الصفحة الرئيسية

العدد 78

اتصلوا بنا

 

17 عاماً من المعاناة.. بين السجن والمصح العقلي

 

قبل أكثر من عقدٍ واحد بقليل كان بيت لهيب نعمان الواسع يزخر بالأثاث الفاخر، وبأنواع الطيور الغريبة، أما اليوم فقد خلت كل غرفه من كل شيء، ما عدا غرفتين؛ واحدة ينشر فيها الغسيل، والثانية حولها بضع قطع من الأثاث، وهريرات واهنة، ومعلقات جدارية شاهدة على أيام مضت.

تقيم السيدة لهيب في بيتها هذا الواقع ضمن البيوت الأنيقة في أحد شوارع بغداد الهادئة منذ ما يزيد عن 20 عاماً، وكانت وقتها قد قرّرت ممارسة المحاماة في بلد يفتقر إلى العدل، واختارت الدفاع عن رجل كان يواجه أقسى العقوبات بتهمة ارتكاب أتفه جريمة تمثلت في سرقة جهاز فيديو يعود لعدي بن صدام حسين.

وهكذا تجرأت السيدة لهيب في زمن الصمت والخنوع الذي طبع الحياة اليومية في العراق على التعبير عن رأيها، فكان ثمن إصرارها هذا أن قضت 17 عاماً في سجون بغداد ومصحاتها العقلية.

وتقول في حديثها عن تلك الأيام: (كنت أتعرض للضرب يومياً في سجن الزعفرانية وكنت أدوّن أفكاري على الحائط).

ولدت لهيب في أسرة مسيحية غنية تتكون من 12 طفلاً، وكان والدها يمثل على حد قولها الشركات الأجنبية في العراق، وفي عام 1978 تخرجت من كلية الحقوق في بغداد، وعملت في التحقيق الجنائي في وزارة العدل، ثم سافرت إلى باريس لدراسة علم الجريمة، وبعد عودتها إلى العراق في عام 1985 مارست المحاماة.

وفي العام نفسه جاءها حارس سجن إلى المكتب طالباً منها الدفاع عن عامل النظافة المصري (نادي) الذي يواجه عقوبة الإعدام بتهمة سرقة جهاز الفيديو الخاص بعدي، وهي جريمة بريء منها على حد زعم الحارس. فوافقت لهيب على زيارته في السجن، كان باب غرفة التحقيق موارباً لدى وصولها، ورأت المحققين وهم يضعون أصابع نادي داخل مقبس كهربائي وهو يصرخ (أنا بريء)، فقررت تبنّي هذه القضية، وانتصرت للعامل المصري الذي أطلق سراحه واشترت له تذكرة سفر للعودة إلى بلاده.

لكن انتصارها هذا جلب لها عداء رجال صدام حسين، فما أن مرّ عليه أسبوع واحد حتى بدأت رحلتها مع السجون، وجرى اعتقالها بسبب تعليقها على القضية، وإدانتها للتعذيب، وانتقاد النظام القضائي، وأودعتها السلطات سجن الكاظمية، حيث اعتقلت لمدة تسعة أشهر تعرضت خلالها للضرب بصورة منظمة. وتمكنت شقيقتها من إخراجها من السجن بعد أن حصلت على شهادة طبية من طبيب في مصح الرشاد العقلي تزعم أنها مصابة بالفصام الرهابي.

وفي عام 1987 أصدرت الحكومة أمراً بتوقيفها عن ممارسة المحاماة، ثم استأنفت (رحلاتها) السنوية إلى السجن، لكنها كانت قد عقدت العزم علي أن تقدم مسوغاً مقبولاً لاضطهاد السلطات لها.. قضت سنوات عدة إما وراء القضبان أو وراء جدران المصح العقلي الذي يسمى (مستشفى الجنون)، وقد تعرضت مرة خلال حبسها إلى الاعتداء الجنسي على يد نزيلات معها في السجن. وفي مطلع التسعينات بدأت دوامة التعذيب والإقامة في المصح العقلي تنال من صحتها العقلية على حد ما قاله جيرانها في حي خضير حيث تسكن، إذ انقلب حالها وأصبحت ترتدي رث الثياب بعد أن كانت تخرج في كامل أناقتها، وترمي أثاثها الفاخر أو توزعه على الناس.

ويقول سعيد الحماش - وهو زميل سابق لها في الجامعة ويعمل محامياً في بغداد-: (رأيتها مرة في عام 1994 وكانت ترتدي قليلاً من الثياب لكنني عندما تحدثت إليها محاولاً اختبار ذاكرتها اكتشفت أنها تذكر جيداً من أكون).

ورغم كل ما يبدو عليها من غرابة الأطوار تتحدث لهيب عن ذكرياتها بوضوح ووعي كامل. وتروي قصصاً لا يصدقها العقل عن الأيام التي قضتها في المصح العقلي خلال التسعينات. وتقول: إنها تلقت رسالة في العام الماضي من عدي عبر مسؤول أمني يطلب فيها منها أن تعمل محامية للجنة الأولمبية الوطنية. وأخبرها المسؤول عن إعجاب صدام بتصديها للحكومة كل هذه السنين، لكنها رفضت العرض، وكان جزاؤها الاغتصاب.

وقبل الغزو الأميركي بأشهر قليلة، شاهدها زميلها القديم المحامي الحماش في المحكمة، حيث تقدمت بطلب للعودة إلى المحاماة، وأخبرته أن حالتها تحسنت، وقد زكت جمعية المحامين طلبها الذي ينتظر المصادقة من الحكومة المرتقبة.

ولهيب التي لم تتزوج أبداً تعيش اليوم في فاقة في بيتها الذي خلا من الأثاث منذ أن جرى إحراقه عمداً عام 1993.