الصفحة الرئيسية

العدد 78

اتصلوا بنا

 

بصمات دامية.. خلفها النظام الصدامي المستبد

بقلم: زينب صاحب

لقد قال كرومويل: تسعة مواطنين من أصل عشرة يكرهونني، وما أهمية ذلك إن كان العاشر وحده مسلحاً؟.

إن هذه الكلمة تعكس منطق المستبدين، وتوضح المنهج الذي ينتهجه الديكتاتوريون، للتعبير عن أفكارهم السود وأعمالهم التي تنم عن الأنانية، وتكشف عن نفسياتهم المعقدة، وما يكنوه من حقد وبغض تجاه شعوبهم ورعاياهم ضاربين عرض الحائط ما للشعب من الحقوق والحريات، وما يحتاجونه من الأمن والاستقرار .

ثلاثة عقود عاشها الشعب العراقي تحت وطأة ظلم الطاغية صدام وهو يئن من طغيانه واستبداده، ويرتجف خوفا من حكمه وأزلامه، ويرتهب فزعا من قانونه الوحشي الخاص به، ويقشعر بدنه من أعماله وأفعاله والتي تحمل طابع العنف والقمع الاعمى، والقسوة والتعدي على أعراض وحقوق الآخرين.

ومن الطبيعي أن يترك ذلك الإرهاب والظلم والاستبداد أثرا بالغا وشرخا عميقا وجراحات تنزف دما في قلب الشعب، وسوف يكون من الصعب جدا محوها والتئامها سريعا.

فلا يمكننا أن نحدد بشكل دقيق الآثار التي تركها وخلّفها الطاغية صدام على الشعب العراقي المظلوم طيلة الحقبة الماضية من حكمه؛ إذ إنها أكبر من أن تحدد، ولكن الشيء الوحيد الذي لابد من ذكره هو أن العراق وشعبه توقف عن التقدم والنمو في ظل ذلك الاستبداد إن لم نقل إنه تراجع سنوات وسنوات.

إن التاريخ لم يسجل خلال تلك الحقبة الزمنية عطاء إنسانيا أو علوما مزدهرة ، والذي سجله هو مذابح ومجازر وقبور جماعية وفقر ومجاعات وحروب .

نحاول في هذا المختصر أن نذكر بعض الآثار التي خلفها النظام الصدامي الغاشم على المرأة العراقية خاصة، سواء كانت داخل العراق أم خارجه.

** الآثار النفسية

إن الأثر النفسي الذي يخلفه حادث أو واقعة ما لهو شديد على نفسية الإنسان، ومن الصعب جدا معالجته والقضاء عليه، مما قد يترك بصماته على روحية الإنسان وأفعاله، بحيث يقلب حياة الإنسان رأسا على عقب .

لا نبالغ إن قلنا: إنّ المرأة العراقية لم تذق طعم الراحة لحظة واحدة في ظل النظام السابق ، وإنما كانت عرضة للقلق والاضطراب والكآبة والخوف والاعتقال والسجن والتعذيب بتهم باطلة وملفقة وسجون الرضوانية والرشاد في بغداد وغيرها من السجون خير دليل على بشاعة الانتهاكات بحق النساء.

أما مصيرها فقد كان لا يخلو من وجوه: إما الاعتقال ثم الإعدام وهو الاحتمال الأقوى، أو الخروج من السجن بعد تلك المعاناة وهي تحمل في طياتها ملفاً بأباطيل النظام، وإعراض المجتمع - وبالأخص ذوو النفوس الضعيفة - عنها؛ إذ إنها كانت قيد الاعتقال.

وإما أن تكون والدة معتقل وهي ترى فلذة كبدها - بعد كل ذلك الشقاء والتعب وسهر الليالي الذي تحملته من أجله كي تقر عينها به - يؤخذ من أمامها من قبل أزلام النظام الصدامي على أنه يعود بعد ساعات ، ولكنها تبقى تنتظر وتنتظر الساعات والأيام والشهور والسنوات ، وتعرض عن الكثير من لذائذ الدنيا ليكون طعامها وشرابها الدعاء والبكاء على شباب ابنها والدعاء له بالفرج.

