|
المرأة والعمل في عراق المستقبل |
|
|
|
|
|
قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (التوبة/71). إن التشريع الإسلامي يوجه الرجل والمرأة نحو القيم الإنسانية الدينية التي تصلح أحوال المجتمع وتبعدهما عن المصالح المادية والشخصية وتلزمهما سبيل الإصلاح الاجتماعي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالإسلام يلزم المرأة بمجموعة التشريعات الإسلامية في العمل والقيام بالوظائف الطبيعية من دون أن تنقص من واجباتها شيئاً وأن تحافظ المرأة على سلامة سير المجتمع الإسلامي نحو القيم ومقاومة الخطط الاستعمارية التي تهدف إلى النيل من كرامة المجتمع الإسلامي وأن تدخّل المرأة في الإصلاح الاجتماعي يعني دخول المرأة مفردات الحياة الاجتماعية وإحاطتها الكاملة بمجريات الأمور لا على سبيل الحكم والقضاء وإنما لإرادة الإصلاح والتسويات السلمية. فلذا يتوجب على المرأة المسلمة أن تراعي قاعدة الأهم والمهم لأنه قد يتعارض عطاء البيت وعطاء العمل الاجتماعي الديني بأن تكون المرأة داعية في سبيل الله وفي هذه الحالة يتوجب على المرأة بقدر الإمكان أن تبذل قصارى جهدها في سبيل التوفيق بين ذلك حتى تكون المرأة قادرة على وضع جيل مؤمن من الشباب ولا بد أن تكون مؤهلة لذلك الإعداد بأن تكون عالمه بأمور الدين والإسلام يحث المرأة على العلم التعليم وأن تكون ملتزمة بالإيمان تؤدي الواجبات على أكمل وجه وأن تحث أبناءها على الإيمان وتربيتهم وفق المنهج الإسلامي في التربية. ** المرأة والتعلم الديني: قال آية الله العظمى الإمام المرجع صادق الشيرازي (حفظه الله) وهو يتحدث عن عراق المستقبل (على النساء في العراق اليوم، اللائي يربين أجيال المستقبل، أن يقتدين بنساء الإمام الحسين (عليهن السلام) زينب الكبرى وأم كلثوم والرباب وسكينة (عليهن السلام)، في العفاف والتضحية والتحلي بالأخلاق الفاضلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواصلة الخدمات مدى الحياة). من المقاييس الثابتة في تقدم أي مجتمع هو دخول المرأة ساحة العلم والعمل؛ وذلك لأن المرأة عندما تشترك مع الرجل في العمل من أجل البناء والتقدم الحضاري فإنها تساهم في صياغة الحياة الجديدة للأمة، وأن مشاركة المرأة في البناء الحضاري والتغيير تتم عبر مجموعة من الأعمال المتواصلة التي تقوم بها النساء الواعيات، وأن النساء الواعيات حينما يقمن بدور ريادي في إيجاد مقدمات التحرك التغييري الشامل فإن ذلك يكون هو باكورة الإنتاج، وشعلة البناء الحضاري للامة. إن عراق المستقبل يحتاج إلى عمل جاد، وجهود مخلصة، وإرادات فولاذية، فالواقع الذي نعيشه بشكل أو بآخر لابد أن يتغير، فعلى المرأة أن تدخل ساحة العلم والعمل، وتساهم في صياغة الحياة الجديدة للامة. ** السير الصحيح للمرأة المجتمع الإسلامي مجتمع رسالي اختاره الله سبحانه وتعالى لحمل أعظم رسالة وأكمل دين، وذلك هو الدين الإسلامي، ولذلك فإن مسؤولية هذا المجتمع هي إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في الأرض، وتطبيق تلك الشريعة الإسلامية وذلك المنهاج الإلهي في العالم. فهو ليس مجتمعاً محدود الأهداف تنتهي مهمته عند حدود توفير العيش والأمن والارتياح لأفراده، بل إنه يقوم بدور الرقيب على تطبيق قيم الحق والعدل والحرية في العالم كله، فهو الشهيد على أوضاع البشرية جميعاً كما قال الله تعالى: (كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (البقرة: 143). فتحتل المجاميع التعليمية الدينية مكانة رفيعة عند المجتمعات الإسلامية، فهي تمثل السلطة التشريعية المنبثقة من الدين مباشرة، والمستقلة عن دوائر الدولة