصبها في مجاريها السليمة لنهيئ أنفسنا لنكون تحت قيادة المعصوم (عليه السلام).

وهكذا فإن تنظيم عملنا وتنظيم أنفسنا والتنسيق فيما بيننا في مرحلة الإعداد شيء نحتاج إليه كما نحتاج إليه بعد الوصول إلى الهدف وإننا في هذه المرحلة إذا لم نعمل بإتقان وتنظيم فسوف تتأخر مرحلة الانتصار لربما إلى سنين عديدة، فعلى الرجال والنساء أن يتدربوا على جميع الوسائل والأساليب في مقاومة الباطل حتى إذا جاءت ساعة المواجهة لا نكون كالنعامة التي تدس رأسها في التراب، وذيلها لمهب الريح حتى يأخذها الصياد.

دور الأخلاق في عملية التغيير

يجب أن لا يخفى علينا شيء مهم وهو السلوك الأخلاقي السيئ وجوانب النفاق والحسد والكسل التي تقف عقبات كؤودة أمام عملية البناء والإعداد الذاتي للفرد والأمة، فإن هذه الأنماط الأخلاقية الفاسدة يلزم أن نقلع جذورها من الأساس بيننا كأفراد، حتى تكون نفوسنا صافية وخالية كي ننطلق للبناء الذاتي ونخدم الآخرين ونقيمهم التقييم السليم، فلا نقيم الإنسان بسنه أو بماله أو جاهه ونسبه، بل إن هناك مقاييس إسلامية يقيم بها الفرد والتي تتمثل في تقواه وقدرته على القيادة والأخلاق التي يتحلى بها، هذه المقاييس يجب أن لا نغفل عنها ونحن في مرحلة البناء.

ضرورة التنظيم الأسري

إن على أبناء الأمة أن يقوموا ببناء الخلايا التنظيمية في المجتمع والأسرة أيضاً، إننا بحاجة إلى تنظيم أسري وأن يكون بين الأسرة من ينظم شؤونها ويعمل على تربيتها وتفجير طاقاتها وإعدادها لخوض الصراع والمواجهة القادمة، فالأسرة في الإسلام تعتبر خلية إيمانية واجتماعية وسياسية واقتصادية، والحقيقة أن النظم الاقتصادية المنحرفة في العالم تدمر الأسرة، ذلك لأنها ليست فقط خلية اجتماعية تشترك في الأكل والنوم والمسكن وإنما هي خلية إيمانية واقتصادية واجتماعية وسياسية يتنامى فيها الأخذ والعطاء.

وأخيراً

إن بيننا وبين الإعداد حاجزاً سميكاً، وهذا الحاجز يكمن في سعة الصدر وضيقه فعلينا أن نربي أنفسنا على شرح الصدر (ربي اشرح لي صدري)(4)، وأن تكون قلوبنا منشرحة مع المجتمع في العمل، هذا في الوقت الذي يجب أن يتحول ضيق صدرنا إلى عداوة مشحونة ضد الأعداء (أشداء على الكفار رحماء بينهم)(5)، فعلينا أن نستغل كل ساعة من ساعات حياتنا في مقاومة الباطل.

يجب أن تكون قناعاتنا كاملة بأن الإعداد للمعركة المصيرية ضرورة تقتضيها الحالة المأساوية التي نعيشها، فإن انتظار الفرج بدون العمل لا يغني الإنسان شيئاً، قال تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)(6)، وأن تكون قلوبنا مفتوحة للآخرين وأن لا نفرق بين هذا وذاك وأن يكون المقياس هو التقوى وحسن الإدارة. والله سبحانه وتعالى إنما يرفع العمل الصالح، أما العمل الذي يشوبه النفاق والرياء فيبقى في الأرض بل ينتقل إلى سجّين، فعلينا بتربية أنفسنا وإعدادها وفق هذا المقياس، وتربية الإنسان لنفسه على سعة الصدر، والتفكير الجدي في مصلحة الآخرين، كل ذلك من الأمور التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم ومسلمة ففي ذلك خسران العدو واقتراب نهايته بإذن الله تعالى.

إننا نتطلع إلى مستقبل مشرق، وهذا المستقبل يتطلب منا الوحدة والتعاون والتنسيق بين طاقاتنا الفكرية وقدراتنا وأن يكون ولاؤنا إيمانياً نابعاً من الشعور بالمسؤولية الإلهية، فلتكن نفوسنا صبورة ورؤانا بعيدة ولتكن أهدافنا وتطلعاتنا سامية حتى تكون شخصيتنا قادرة على استيعاب المجموع وتجميع طاقاته وقدراته.

أما أن نجلس في بيوتنا ونقول بأننا نستطيع تحقيق أهدافنا، فإن ذلك ما لا يقبله العقل ولا ينتهي إلى نتيجة، فاللازم علينا أن نبذل جهودنا في سبيل انتصار ثوراتنا وقيمها ومبادئها والفرد الذي يعد نفسه لانتصاره من الآن أفضل من الإعداد بعد عشر سنوات، لأن الإعداد اليوم سوف يعطي النتائج بعد فترة زمنية لا تتعدى فترة الإعداد بعد عشر سنوات بإذن الله تعالى.

إن الأناشيد والشعارات والعواطف لا تكفي، فمرحلة الشعارات والأناشيد يجب أن ترافق مرحلة الإعداد النفسي والجسدي والتنظيمي لشخصية كل مسلم ومسلمة، ولو أننا ربينا أنفسنا ومجتمعنا الإسلامي على هذه المفاهيم والقيم فإننا سوف نجني ثمرة هذه التربية في القريب العاجل إنشاء الله تعالى، وإننا بعملنا الجاد وإعدادنا المستمر لمرحلة المواجهة سوف لن تخيب آمالنا وطموحاتنا، والله عز وجل مع الذين يعملون الصالحات لوجهه ومع الذين يكدحون في هذه الدنيا من أجل عزتهم وكرامتهم وتحكيم مبادئهم الخيرة قال تعالى: (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون)(7)، (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)(8).

(من كتاب الصياغة الجديدة للمرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره)

 


الهوامش:

(1) الأنبياء: 105.

(2) البقرة: 45.

(3) آل عمران: 103.

(4) طه: 25.

(5) الفتح: 29.

(6) النجم: 39.

(7) السجدة: 28-29.

(8) المجادلة: 21.