ولم أنس تلك الأم وهي تدور حول الكعبة للطواف - حيث يدعو الإنسان ربه بأهم الحوائج في ذلك المكان المقدس - وتدعو لابنها، وتنادي باسمه مراراً؛ إذ إن أمنيتها الوحيدة أن تراه أمامها مجددا لتزوجه وترى أبناءه.

وتلك الأم الأخرى التي اعتقل لها أربع بنات وابنها مع زوج ابنتها المتزوجة حديثا ، تبكي ليلها ونهارها، وتذهب هائمة حافية إلى مسجد جمكران في مدينة قم في إيران مرارا لتدعو لهم بالفرج، وكانت تقول: لا تلوموني إن أنا جننت.

وكم من الأمهات صبّرن أنفسهن على أمل الفرج وهن ينتظرن زوال النظام كي تقترب ساعة اللقاء، وقد زال النظام الظالم ولكن زواله لم يشف غليلهن، وأجج فيهن حرارة الاشتياق أكثر، ولكن بقت اللوعة في قلوبهن إذ فوجئن بالمقابر الجماعية التي تدمي حتى القلب القاسي، وقائمة الإعدامات التي تحمل في طياتها العديد من الأسماء، فلم يعثرن على أولادهن ولا آثارهم حتى صرن يقنعن بالعظام كي يبنين قبرا لهم ليذهبن إلى قبره للبكاء عليه كحال أي أم فاقدة عزيزها.

وإما أن تكون زوجة معتقل أو معدوم، فهي من جهة فقدت حاميها وشريك حياتها ولابد لها من إدارة العائلة، وتحمل المشاكل والهموم، ومن جهة أخرى تحمل على عاتقها مسؤولية كبيرة لتربية أولادها الذين فقدوا آبائهم، فكم من طفل بكى في قلب الظلمة يريد أباه؟ وكم من طفل نما وترعرع وهو يحس أنه مختلف عن الآخرين إذ إنه لا أب له؟ وكم من شاب انحرف لعدم وجود رقابة أب واهتمام والد عليه؟.

ووفقاً لآخر الإحصاءات الواردة في هذا المجال أن الضحايا الذين قضي عليهم خلال فترة حكم النظام الصدامي تجاوزت الـ‍ 8 ملايين ضحية ، فكم امرأة كانت بين هؤلاء؟ وكم من أم وأخت وزوجة وبنت خلف هذا العدد الهائل من الضحايا؟

أضف إلى ذلك ما عانته المرأة العراقية من التشريد والتهجير والمشاكل التي لمستها وعاشتها في أرض المهجر، حيث خلّفت وراءها العديد بل الكثير من الأمراض والضغوط والآلام النفسية.

في أوائل الثمانينات وفي خلال حملات التهجير المكثفة التي شنّها النظام على الأسر العراقية لإخراجهم من العراق وإرسالهم قسرا إلى إيران ، وفي إحدى تلك الحملات كانت امرأة متوسطة العمر لها 11 طفلا وطفلة كبارا وصغارا، بحيث تحمل في جيوبها رضاعتي حليب لطفليها الصغيرين، وكانت تسعى جاهدة للحفاظ على أبنائها وإبعادهم عن أي أذى، وفي أثناء السير على الأقدام في الأرض الملغومة التي رماهم فيها النظام الجائر على الحدود العراقية الإيرانية انفجر لغم قرب هذه المرأة ففقدت ساقيها من الركبة، وصارت تعالج سكرات الموت أمام مرأى أبنائها بمن فيهم الطفلان الصغيران حتى فارقت روحها الحياة، وبعد فترة قصيرة تركها زوجها وأبناءها بدون دفن في وسط الصحراء؛ إذ إنهم لا يملكون أبسط الأدوات لدفنها، فأي أثر خلفته تلك الحادثة المأساوية على نفوس هؤلاء الأبناء ؟

** الآثار الاقتصادية

قد يكون الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة بعد احتلال الكويت من قبل النظام الصدامي على العراق ذريعة لأجل امتصاص أموال الشعب، ولإحكام قبضته على رقاب الشعب المظلوم، فكان من أشد الآثار الاقتصادية وطأة وإيلاما على الشعب العراقي المظلوم. حيث غدا يدفع ضريبة باهظة الثمن مقابل نزوات صدام العنفية وأفكاره الجهنمية التي لا يرويها سوى سفك الدماء والتعدي على حقوق الآخرين.