ومؤسساتها، فالحوزة مؤسسة دينية تربوية فكرية سياسية اجتماعية مستقلة تهدف إلى تكميل الخط الرسالي في الأمة، ومقاومة المفاسد عامة وصياغة المجتمع ضمن الإطار الإسلامي. وذكر آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي (حفظه الله) في محاضرته حول واجباتنا في عراق المستقبل: (هناك في العراق حاجة ماسة إلى برامج تثقيفية وتوجيهية، فكما ينقل أن الشباب العراقي لديهم تعطش للدين وأنهم يفتقرون لمن يقوم بتعليمهم وتربيتهم). وحاجة المرأة إلى الحيوية والعطاء والانتباه لعامل الزمن يجنبها أخطار الانزلاق واليأس والجمود والذوبان في الأوضاع المحيطة. فالتحديات لابد من تجاوزها، وذلك يحتاج إلى إرادة صلبة، وإلى مبادرات جريئة وشجاعة، وعلى المؤمنات أن يقرأن تجارب النساء في التاريخ، ويستفدن منها، وينطلقن بشجاعة وحيوية واضعات في اعتبارهن ضرورة المواجهة وعدم الهروب من ساحة الحياة. ** دخول المرأة في مضمار العمل الريادي إن العمل الذي يهدف المحافظة على المجتمع من الانهيار والتفكك هو من واجبات الإنسان ذكراً كان أو أنثى. بل في بعض الأحيان يتوجب العمل الاجتماعي على المرأة خاصة دون الرجل وفقاً لبعض الظروف والمتطلبات. وحتى يمكن للمرأة أن تؤثر في تغيير الأمة يلزمها العمل على تثقيف المجتمع وخاصة الوسط النسائي، وإيجاد تموجات ثقافية سليمة تساهم في إيجاد حالة الوعي في المجتمع وإشاعة الثقافة السليمة البناءة. فيجب أن تقوم المرأة بدورها دون الاكتفاء بما يقوم به الآخرون، وهذه المقولة منتشرة في مجتمعاتنا، وملخصها أنه إذا كان هناك محاضرون كبار في المجتمع فلا داعي لان نحاضر نحن، وإذا كان هناك مؤلفون كبار فلماذا نؤلف؟ فهذه مقاييس خاطئة، وهي نتيجة الثقافة المتخلفة التي ابتلي بها مجتمعنا، فكل إنسان يجب أن يقوم بدوره في الحياة، وكل إنسان سيتناول بلا شك أحد الجوانب التي يحتاجها المجتمع، وإلا فهل بإمكاننا أن نقول: إذا صلى أحد الناس فلماذا يصلي البقية؟ وإذا صام أحد الناس فلماذا يصوم البقية؟ وهكذا. فلا بد أن تتوجه المرأة إلى الكتابة والخطابة والتدريس والتبليغ، والى الوسائل الحضارية الأخرى لمحاكاة الناس وتطوير واقعهم، ولا تجعل شؤون البيت ومشاغله عذراً كافياً عن ممارسة الكتابة والتوجيه في المجتمع. ويذكر المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (قدس سره) حول أهمية التأليف: (ثم إن التأليف من الأشياء المهمة جداً حتى في زمن كثرة وسائل الإعلام، المذياع والتلفاز والحاسوب والقنوات الفضائية وما أشبه، فإن كل واحد من هذه الوسائل له أهميته الخاصة إلى جانب أهمية الكتاب، المجلة، النشرة وما أشبه). وذكر أيضاً (قدس سره) حول أهمية المنبر: (يحتاج مضافاً للتصنيف والتأليف إلى التضلع في فن الخطابة وارتقاء المنبر الحسيني الشريف، وتوجيه الناس بما يصلح دينهم ودنياهم مما استفاده من الكتاب وسنة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيرة العترة الطاهرة (صلوات الله عليهم أجمعين) وتذكير الناس بما يوافق القرآن والعترة، وتحذيرهم عما يخالفهما من الأحداث والأمور المشتبهة، فإنه لاشك في تأثير المنبر الحسيني في نفوس الناس تأثيراً بليغاً... ولكن نحن على قلتنا إذا عملنا عملاً كثيراً كما ينبغي كان الانتصار للحق، وذلك من باب قوله سبحانه: (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (البقرة: 249). فالمجتمع يحتاج إلى كتاب كثيرين، وخطباء كثيرين؛ لأن كل إنسان يتكلم بلغة خاصة، وربما لا تفهمه سوى مجموعة قليلة من الناس. إن النقص الفادح في الثقافة اليوم هي المسؤولية التي يحتاجها المجتمع، والتي بلا شك لن