|
إلى من تقدم هذه المظلومية .... قصة من قصص المجاهدات |
|
|
|
|
|
في عنفوان العمر وغضاضة الصبا كانت تقطع خطاها فتاة فرحة، فبعد أيام سيكون موعد زفافها، وقد تكللت أفراح عمرها، فقد أكملت دراستها وتقدم لها شاب رأت فيه فتى أحلامها، وأفكاره تنسجم مع أفكارها، وتطلعاته تتناغم مع تطلعاتها، فبدأا ينسجان خيط الأحلام، وضعا فيها كل ما يتمنيان، فطال الحلم وأصبحا يريان صور أبناء المستقبل، ويعدان لهم ما يلزمهم، فحلقا بجناحيهما في عالم جميل زاه في جوانبه وهما ينتشيان بهذا الحلم اللذيذ، وقد بدأت تتعدى أسوار الزمن، وتقفز لتكون في اليوم الذي تجتمع فيه مع رفيق العمر في عشٍ واحد سيكون انعكاساً لكل طموحاتها وآلامها. وفي صبيحة يوم حيث كانت في محل عملها جاء أحد الموظفين يبلغها أن المدير يطلبها، فذهبت إلى غرفة المدير، وهناك قال لها: إن هناك استفساراً سيؤخذ منها في دائرة أمن بغداد (الأمن العامة) وستعود بعدها لمواصلة العمل، ارتابت من هذا الموضوع، ولكنها أحسَّت أن ذهابها إجباري، فذهبت برفقة شخصين كانا موجودين في غرفة المدير، وحين وصولها وضعت عصابة على عينيها، فبدأت دقات قلبها تضطرب وتتساءل، ترى لماذا تُعامل هكذا وكأنها مُدانة!!! وبنفس الصورة كانت قد سمعت بها من قبل، لكن لماذا؟ فلم يصدر منها ما يستدعي هذا التصرف.. ثم بدأت تسترجع شريط الزمن علّها تجد فيه سبباً واحداً يجعلها في هذا المكان وبهذه الصورة، ولكن لم تجد ولا سبباً واحداً. وهنا وجدت نفسها وحيدة، أين الأب وأين الأخ وأين الزوج..؟ وليس من حمى، فهي وحيدة بين مجموعة من الرجال يسوقونها إلى مصير مجهول، وهي تقطع الممر الفاصل إلى غرفة التحقيق، فقد كانت تحس أنها تمر بأشخاص يجلسون على الأرض، لأنها كانت تسمع أنيناً من هذا الجانب وأنيناً من ذاك، فيزداد خفقان قلبها من الخوف، ثم أوقفها الحارس بجانب مكان وأخذ يطرق على باب خشبي وإذا بصوت من الداخل يقول: ادخل، فدخل الحارس وسحبها معه وأوقفها في مكان لا تدري أين هو..؟ وبعد فترة من الزمن طلب الشخص الموجود في الغرفة من الحارس أن يرفع العصابة عن عينيها، وحين رفعها أخذت تحاول أن تلقي نظرة تستقرئ فيها كل ما هو موجود في الغرفة، فرأت شخصاً ذا قسمات توحي بالقسوة والغضب يجلس خلف طاولة، وغرفة مبعثرة قد وضعت فيها كيبلات ومحولة كهرباء تتصل بكابلات وقيود وعصي، ثم رأت سلسلة متدلية من سقف الغرفة وضع تحتها كرسي، فازداد وجيب قلبها، وأيقنت أنها هنا لأنها متهمة بجرم لا تعرف ما هو؟ ابتدرها الشخص بسؤال عن اسمها ومهنتها وأسماء أفراد عائلتها، ثم قال: ألا تعلمين لماذا أنت هنا؟ قالت: أبداً ...فقال لها: ألا تعرفين شخصاً يدعى فلاناً..!؟ قالت: لا... قال لها: والتنظيم.... قالت: أي تنظيم؟ فليس لي أي تنظيم. قال: إذاً ادعو لها فلاناً. وبعد لحظات فتحت الباب وأدخل شخص عليه صفرة كأنها صفرة الموت يلبس دشداشة قصيرة وقذرة، وهناك علامات ضرب مزرقة في وجهه، كما أنه لا يستطيع المشي والحركة إلا بصعوبة، وكان الحارس يسحبه من القيود بكل قسوة ووحشية. هنا قال المحقق: ألا تعرفينه؟ هنا أحست بأن ثقلاً كبيراً قد وقع على رأسها، فهذا الشخص كان قد تكلم أمامها عن بعض النشاطات، وكانوا قد ربطوا بينها وبينه، وهنا أفاقها من هذه الهواجس صوت المحقق الذي صرخ: قولي ما هي علاقتك به؟ فقالت: ليس لي أي علاقة معه. هنا قاطعها المحقق ووجه كلامه إلى الشخص المقيد قائلاً: انصحها، فقال لها: قولي ما عندك، فقالت: وأي شيء عندي؟ وهنا قال المحقق: أخرجوه، وقال لها: من الأفضل لك أن تقولي كل ما عندك وإلا ستتعرضين إلى ما لا تتصورين، وستهتك حرمتك وستجلب أمك وأخوانك وزوجك، وصعقت بكلامه وقالت: أقسم لك إنني لا أعرف هذا الشخص، بل إنني قد رأيته مرة ولم أره بعدها. قال لها: إذاً لماذا لم تخبري السلطات المختصة عنه؟ قالت: لماذا أخبرهم؟ قال: لأنه مخرب. قالت: وما أدراني بذلك. قال: إن تسترك عليه يعني أنك تشاركيه أفكاره التخريبية. قالت: صدقني لم أسمع منه سوى بضعة جمل، ولم أوافقه عليها، ولم أكن أعلم أنَّه التنظيم وأن عليّ الإبلاغ عنه. قال: يا حرس علقها.... هنا قيَّد الحرس يدها وعلقها في كلاّب يتدلى من سلسلة في وسط سقف الغرفة، فأخذت تتأرجح في الهواء، وأحسَّت أن الدنيا تدور وتدور بها، ثم ما لبثت أن أحست أن كتفيها تنخلع من مكانها مع ألم شديد، ثم بدأ الحارس بجلدها بعصي مطاطية وآخر يلسعها بلسعات كهربائية وهي تصرخ وتصرخ وتصرخ إلى أن انقطع نفسها، فقال المحقق: توقف وأنزلوها. فأنزلوها وهي شبه المغمى عليها وأجلسوها على الكرسي، فقال لها المحقق: اعترفي عن كل الأعضاء الذين معك في التنظيم، فقالت بصوت خائر: ليس لي تنظيم، ولا اعرف أحداً صدقني إنني أقول الحقيقة. استمرت هذه الجولة ولم تسفر عن تصديق المحقق بكلامها، فنقلوها إلى غرفة لوحدها وما إن تركوها فيها حتى جهشت بالبكاء، ترى هل من الممكن أن تهتك كل حرمة لها لا لشيء؟ أفتهان وتضرب وتنسب لها تهمة؟ ثم كانت الوحدة تجعلها تستسلم لهواجسها، ترى ماذا فعل والدها ووالدتها وقد خيَّم الليل بسكونه ولم تعدُ إلى البيت...؟ ترى هل علموا بمصيرها؟؟... هل علم زوجها بما حلَّ بها؟ وكيف سيواجه الموقف؟ بل وكيف ستنتهي هذه الأزمة؟ في هذه الدوامة كانت في داخلها مطمئنة بأن هذه الزوبعة ستنتهي قريباً، فهي لم تعمل شيئاً، من غير المعقول أن يؤدي هذا الاشتباه إلى غيابها عن البيت إلى غد.. حاولت أن تصلي... ولكن أين تتوضأ، فليس في الغرفة ماء. هنا تيممت ثم صلّت لكن كانت قواها خائرة لم تستطع القيام في الصلاة، فصلّت من جلوس، وبعد سويعات فتح الباب فارتجف قلبها: تُرى هل سيعيدونها إلى غرفة التحقيق رباه؟ دخل الحارس ودفع امرأة تلبس العباءة إلى داخل الغرفة وهو يهينها، فعثرت المرأة وسقطت على الأرض، ثم أقفل الباب وذهب... فقامت المرأة ورتبت ثيابها وجلست، فرمقتها بنظرات ولكن لم يكن يبدو على ملامح الداخلة ولا هندامها ما يظهر آثار التعذيب أو حتى القلق، ولم تترك الداخلة الوقت يمضي حتى بادرتها بالسؤال: لماذا أنت هنا؟ - لا شيء، لم أعمل شيئاً. - لقد وضعوني هنا من أجل الذي يقولون: إن عنده تنظيم، وقد اتهموني معه، ثم أطرقت برأسها. ساد الصمت فترة ثم عاودت المرأة المحاولة لفتح الحديث فقالت: من أية منطقة أنت؟ وأين تعملين؟. فأجابتها باقتضاب، ففي سلوكها ما يثير الريبة والشك، ثم عاودت استدراجها مرة ثانية وأخذت تحاول ملاطفتها والحديث معها، وبين الفينة والأخرى تسألها: لماذا فعلت؟ فلا تزيد عن قولها: لم أفعل شيئاً، وقد قلت كل ما عندي، ولن يطول مكوثي هنا في هذا المكان. مرّ الليل طويلاً، ولم يجد النوم طريقاً إلى مقلتيها، وكانت تفكر في أهلها، ترى ماذا سيفعلون؟ من المؤكد أنهم يقظين في هذه الليلة، وكيف ينام من فقدت ابنته؟ ومن المؤكد أن زوجها سيتصل بهم وسيسألهم عنها، ترى ماذا سيقولون له؟ رباه فرّج عني بسرعة.. ولكن ماذا سأقول لأهلي ولزوجي؟ وهل سيصدّقون إنني دخلت إلى أخطر دائرة في الدولة ولم افعل شيئاً يذكر..؟ آه رباه ساعدني لكي أخرج من هذا المأزق. كان الجو بارداً، حاولت الاستلقاء ولم يكن في الغرفة غير أغطية أربعة قذرة قذفها الحارس مع العشاء، فكرت كيف ستستلقي على هذا الفراش القذر الذي..... فوطنت النفس ووضعت واحدة تحتها بعد أن وضعت الحذاء وسادة لها، وألقت الأخرى على جسدها بعد أن غطت رأسها وأنفها بالربطة التي تضعها على رأسها لكيلا تشتم رائحة هذه الأغطية المقرفة. كانت ساعات الليل تمر بطيئة جداً، فاستحضرت أقوال بعض الشعراء حين يقولون: إن ليل الحزين طويل فهو تارة يعد النجم فيخيل إليه أنها لا تتحرك، وقد تجسدت هذه المشاعر في نفسها حتى إنها بدأت تحسب كل لحظة تمر عليها، فترى أن الوقت طويل جداً، ثم غفوت إغفاءة مصيرية، فصحوت بعدها على صوت أذان بعيد يأتي من كوة عالية في الغرفة، ويتدلى من سطحها كلاّب فيه سلسلة، فاستجمعت قواي، وتذكرت أن المؤذن يقول: (الله أكبر) إن لهذا الكون حاكماً هو اكبر من تجبر المتجبرين وطغيان الظلمة، وهو قادر على تخليصي مما أنا فيه، بل هو معي في كل لحظة يرى ويسمع معاناتي وأنيني وأنين كل مظلوم في هذه الأرض، بل إن دعاء المظلوم قد يخترق الحجب السبع، فاطمأنت نفسي، وأحست بسكينة وأمان استقرار فتيممت وأديت صلاتي. ثم انتبهت إلى المرأة التي معها فلاحظت أنها تغطُ في سبات عميق، فحاولت إيقاظها مراراً للصلاة فلم تنهض، فساورتها أسئلة كثيرة حولها ترى كيف تستطيع النوم بهذه الصورة وهي تمر بمحنة اعتقالها واعتقال أخيها، بل كيف تستطيع النوم ومن الممكن أن يهتك سترها في أي لحظة. أنهيت صلاتي وبعدها بقيت يقظة أسبح وأدعو الله. فتململت المرأة وهي تسمع صوت بكاء مع الدعاء وقالت: ألا تصلين فقد أذن لصلاة الفجر. قالت: وكيف أتوضأ؟ قالت: عليك والحال هذه أن تتيممي بدلاً عن الوضوء؛ لأن الصلاة لا تسقط بحال، وأنت والحال هذه بحاجة إلى القرب أكثر من معين الضعفاء. قالت: صدقت.. ثم قامت وتيممت وصلّت. وعادت إلى النوم وبقيت وحدي تنهشني الهواجس والأفكار إلى أن دبّت الحركة في المكان، وسمعت صوت الحرس يجيئون ويذهبون، ثم بعد أن قاربت الشمس على الارتفاع فتحوا الباب وسمحوا لنا بالذهاب إلى دورات المياه، فغسلت وجهي وتوضأت ثم أدخلونا ثانية إلى الغرفة، وبعد ما يقارب الساعتين جاء الضابط ومعه اثنان من الحرس، وأخذوا المرأة وبقيت لوحدي، فكنت أحسب الوقت دقيقة دقيقة، فكلما يفتح الحارس الباب للإتيان بوجبات الغذاء كنت أسأله عن الوقت متى أخرج من هنا، حتى أجاب أخيراً بأن أنسي، الوقت هنا طويل، بعد سويعات جاء نفس الملازم ومعه الحارسان وأخرجوني من الغرفة، وهنا سألت الملازم: هل ستذهبون بي إلى البيت؟! قال الملازم: لا، ليس الآن..قلت: لكن متى؟... قال: بعد فترة.. قلت: ولكن لماذا؟ ما هو الجرم الذي نسبتموه لي كي تمسكوا بي هنا؟ لقد أوضحت لكم كل شيء وكل التباس، وليس هناك ما يوجب استبقائي هنا. لقد قلت لكم الحقيقة كاملة.. صدّقوني!!!. قال: لقد أيقنّا أنك قلت كل شيء، فلهذا السبب سوف ننقلك إلى مكان مريح أكثر، وستجدين هناك نساء معك ولن تكوني وحدك. تعجبت لكلمة (أيقنّا) وأخذت أتساءل ترى ما الذي أوجد هذا اليقين بين ليلة وضحاها؟ هنا قفزت صورة تلك المرأة في ذهني ودخولها وخروجها في وقت محدد وقصتها وأسئلتها وسلوكها العام واستقرارها النفسي رغم ما تدّعيه، ترى هل من الممكن أن تكون قد دست لي لتكشف مصداقية كلامي؟ لا أدري، فكل شيء ممكن وجائز، وقطع صوت الملازم عليَّ سلسلة أفكاري بصوته حينما قال للحارس: أحضر لنا سيارة لنقلها إلى الأمن العام، وبعد أن عصبوا عيني وقيدوا يداي وضعوني في السيارة. وبعد مسافة قصيرة أحسست فيها بدفء الشمس الحنون يتغلغل إلى جسدي فيعطيني قوة بعد أن قضيت ليلة باردة في تلك الغرفة المغلقة. توقفت السيارة وأنزلوني وفتحوا العصابة عن عيني والقيد ريثما كان الحارس يفتح قفل الباب ويسحب المزلاج، لقد كان باباً صغيراً، وعندما فتحت توجه نظري إلى داخل الغرفة لأرى المكان الذي سيدخلونني فيه، فرأيت غرفة صغيرة مكتظة بالنساء، كنَّ مشغولات بستر أنفسهن وتغطية رؤوسهن حيث إن الغرفة مظلمة نوعاً ما برغم الضوء المفتوح، ورائحة الرطوبة تملأها بحيث ابتعد الملازم بعيداً، ومن ثم أدخلوني وأغلقوا الباب خلفي. سلمت على من دخلتُ عليهن ولكن بنبرات كسيرة، فبدخولي أحسست أن بقائي في هذا المكان هو ليس لاشتباه وإنما لتهمة موجهة ضدي، كان الموجودون يتطلعون فيَّ كأنَّ نظراتهم أسئلة تترجم. من؟ لماذا؟ ومتى؟... أين؟ كان جوابي الصمت إلى أن قطعت امرأة متوسطة العمر صمتي وقالت: اجلسي يا عزيزتي، فكلنا هنا أخواتك، وحاولي أن ترضي بقضاء الله، فكلنا مظلومون مثلك، فأنا هنا أقدم الموجودين وقد أتوا بي إلى هذه الغرفة ولم يكن فيها أحد، وكنت حاملاً في الأشهر الأولى وقد ولدت، وهذه ابنتي تقارب السنتين، التفتُ إلى الطفلة وهي تلعب وتضحك مع إحدى الموجودات التي كانت تسألها: نور كيف هي الفلقة.. وهنا رفعت نور ساقيها مشيرة إلى وضع الفلقة للموقوفين، دُهِشْتُ لهذا المنظر، فعالمُ هذه الطفلة هو أنين المعذبين وجراحاتهم، ومجمل مفرداتها عن العالم هي أيدٍ معلقة في السقوف لا يقوى أصحابها على الحراك وأرجل ممزقة بالعصي. هل هذا هو حق الطفولة البريئة في هذه الحياة.. يا إلهي.. التفتُ إلى أمها قائلة: كيف تتركين طفلتك تعيش في هذا المكان؟ ترى ما هي النفسية التي ستنشأ بها وسط هذه المعاناة؟ إنها جريمة بحق هذه الطفلة، إنها وردة تتفتح في هذا العالم ولكن ما هي مفردات عالمها؟ إنها جراحات ودموع وعذاب وصراخ وأنين ودماء. هنا ردّت الأم بنبرات كسيرة: لكن ما هي جريمتي أنا لأمكث في هذا المكان هذه السنين بحيث لا يرى جسدي شمساً ولا أرى سوى هذه الغرفة المظلمة ذات الرائحة العفنة..؟ صمتنا وبدأت أجيل نظري في وجوه الموجودات فرأيت وجوهاً صفراً هنا وفتيات صغيرات في عمر الورود هناك.. ثم طفلٌ يلعب.. فالتفتُ إلى أم نور وسألتها: ولكن لماذا هذا الطفل هنا..؟ قالت أم نور: آه جهاد جلب مع أمه وخالته بعد أن اعتقل أبوه. - لكن ما ذنب هؤلاء الأطفال ليكونوا هنا؟ وكيف يتغذون؟ إنهم بحاجة إلى الشمس والهواء النقي. - أي شمس وأي هواء نقي.. دعينا هكذا.. ولكن لنعيش بلا خوف، إنا بحاجة إلى الأمان والطمأنينة لا نريد شيئاً آخر. - وهؤلاء الفتيات اللاتي بتقديري أعمارهن بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة. - هؤلاء فتيات جئن مع والدتهن وأختهن الكبرى بعد أن اعتقلوهن من أجل الأخت الكبرى كوسيلة للضغط عليها حتى تدلي باعترافاتها. - يا إلهي وهل يأخذون بجريرة غيرهم؟. - الأمور هنا هكذا مجراها، سترين أموراً أكبر وأكبر فلا تعجبي، وستنسين في هذا العالم المليء بالآلام نفسك وأهلك وحتى آلامك. - لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. صمت قليل.. ثم قالت: عليك أن تستحمي وتغيري ثيابك فمن غير المعقول أن تبقي فيها. - وهل يوجد هنا حمام ماء؟ قالت: نعم. - ولكن ليس عندي ثياب كي أغيّر ملابسي. - سنعطيك نحن، ويمكنك أن تغسلي ثيابك. - لكن أين سأنشرها؟ قالت: على بسامير على الحائط. - حسناً أشكرك. حاولت التكيف مع المكان الجديد، ورأيت عالماً مليئاً بالقصص التي لا تصدق، فهناك العجائز اللاتي جئن لأجل أولادهن والنساء من أجل أزواجهن، وهناك من جيء بها لاعتناقها فكرة معينة. كانت المجموعة متصفة بروحية من يحمل الفكرة فيزرع الصبر والرضا في المكان، ويحاول أن يبث في النفوس العزيمة والقوة، فعندما يظلم الإنسان فهذا لا يعني أن ينكفئ على ذاته ليندب حظه العاثر، ولكن الإنسان هذا المخلوق الذي حُظي بالتكريم الإلهي وشرّف بالخلافة على الأرض لا بد وأن يكون له في كل موقع دور، فها هو نبي الله يوسف (عليه السلام) حينما ألقي في الجب وحينما سجن هذه السنين الطوال ماذا كان دوره؟ هل جلس في مكان يبكي على مصيبته؟ أم حاول أن يوظف الزمان والمكان للدعوة إلى الله في مجتمع لا يعرف التوحيد، وفي التاريخ الكثير من الشواهد المليئة بالجراحات والآلام؛ لأن صراع الحق والباطل لابدَّ وأن يكون له ضحايا ومظلومون، وهذه سُنَّة إلهية في هذا الكون. حاولت أن استمد من هذه القصص القدرة، فكان لي الأسوة بنبي الله يوسف (عليه السلام) والإمام الكاظم (عليه السلام) وبتاريخ التشيع المملوء بالسجون والنفي والتشريد والعذابات، ويكفي أن أذكر أن أول رأس رُفع في الإسلام هو رأس عمرو بن الحمق وهو من الموالين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وأول امرأة سجنت هي زوجة الشهيد، حيث أخذت كرهينة لحين اعتقال زوجها، ولي الأسوة الكبرى بسيدتي ومولاتي زينب وهي سيدة المخدّرات حيث هتك سترها، وضربت بالسياط، وسيقت مع الأسرى من بلد إلى بلد، وكان لذكرى العقيلة سكينة الأثر الكبير في نفسي وحين أذكر كيف هتك ستري فتسري حرارة في بدني تجعله يكاد يحترق، فكان الماء الذي يطفئ تلك النار هو ذكرى سيدة المخدّرات ومصيبتها التي هي عزاء للعالمين في كل زمان ومكان.. مضت الأيام تجري ببطء أقضيها بالصوم والصلاة وتلاوة القرآن، وبين فترة وأخرى أتذكر أهلي وزوجي وأقول: ترى ما هو حالهم؟ فأتأمل الجموع جالسة معي وأقول في نفسي: فهل أنا الوحيدة التي أحمل هذه المعاناة؟ فهؤلاء الجالسات معي يحملن نفس الهموم ولهن نفس الهواجس فصبرٌ جميل. في ظهيرة أحد الأيام فتح الباب الحراس وبيدهم ورقة ونادوا بأسماء مجموعة من الأخوات إحداهن (أم جهاد) فارتبكت لأنها علمت أنهم سيأخذونها من هذا المكان، ورآها جهاد فاخذ يبكي وتعلّق بأذيالها التي ذهلت هي الأخرى، وعندما أرادت الخروج من الباب أخذ الحرس ابنها الذي بدأ يصرخ ويبكي وأصعدوها في السيارة، وعندما سألته مسؤولة الموقف قال لها: سنبعثه إلى أهلها؛ لأنها ذاهبة إلى المحكمة. ساد الوجوم بين الجالسين ترى أيُّ مصير ينتظر هؤلاء الذاهبين في السيارة؟ وما هو مصير جهاد الذي علمنا بعد سنين أنه لم يعط إلى أهلها وإنما غُيب مصيره وكذا مصير أمه. مضت شهور وكانت مفردات الحياة فيها التعذيب والمحكمة والإعدام والسجن وغيرها.. ومع هذا القاموس نسيت الحياة والوظيفة والزوج والأهل، بل والدنيا كلها، ثم فتح الباب وإذا بالحارس يحمل في المرة ورقة فيها اسمي، فعلمت أنني ذاهبة إلى المحكمة، شُدَّت عيني بالعصابة، وأركبت في سيارة إسعاف فيها زنزانات انفرادية مغلقة بحيث لم اعلم أين تسير السيارة، وبعد مسافة أنزلونا إلى قاعة منخفضة عن الأرض وكانت مكتظة بكثير من الشباب، وكان الجميع بحالة بائسة، فقسم كان مشدود الرأس والرجل والجميع صفر الوجوه صفرة كأنها صفرة الموت ويلبسون ثياباً قصيرة ومتسخة، بل وبعضها منقع بالدماء، ثم نادى الحارس الذي يقف على باب القاضي بأسماء مجموعة من ضمنهم اسمي، فحشرنا في قفص يتراوح 2×2م، ثم قرا الادعاء إفادة مضخمة عن كل فرد حتى انه لما ذكر اسمي دُهشت؛ لأنه اعتبرني عضواً في تنظيم يعمل على التخريب ويمارس أعمالاً إرهابية، ومما يدهش اكثر أنني لحد الآن لم اعرف اسم هذا التنظيم، وذلك لأن المدَّعي لم يذكر اسمه، وبقيت لحد الآن في حيرة من هذا التنظيم الذي اتهمت بالعضوية فيه، ولا أعرف عنه شيئاً. ثم طالب الادّعاء بإنزال أقسى العقوبات، وتلاه الدفاع الذي لم يكن دفاعاً ولم يره المتهمون، بل إن القاضي قبل أن يتكلم الدفاع قال للمتهمين: هل لكم دفاع؟. فصمتوا لأنهم لم يروا أحداً منذ أن غُيبوا في هذه المطامير، فقال القاضي: لقد انتدبت لكم المحكمة محامياً. ودعاه إلى التقدم للدفاع عن المتهمين. كان الدفاع أقسى من الادعاء، بل إنه أيضاً دعا المحكمة إلى إنزال أقسى العقوبات بحق هؤلاء المخربين الذين يسعون إلى الإخلال بأمن الوطن واستقراره في ظروف حرجة وصعبة ثم استثنى بعض الحالات داعياً المحكمة التخفيف عنها إما لصغر السن أو لصلة رحم لمتهم آخر، ثم سأل القاضي كل متهم هل أنت بريء أم متهم؟ الذي يجيب بريء يكيل له سيلاً من الشتائم والسباب... انتهت هذه المسرحية الهزلية بالحكم على البعض بالإعدام والسجن المؤبد على الباقين، وكنت أنا ممن حكم عليهم بالسجن المؤبد، وكانت ردود فعلي باردة لأنني مدهوشة لهذه الشرعية والكيفية التي تقلب بها حياة إنسان من حال إلى حال ثان يحرم بها كل حقوقه كإنسان؛ ويسلب حقه في الحياة والعيش الكريم. نقلت بعدها إلى سجن الرشاد الذي هلكني وأنا انظر إلى الأسوار العالية التي تحيط به، فنظرت وقلت: ترى كم سأقضي في هذا المكان وهل يا ترى ستمر عليَّ السنون وأنا قابعة في هذه الدهاليز الحزينة؟. استلمتني حارسة السجن وأوصلتني إلى قسم مغلق، وفي الطريق رأيت أصناماً متعددة من الأشكال التي يوحي بعضها بالريبة والقسوة أو الجريمة، فأيقنت أنني الآن في عداد المجرمين، وأن عائلتي غرست في قيماً ومفاهيم ومثلا، وحافظت علي في مختلف مراحل حياتي، لكن شاءت الأقدار أن تفقدني بحيث يجمعني مكان واحد مع فئات موجودة في المجتمع موصوفة بالبغاء والجريمة والسرقة والمحرمات، بل وشتى الانحرافات. دخلت هذا المكان الذي هو عبارة عن معمل لاستهلاك الطاقة الإنسانية وتذويبها وقتل الإرادة الحرة وكل تطلّع قيمي نحو مجتمع أفضل من خلال استهلاك وقت الإنسان في مطالب حياتية بسيطة..... فالجميع هنا يركض (ويلهث) لتجميع الماء؛ لأنه شحيح ولكي يمتلئ إبريق ماء يستعمل للتطهير أو الوضوء قد يستهلك الإنسان ساعات طوالاً، أو قد ينتظر هذه الساعات الطوال على باب دورة المياه. وتحضرني هذه الحادثة لإحدى الأخوات التي كانت تريد أن تغسل أواني الإفطار، فكانت تنتظر أنبوب الماء الوحيد المخصص لما يزيد عن (120) شخصاً، ولما نفذ صبرها أخذت تبكي بكاءً مراً كأنها تبكي لفقد عزيز غال.... ترى هل تبكي على الماء؟ أم على إنسانيتها المسحوقة وطاقتها المهدورة ووقتها الضائع؟. وكأنَّ وسيلة علاج هؤلاء المخربين هو جعلهم يحرمون من أبسط واهم المتطلبات الحياتية، فيقضون السنين في المعاناة لأجلها؛ ليدركوا بعد ذلك أن الخضوع لأي شيء هو أفضل من هذه المعاناة. ولم يكن الماء هو المعاناة الوحيدة، بل الأصعب منه المعاناة الصحية، حيث كانت أكبر، فلا طبيب متخصص هنا، بل طبيب أو جلاد لكل الأمور، بل هناك طبيبة تأتي في الأسبوع مرة ولم يكن قلبها أرحم من الجلادين والرقباء في السجن، فقد كانت موصاة بأن تعتبر كل الأمراض نفسية فلا داعي لعلاجها.. وطبعاً من واقع المكان كان استهلاك صحة وبدن الإنسان عاملاً ثانياً للمعاناة، فتسوس الأسنان والتهاب اللثة والتهابات المعدة والأمعاء والقرحة والكلى والمجاري