|
بأي ذنب تبقى فاطمة دون أم؟ |
|
|
|
|
|
بوجه شاحب دخلت كسيرة الفؤاد، ترسل نظرات حزينة تتفحص وجوه الموجودات لعلَّها تعرف إحداهن، وعندما أجالت النظر في الوجوه نكست طرفها لأنها لم تعرف أية واحدة منهن، ثم دخلت إلى الغرفة الخاصة بها والتي قادتها إليها السجَّانة (الرقيبة) فجلست منهكة القوى، شاحبة الوجه، شاردة النظرات ثم تجمع حولها عدد من اللواتي كنَّ في السجن وأخبرنها بأنهن في هذا المكان جميعاً يحملن في صدورهنَّ نفس المحنة لكنهن يتفاوتن في حجم القضية التي جئن من أجلها وأخذت إحدى الأخوات تسرد لها قضيتها فقالت: لقد اعتقلوا أخي وجاءوا بي بعده إلى هنا بعد أن تم الحكم عليَّ بالسجن لعشرين سنة لا لشيء سوى أني أخلصت لعقيدتي. تسألها: وأخوك أين هو الآن؟. فأجابت: لقد علمت بأنه حكم بالإعدام.. وهذا يعني أرملة وخمسة أيتام وأمي المسكينة التي ثكلت بي وبأخي.. وأقول لك: قد أكون أهون قضية هنا، ومما رأيت فقد رأيت عائلة كاملة وأطفالها في هذا المكان... وعليه فالجميع هنا مظلومون ومُبتلون، وهنا ستجدين من لا تعرف بأي جُرم وضعت هنا، بل أُخذت بجريرة أخ أو زوج أو كرهينة. فقالت المرأة: هنَّ إذاً مثلي. قالت المتحدثة: مثلك؟ كيف؟. قالت: لقد هرب زوجي لينجو من الاعتقال وتركني وأطفالي الأربعة وقد كنت اعمل موظفة فسيرت أموري إلى أن بعث زوجي بيد شخص من معارفه يطلب مني الذهاب إليه فذهبتُ، وعند عودتي حمّلتني إحدى معارفه رسالة إلى أهلها وفي الطريق أمسكوا بي وأخذوا الرسالة وأودعوني في أحد المواقف لفترة طويلة وكنت حاملاً، وقد وضعت حملي قبل خمسة أيام، ثم أتوا بي إلى هنا بعد أن حكموا عليَّ بالإعدام. وماذا وضعت؟. بنت وأسميتها فاطمة. وأين هي الآن؟. لقد أخذوها مني وقالوا: إنهم سيرسلونها إلى أهلي. هل تعرفين أن الحكم لو كان صادراً عليك أثناء فترة الحمل لكان أخف عليك ويمكن أن يكون من الإعدام إلى المؤبد. هذا يعني انهم لا يريدون تخفيف العقوبة فانتظروا وضعي ثم ذهبوا إلى المحكمة. - ولكن لماذا هذا الحقد هل فعلت شيئاً؟؟؟. - على الإطلاق سوى ذهابي إلى زوجي في الجبل وإتياني الرسالة التي لا أعلم محتواها أبداً. - عجيب هذا يعني الانتقام من زوجك بك. - ولكن!!.. ما هو ذنبي وذنب أطفالي الخمسة الذين حُكِمَ عليهم أن يعيشوا بلا أب لأنه هارب، بلا أم لأنها محكومٌ عليها بالموت. لست وحدك هكذا، وليسوا أطفالك الوحيدين، فسترين هنا مئات القصص أمثالك، ولن ترين هنا قصصاً مفرحة، بل سترين هموماً وآلاماً كباراً نُسجَت بدموع وآهات أصحابها، وستَريْنَ مصائب كبيرة تجعلك تستهينين بمصيبتك. أطرقت المرأة ثم تنهدت بعمق وقالت: ولكن ما ذنب هذه الطفلة التي تفتحت للحياة في هذا الجو؟ ومَنْ الذي سيعوضها عن الأم والأب؟ - هذا قدرها في الحياة. لا حولَ ولا قوّة إلا باللهِ العلي العظيم: مرت الأيام وبدت أم فاطمة كمن يقف على جراحه، ولكن هناك آلاماً في جسدها وآلاماً بسبب الحليب الذي لم ترضعه فاطمة (المولودة) فسبب لها خراجاً استدعي إخراجه بالجراحة من قبل إحدى الأخوات التي كانت تمتهن التمريض، وبعدها بدأت شيئاً فشيئاً تتماثل للشفاء، وتحاول التعرف على قصص اكثر الأخوات الموجودات، فزادها ذلك قوة ورضى، ثم بدأت بالتوجه إلى البارئ حيث اللقاء قريب، ولابدَّ من الاستعداد للرحيل والتهيؤ والتزود ببعض الزاد، فأخذت تحسب التقصير في الواجبات ومباشرة قضاء ما فاتها من الصلاة والصيام، حيث كان الليل أنيس أم فاطمة فكان الموجودون كلما استيقظوا سمعوا لها ترتيلاً ومناجاة. وبدأت المفاجأة الحزينة التي تمزق صمت الليل لتفسّر صرخة مظلومة تصعد إلى أنيس المستوحشين وناصر المظلومين. ففي أحد الأيام حيث كان موعد مجيء بعض الأهالي لجلب بعض حاجيات السجينات (من الأكل والملابس) دون السماح لهم برؤية ذويهم فوجئ الجميع بأن الحارسة تنادي باسم أم فاطمة وتحمل في يديها طفلة ملفوفة في قماط، فطلبن بعض الواقفات من الحارسة إعطاءها إياها ليحملنها إلى أمها، فرفضت وقالت: إنها لن تعطيها إلاّ لأمها. فذهبت إحدى الأخوات مسرعة إلى أم فاطمة وهي قائمة لتقضي فروض الصلاة الفائتة، وبعد أن أكملت الفرض (الصلاة) خلعت ثياب الصلاة والدموع تتلاحق على وجنتيها كأنها المطر، وطبعاً هرعت جميع الأخوات معها إلى الحارسة لرؤية المنظر المؤلم. أخذت طفلتها (فاطمة) ووضعتها على سجادة صلاتها، ثم فتحت قماطها وأخذت تنظر إلى هذه الطفلة التي لم ترها منذ الأيام الأولى لولادتها ثم أعادت قماطها. ثم وقفت ورفعت الطفلة إلى السماء وبدأت تدعو وتبكي وكان الجميع يبكي لبكائها حتى الحارسة التي جُرّد قلبها من الرحمة، ولكن ما أثار استغراب الجميع هو لماذا فتحت القماط وأعادته، فسألوها عن ذلك، فقالت: أنا لم أؤدي حق هذه الطفلة المسكينة فأردت أن أؤدي شيئاً بسيطاً ولو لمرة واحدة. ثم أخذت الحارسة الطفلة فشيعتها الأم إلى الباب وكأن لسان حالها يقول: ربما تكون هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها... مرت الأيام وإذا بالحارسة تنادي إلى أم فاطمة ولكن إلى أين؟! إنه اللقاء الذي كانت تستعد له، واستأذنت لبعض الوقت لتغتسل غسل الشهادة وقراءة العديلة وبعض الأدعية، وبعد أن انتهت من ذلك بدأت تتطلع في وجوه جميع الأخوات الموجودات وكأنها تتملى منها وتقول: إنها النظرة الأخيرة، بل هي نظرات الوداع. خرجت أم فاطمة وخرجت معها مظلومية إنسان لتذهب إلى ربها رافعة هذه المظلومية، وصارخة ترى بأي ذنب يراق دمي؟؟. وبأي ذنب أيتم أولادي؟؟. وبأي ذنب تبقى فاطمة دون أم؟؟.. |
|