|
وللمعاناة صور أخرى |
|
|
|
|
إن للمعاناة صوراً كثيرةً... لعله امتحان يدركه كل من ساقته الظروف نحو الاتجاه المأساوي والتطبع بطابع المعاناة اللامتناهية، والمرأة العراقية هي التي احتوت المأساة، واصطبغت بالفكرة بشكل أكبر.. ثمة أسئلة مطروحة وحاجة ملحة بالدرجة نفسها لمعرفة الأسباب والنتائج.. س1: كيف عاشت المرأة العراقية تلك المعاناة وبالذات معاناة الحصار الاقتصادي المفروض؟ وكيف كانت تدير منزلها في تلك الفترة العصيبة؟. تجيب الأخت أم شهب قائلة: كانت تدير أمور منزلها بالاكتفاء الذاتي، وحسب الموجود، والاقتصاد في مقدار الطبخ وعدم التبذير، حتى إن اكثر العوائل أخذت تربي الدواجن للاستفادة من بيضها ولحومها، وحتى الملابس كانت تجعل في الملابس القديمة شكلاً آخر حتى تكون معاصرة مع الموضة. وفي موقف آخر تقول الأخت علا أحمد الشمري: إن المرأة العراقية في ظل الحصار كانت تقف إلى جانب زوجها في هذه المحنة وكانت تحاول الاستفادة من الحصة التموينية - والتي لقلتها لا تسد حاجة العائلة شهرياً - ببيعها وشراء حاجات ضرورية أخرى لأسرتها. هذا بالإضافة إلى صبرها وإيمانها وتحديها لتجاوز المحنة حتى تعيش الأسرة بأمان. أما الأخت أم حوراء فقد فقالت: إن ما تحملته المرأة العراقية من معاناة يجف الحبر والقلم في التعبير عنها. وتضيف: المرأة استطاعت أن تتغلب على هذه المصاعب بصبرها وإيمانها وقناعتها (لأن القناعة كنز لا يفنى). وتعتبر الأخت أم مصطفى الحسيني فترة الحصار صعبة جداً على المرأة العراقية، خاصة بعد مرور حربين متعاقبتين، مما دعاها إلى استخدام أبسط الطرق في تسيير حياتها اليومية، كاستخدامها مواقد النفط القديمة لإعداد الطعام أو استخدام الحطب، أو صنعها الخبز في المنزل باستخدام التنور الطيني، وخياطة الملابس بالاستفادة من ملابسها وتغييرها إلى ملابس لأبنائها الأولاد منهم والبنات، وتقول: كانت الوجبة الغذائية خالية من شيء اسمه اللحم بجميع أنواعه. أما الأخت العلوية أم حسين فتعتقد أن المعاناة الكبرى للمرأة العراقية في ظل الحصار الاقتصادي. ليس في وطأة الحصار فقط، وإنما في جور نظام الطاغية، وتضيف قائلة: إنما الحصار هو صدام، وتذكر لنا الأخت موقفاً، تقول فيه وبمرارة: لقد كنت أزور ذات مرة الإمام الحسين بعد صلاة الصبح، وهذا كان برنامجي في كل يوم، لأنني لا أستطيع غير هذا الوقت أن أترك أطفالي، لأنهم في هذا الوقت نائمون. وعندما أنهيت زيارتي وخرجت من المرقد الشريف، وإذا بسيارة شرطة تقف إلى جانبي. قال لي الشرطي: توقفي وارفعي النقاب (البوشية) قلت: لماذا؟ قال: هل أنت فلانة؟ ولكن لم أكن المطلوبة، والظاهر أنهم توهموا بيني وبينها، إلا أني شعرت بالفرحة في قرارة نفسي؛ لأنها كانت قد هربت منهم، فقال أحدهم: ليست هي اتركها، وركضوا يبحثون عنها، وتتساءل الأخت أليس هذا هو الحصار الحقيقي؟. وتضيف الأخت آمال فاضل: إن المرأة العراقية كانت تحاول قدر الإمكان الموازنة بين متطلبات الحياة والمنزل وبين ما يتوفر لها من الدخل المادي المحدود معتمدة وبشكل كبير على الأمور الأساسية البسيطة التي تحصل عليها ضمن الحصة التموينية الشهرية، ومستغنية عن الكثير من الأمور الكمالية وإن لم يكن جميعها، آخذة بمبدأ الأهم فالمهم، هذا مع محاولتها لتحصيل أكبر قدر من المدخول الشهري للأسرة، وذلك بمزاولتها لبعض الأعمال التي