تستطيع أي كاتبة أو خطيبة أو موجهة أو مدرسة أو مبلغة مهما أوتيت من سعة الفكر والنشاط والقوة على سده؛ ولذلك فلابد من أن يمارس الجميع مهمة التثقيف والتوعية على أن تكون بوجدانية وعاطفية نابعتين من صميم قلب الإنسان، وكذلك التركيز على المحاكاة الاستنهاضية التي تثير في الإنسان الحماس والحيوية وتدفعانه للعمل من أجل التغيير البناء أيضاً. ويحتاج عراق المستقبل إلى مدّ جسور الثقة والترابط بين أعضاء المجتمع، وذلك بكسر الانعزال ومحاربته عن طريق تكثيف الزيارات واللقاءات والحوارات وسد الفجوات في المجتمع، وتقريب القلوب إلى بعضها، وإشاعة الحب والسلام بين الناس، ومحاربة العادات السلبية كالتكبّر والغيبة والنميمة وما شابه، وإشاعة الروح الإيجابية والإخاء، والمودة والثقة والتفاعل بين جميع الناس، وهكذا تأخذ المرأة دورها الطبيعي في البناء والتطوير وصياغة حياة المجتمع الحرة الكريمة الفاضلة التي اختارها الله سبحانه وتعالى، فقال: (وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (التوبة/105). ** أهمية التنمية الثقافية وكسب المهارات للمرأة يجب أن تكون هذه القضية في حياة المرأة شيئاً مهماً ومقدساً ليس هواية أو تسلية أو أداء واجب كما يفعل البعض، يعني ليس المقصود أن تجلس المرأة وتسمع محاضرة أو تقرأ كتاباً وتنتهي المسألة، كل العالم يفعل هكذا، ولكن المقصود أن المرأة عندما تستمع لشريط أو تقرأ كتابا فإنها تعتبر ذلك مثل الدروس التي كانت تتلقاها في المدارس والجامعات، فهي تسمع الدرس، وتفكر فيه، وتهتم به وتحاول تطبيقه في الحياة، وتحاول إفادة نفسها وما حولها به وهكذا. على المرأة أن تتوجه للجانب الثقافي فتبحث عن المحاضرات المفيدة والكتب المفيدة، وأن لا تقتصر على القصص أو الكتب غير الهادفة أو الثقافة الاستهلاكية أو البرامج التلفزيونية المائعة وكل شيء ليس فيه إلا ضياع الوقت والعمر. وأن التنمية الثقافية قضية رئيسية في حياتنا، فالقرآن كتاب يجب أن يدرس وليس فقط يتلى، فلابد من دراسته والتدبر فيه واستخراج الحكم والمواقف الدينية في الحياة، ويجب أن نعرف رأي القرآن في كل شيء وفي كل موقف. ولابد أن نجعل من المنزل واحة ثقافة وساحة استفادة، ولا نستسلم للمشاكل والأعمال مهما كانت، ولا نرضى بالابتعاد عن الجوانب الفكرية والتنموية، ويجب أن لا نكتفي بما لدينا من معارف وعلوم، ولا نرضى بما نحن فيه من حياة، ولنفكر دائماً في المستقبل، فالعالم من حولنا يتطور بسرعة كبيرة جداً ولا يعقل أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ذلك، فلابد أن نكافح ونُصَارع من أجل أن نتعلم مهارات مفيدة لنا ولمجتمعاتنا. ** بث التعاون وتنظيم المجتمع لابد من بناء أرضية صلبة للمجتمع تقوم على أساس التعاون البناء وإيجاد حالة من التحابب والترابط بين أبناء المجتمع وترسيخ أواصر الثقة والتفاهم المتبادلين بين الجميع والاستشارة بين الناس، لابد من الاهتمام بهذه المسائل، ويجب أن تتحول حياتنا إلى حلقات دروس وتبادل تجارب واستشارة في التربية في الحياة الشخصية وفي الأمور العائلية وفي قضايا الأطفال في خلق أجواء التفاهم والحوار.. وغير ذلك، فلابد من صرف الكثير من الأوقات في هذه المسائل الهامة والهادفة والابتعاد عن الجلسات غير المفيدة والكلام الفارغ هنا وهناك. ولابد من العمل الدؤوب لخلق حالة الشورى والحوار والتفاهم وكل ما من شأنه تقوية المجتمع وتقريب وجهات النظر ومعرفة بعضنا البعض بشكل أكثر من أجل إيجاد المجتمع الواحد القوي المتعاون والمتحاب كما كان المجتمع الرسالي الأول على حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله). |
|