فأصبح النظام وأزلامه يزدادون ترفا وبذخاً، فقد عثر على 650 مليون دولار في أحد قصوره، وكذلك تخمّن ثروات نجليه (عدي وقصي) بمليارات الدولارات، بينما تخمن ثروة الطاغية الأكبر في الخارج بأربعين مليارا من الدولارات. وفي نفس الوقت يئن الشعب العراقي من الفقر المدقع الذي هيمن عليه، بحيث أذله حتى في لقمة عيشه .

وأضحت المرأة العراقية في هذا المحك حائرة لصعوبة الموقف، فكيف تدير أسرتها، وبأية وسيلة تدبّر متطلبات أبنائها؟ فغدت متقشفة حيث قلّصت من كل متطلبات الحياة، واقتصرت على الأهم فقط ، أو التجأت إلى بيع ما تملك من الأشياء الثمينة، أو الخروج للعمل، أو ممارسة بعض الأعمال اليدوية في سبيل زيادة الدخل المالي للأسرة.

ذكت إحدى الأخوات بتألم ما شاهدته من جارتها للتعبير عن تلك المعاناة الكبيرة : كانت الجارة صباحا تخفق البيضة الواحدة خفقا شديدا كي تعطي لولديها طعام الفطور بنصفها وتقوم بإعداد ساندويشتين بالنصف الثاني كي يأخذاها عند الذهاب إلى المدرسة.

وحتى الأسر الغنية لم تأمن على نفسها من النظام، حيث كان بحجج واهية أو أكاذيب ملفقة يتم إعتقالهم أو تهجيرهم أو تشريدهم، ثم يقوم بمصادرة أموالهم وممتلكاتهم، ناهيك عن الوضع المأساوي الذي يعانونه خارج الوطن.

وتذكر إحدى النساء المؤمنات من الأسر الغنية حالهم بعد المصادرة وعند وصولهم إلى أرض المهجر: كنا حفاة الأقدام، ولا نملك شيئا من متاع الدنيا.

ونظراً لتدهور الوضع الاقتصادي للشعب انتشرت ظاهرة العنوسة في المجتمع، وأعرض الكثير من الشباب عن الزواج ، حتى أصبحت الشابة منهن ترضى بالزواج إلى خارج الوطن بدلا من أن تصبح عانساً. وان أقبل أحدهم على الزواج فلا يتمكن حتى من تهيئة بيت صغير متواضع لزوجته ، وإنما يجلسها في غرفة متواضعة في بيت والده، حتى إن بعض الأسر قامت بتزويج بناتها قسرا كي يخف العبء الملقى على عاتقها.

** الآثار الاجتماعية

قد يكون تقلص وانكماش العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع وحتى بين أفراد الأسر وانعدام الثقة والتشكيك فيما بينهم من أهم الآثار في هذا المجال، فنظرا لتدهور الوضع الاقتصادي ووجود النفوس الضعيفة في المجتمع قام النظام بشراء الضمائر لتثبيت حكمه؛ إذ خلق من الناس مجموعة وشاة ومنافقين، حيث يحاول كل فرد أن يجمع الأدلة ضد الآخرين لتقريب نفسه إلى السلطة ، فأصبح الأب لا يثق بابنه ، والأخت لا تثق بأخيها ، وحتى الجيران لا أمان لهم .

تذكر إحدى الأخوات بعد اعتقالها ومصادرة أموالها وممتلكاتها: إن الذي قصم ظهورنا وأوصلنا إلى هذا الحال هو غدر الجيران بنا ووشايتهم علينا.

وهناك عامل آخر لهذا التقلص، وهو الأسر التي يكون أحد أفرادها سجينا أو معدوما فتصبح منبوذة من قبل المجتمع، لذا تحرم الفتاة التي تنتمي إليها من فرص الزواج في الدوائر الحكومية والتوظيف.