تعرفها كالخياطة وغيرها، بالإضافة إلى عمل بعض النساء في دوائر الحكومة الرسمية مساندة بذلك الرجل؛ لتكفل لأسرتها الحياة الحرة الكريمة حتى وإن تطلب ذلك التنازل عن بعض ممتلكاتها التي تدخرها مثل المصوغات الذهبية. أما الأخت فاطمة فقد قالت: وكانت المرأة أو بالأحرى -الأم- أول من تعاني من الحصار؛ لأنها كانت المسؤولة في العائلة. باعتبارها هي المدبرة في المنزل بكل ما تملك، وتجعل من أجر زوجها الزهيد ما يكفي طوال شهر بأكمله، ومن أجل سد الحاجة الأسرية من لوازم الدراسة وغيرها من الملابس كانت تجرد نفسها من كل شيء ثمين تملكه حتى تسد ذلك النقص. وتؤكد الأخت شيماء على أن الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بقسوة فرض على المرأة العراقية دوراً كان لابدّ من أن تتصرف فيه بحكمة ودراية، وتدير أمور منزلها بعقلانية، وتحسب للمستقبل كل الحساب كي تسد حاجاتها وحاجات أسرتها، ولابد لها من الاكتفاء الذاتي، سواء في المأكل أو الملبس، بحيث إنها جعلت من الحصة التموينية الشهرية ما يكفي لها ولأسرتها مع مراعاة الاقتصاد، فالطعام بات لا يتعدى على نوع واحد لكل وجبة، والتقليل من الدعوات والضيوف أو الحفلات، وربما إلغاؤها أحياناً إن لزم الظرف الاقتصادي. وتعتبر الأخت غادة محمد أن معاناة المرأة العراقية بدأت بعد غزو الاحتلال الصدامي للكويت وفرض الحصار، والذي استطاع صدام من خلاله فرض آرائه وأحكامه بصورة أكثر من ذي قبل، فجرد الناس من المساعدة التي من خلالها يستطيعون العيش ودفع المكروه عن عائلاتهم. وأثّر ذلك سلباً على المرأة - خاصة الفقيرة - في تدبير أمور منزلها، فأصبحت تواجه صعوبات جمة بالأخص عند ارتفاع الأسعار، وحتى الملابس اضطرت إلى شرائها الملابس من (البالة) وهي ملابس مستخدمة وعتيقة تبعثها بعض الدول، كل ذلك لسد الحاجة الملحة وإرضاء للأطفال؛ لأنه أفضل من لا شيء. س2- التربية هي حصيلة ما تحاول المرأة العراقية القيام به كي تعطي للمجتمع صورة حسنة لأولادها ورسم هالة متوازنة لما تؤمن به المرأة وهي تعيش في خضم الثقافات والقيم الدخيلة بالأخص ما يبثه النظام السابق في المجتمع، فكيف تتعامل المرأة مع هذا التضاد في تربية أولادها؟!. الحفاظ على التقاليد والقيم الإسلامية التي تؤمن بها أي عائلة يفرض نوعاً من السيطرة على سلوكيات الطفل في البيت أو المجتمع، ومن ضمنها المدرسة، وهذا ما تعتقده الأخت أم شهب. أما الأخت علا أحمد الشمري فتقول: تحاول المرأة كأم وأخت وزوجة أن تقوم بواجبها في تربية الأبناء تربية صالحة، سواء في المنزل أو خارجه، وتفهم أبناءها بذلك. ولكن الأخت علا تعتقد أن التأثير من قبل النظام كان معاناة، فهي -أي المرأة- ما بين هذه وتلك كانت لا تستطيع التحدث مع أبنائها؛ لأن المعاناة هناك كبيرة جداً. وتختصر الأخت أم حوراء إجابتها قائلة: إن المرأة العراقية بدورها الفعال بين الأسرة وبإدراكها لكثير من الأمور جذبت أولادها قبل تأثرهم بالآخرين ومحيطهم. أما الأخت أم مصطفى الحسيني فتعتقد بأن للأم العراقية الدور الكبير في التربية الإسلامية الصحيحة لأولادها، وهي لابد من أن تعرّف أولادها على أن هذا النظام وبقيمه ومبادئه الفاسدة يريد أن ينتزع عنكم حب آل البيت، ولكن في نفس الوقت تطلب منهم عدم الكلام أمام الآخرين والتحفظ عن ذكر كل ما يثير غضبهم، أمام أزلام النظام