البولية، مضافاً إلى الأمراض الأخرى الناتجة من التعذيب أو سوء التغذية. أما المعاناة الثالثة فكانت حجب جميع الوسائل الثقافية، وهذه هي الطاقة الكبرى للإنسانية، خصوصاً للإنسان المثقف الذي يعتبر زاده في العلم والثقافة، فكان القلم ممنوعاً والورقة ممنوعة والجريدة ممنوعة بل وحتى الدعاء كان ممنوعاً، والنعمة العظيمة والفضل الكبير كان هو السماح بوجود قرآن كريم واحد في الغرفة الواحدة. وكانت الغرف تتفاوت في العدد حسب كل فترة، ففي غرفة تتراوح بين 3م×2م كانت يتراوح العدد بين (20 حد أقصى إلى 5 حد أدنى) وكان الجميع يحاولون توظيف المكان لبناء النفس برغم انعدام السبل والوسائل، فكان الأكثرية يقضون وقتهم في قضاء ما فاتهم من الصلاة والصيام، بل وحتى (نيابة) وحفظ وتعلم تلاوة القرآن بالشكل الصحيح وتعلم المسائل الفقهية وتفسير القرآن وتبادل مختلف العلوم من أجل أن تبقى المعلومات في الذاكرة ولا تستهلكها السنون والأعوام، فلم تبخل أي واحدة بما عندها من معلومات تعلمتها في حياتها على الأخريات.. قضيت في هذا المكان اكثر من عشر سنوات ولم أر أهلي إلا بعد سبع سنوات، وكان الذي يصلني منهم فقط الحاجيات التي تأتي في الشهر الواحد مرة، وكانوا بين فترة وأخرى يعاقبونا لأتفه الأسباب، فيقطعون عنا دخول الحاجيات والأكل التي يجلبها الأهل، ويرجعونهم خائبين حزينين، فلم تكن هذه المعاناة تخصنا نحن فقط، بل كانوا أهالينا يتعذبون أكثر منا ويهانون عند الباب من قبل أخس الناس وهم الحراس الذين يعانون من عقدة النقص من جميع النواحي. وفي من خلال هذه السنين رأيت ما يزيد على عشرين حالة إعدام، فكنت أعيش مع نساء ينتظرن الموت، وكانت لحظة سوقهن إلى الموت عالقة في ذهني ولن أنساها ما حييت وخرجت بعد عشر سنوات ولي مخزون عميق من القصص والأشخاص والأخطاء التي تصاب بها الحركات الإسلامية والسياسية بصورة عامة وطرق اختراقها. ومع بعدي ونسياني للحياة الطبيعية فوجئت بأني عنصر مرفوض في الوظيفة، بل وحتى في المجتمع، فالجميع يخاف الاقتراب مني حتى من يتعاطف معي، لأني أشكل خطراً على المجتمع، فهذا الخطر لا زال به جذوة وبصيص لم تقتله معاناة السنين الخالية، وترتب على ذلك استدعائي بين فترة وأخرى إلى الدوائر الأمنية المختصة، وكان ذلك عامل ضغط نفسي عليَّ وعلى عائلتي لمقتنا هذه الأماكن، بل إنني كنت أتوقع في كل مرة الذهاب وعدم الرجوع، وتصاب العائلة بالذعر والانهيار، فكنّا نعيش محنة من الناحية الاجتماعية حيث لم يكن وظرفي هذا أن أقترن كأي إنسانة في عمري، لأني محاطة بالخطر، وعلى الشخص الذي يقترن بي أن يتقبل هذا الواقع المؤلم وأن يرتضي مراجعة زوجته لدوائر وأقسام الأمن، وهذه مسألة لا يرتضيها أي إنسان غيور (رجل غيور) وأحب أن أذكر أن زوجي أو الذي كاد أن يكون زوجي بعد اليأس من خروجي وبضغط من أهله والناس قد تزوج حين خروجي، وطلبت الطلاق منه وفعلاً حصل. ولي هنا أن أضع هذا السؤال على صفحة التاريخ... فأقول: هل من الممكن أن تُسلب إنسانة كل حقوقها وامتيازاتها في الحياة وتح |