** الآثار الثقافية

إن العلم والثقافة لا ينموان إلا في ظل الحرية، وهما العدو اللدود للمستبدين والظالمين؛ لذا لجأ الديكتاتور صدام حسين إلى سلب حرية الشعب أولاً، والتضييق عليه وتخنيقه ثانيا ، وذلك بوضع العراقيل للحيلولة دون تقدمه وتطوره.

وقد تكون أهم العوامل الرئيسية هو الحروب المفروضة على الشعب، والتي كان يشنها النظام مع الأكراد تارة، ومع إيران أخرى، ومع الكويت ثالثة ، فالحرب هي التي أدّت إلى تفشي الفقر والجهل والأمية في صفوف الشريحة النسوية من الشمال إلى الجنوب.

ويتبع ذلك التسرب من التعليم؛ وذلك للثقافات المفروضة من قبل النظام، كالانتماء لحزب البعث أو الطلائع أو الفتوة في المدارس، أو المؤسسات الصورية كالانتماء للاتحاد العام لنساء العراق، وقد تأبى الكثير من الأسر المحافظة ذلك صيانة لفتياتها.

وهذه المؤسسات - وبالأخص الأخيرة منها - تمارس أبشع أنواع العنف والجرائم والانتهاكات بحق المرأة العراقية، حيث كانت رئيسة الاتحاد منال يونس تعقد الصفقات وتنظمها لتجارة الشابات المراهقات الحسناوات ، وذلك تحت إشراف ولحساب عدي صدام حسين النجل الأكبر لديكتاتور العراق، وقد يتم تصفيتهن جسديا بعد رجوعهن إلى العراق، وذلك تسترا لتلك الجرائم.

وقد يلعب العامل الاقتصادي عاملا ثانيا لذلك التسرب؛ إذ تزاول الفتاة الأعمال اليدوية لمساعدة أسرتها اقتصادياً، أو إن الأسرة لا تتمكن ماديا من النفقات الدراسية وإن كانت بسيطة.

وقد تتجسد المعاناة الثقافية بشكل أكبر لذوات الشهادات العليا؛ وذلك لعدم إتاحة فرص العمل لهن، والتضييق عليهن لأجل خدمة النظام، ويؤدي ذلك إما إلى الجلوس في الدار وهدر الطاقات ودفنها، أو الالتجاء إلى الدول الغربية للاستفادة من الفرص المتاحة لهن هناك.

بالإضافة إلى ذلك قد يلعب التعتيم الإعلامي والثقافي الذي كان يمارسه النظام تجاه الشعب دورا كبيرا في تخلف الشعب عن ركب الحضارة ومسايرة العصر؛ إذ إن وسائل الإعلام والاستفادة من الثروة التكنولوجية تحت اختيار النظام الصدامي، حيث يقوم بتوجيه الشعب حيثما شاء ووفقا للمبادئ التي يؤمن بها، بينما الشعب متخلف عن ركب الحضارة ومسايرة العصر؛ إذ إنه لا يسمح له بوجود ومشاهدة أي قناة إعلامية أخرى ، لذا كانت المرأة العراقية محرومة من المعرفة والعلم، ومعزولة عن العالم والاطلاع عليه.

وتظل معاناة الشعب العراقي عميقة ومؤلمة، حيث إن الفرد الواحد يجسد معاناة متعددة في آن واحد، فقد أنهكه استبداد النظام الصدامي واستنزف جميع قواه، ولكن لابد من بزوغ اشراقة النهار بعد ذهاب ظلمة الليل الحالكة، ولابد لهذا البزوغ أن يزرع الأمل والتفاؤل من جديد، ولابد للأم من تربية أجيالها اللاحقة على أن الظلم لا يدوم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

واليوم المرأة العراقية مدعوة لان تأخذ دورها الطبيعي في الحياة، وتكتب عن معاناتها في ظل النظام المباد، وتحمل في يديها راية التطلع للامام ورؤية المستقبل بأيجابية وتفاؤل عبر الاستفادة الواعية من تجاربها السابقة، والمطالبة بحقوقها المنتهكة، والدفاع عن مظالمها وحرياتها المشروعة تأسيا واقتداءً ببطلتي أهل البيت فاطمة الزهراء والسيدة زينب (عليهم السلام).