ومحبيه. أما الأخت العلوية أم حسين فتقول: إننا عايشنا النظام البائد وتعرضنا لشتى أنواع العنف، لكن لم يغير مبادئنا التي رسخها لنا أئمتنا الأطهار وبطلة كربلاء، فنحن نقتدي بنهجهم، ولقد ربينا أطفالنا على كره النظام، ورسخنا في قلوبهم صمود الحسين حتى وصل أن يوماً تمنوا أطفالي أن يظهر الإمام الحجة (عج) ويأخذوا سيفه ويقتلوا صدام وأتباعه. الأخت فاطمة تعتبر التوجيه الثقافي الذي يحيط الطفل في المدرسة أو المجتمع بصورة عامة لا يسمح للأم أن تربي أولادها على ما تؤمن به؛ لأنهم كانوا يبثون سمومهم البعثية ويؤثرون عليهم بشكل رهيب، إلا أن الأم كانت تحاول وبصورة غير مباشرة السيطرة على طفلها والتأثير عليه وغرس حب ومبادئ أهل البيت في نفسه. الأخت غادة محمد تعتبر المرأة العراقية مؤمنة بالقدر الذي كتبه الله لها، وتحاول بكل الوسائل عدم انحراف أولادها عن نهج آل البيت (عليهم السلام)، وذلك بذكر مصائبهم، وإقامة المجالس الحسينية، وكثيرة هي الواجبات التي لابد من القيام بها للحفاظ على سلوكيات الطفل والحد من انحرافه من دوامة الانحراف الصدامي. أما الأخت آمال فاضل فقد قالت: كانت المرأة العراقية تعاني كثيراً من هذه المشكلة، وأضافت بأنها كانت تتعامل معهم حسب أعمارهم، فإن كان الأولاد صغاراً كانت تغذيهم بالمعتقدات الإسلامية الصحيحة دون التعرض إلى ما يأخذونه في المدارس، أو بالأحرى دون الهجوم على الثقافة الصدامية المنتشرة، وذلك خوفاً على أسرتها وأولادها؛ لأن الأطفال لا يخفون هذه الأمور إذا سئلوا عنها، أما إذا كانوا كباراً في السن وناضجين فإنها تحارب الثقافة الصدامية البعثية بكل قواها مع الأخذ بالحذر والحيطة طبعاً. س3- بما أن المرأة تحاول إرضاء الأولاد وسد النقص في البيت هناك سؤال يطرح نفسه وهو: عندما يطلب الأولاد شيئاً ضرورياً من الأم وهي لا تقدر على تلبيته كيف كانت تتصرف في هذه الحالة؟!. الأخت فاطمة ، تحدد نظرتها لهذا السؤال وتقول: في البداية تتصرف بحكمة، حيث تطلعهم مثلاً على أحوال والدهم المادية، وتتطرق الأخت إلى أن بعض الأمهات يلجأن - بعدما يعجزن في إلحاح الطفل للصراخ - بقوة والانهيار وضرب نفسها بقساوة، وتندب حظها؛ وترى أن هذا الأسلوب يسكت أولادها. لكن الأخت غادة محمد لها وجهة نظر أخرى تقول: عندما كان يطلب ولدها شيئاً لا تستطيع أن تقدمه له كانت تحاول أن تفهمه أنها لا تستطيع أن تقدم له ما يريد الآن وبشكل، لا يؤثر على نفسيته، مما لا ينعكس على وضعه الدراسي أو الأخلاقي، وتعمل لإيجاد البدائل للأشياء التي يطلبها الطفل؛ لأن الطفل عندما يطلب ولا تستطيع الأم الاستجابة له فإن ذلك يؤثر على نفسيتها، وتتعدد آلامها؛ وتكثر حيرتها، والله كان بعون الأم التي لا تستطيع تلبية طلب طفلها. أما الأخت العلوية أم حسين فتقول: المعاناة بدأت لأن الطفل بدأ حياته بظلام والذي قاده للظلام هو ظالم مثل صدام، وأضافت: إن الظالم منعهم حقوقهم من العلم مع أن العراق أغنى دولة في العالم، فدور المرأة هنا الصبر وتهدئة أولادها بالتحدث عن مصائب أهل البيت (عليهم السلام) وما تحملوه من معاناة، ورغم أنهم أطفال فإنهم يعرفون الظالم صدام هو سبب تغيير حياتهم، والحمد لله قد مضت تلك الأيام لكن أبقى أقول: إن مشكلة الطفل إبان الحصار وغيره هي أكبر مشكلة عانت منها المرأة العراقية. أما الأخت أم مصطفى الحسيني فتعتقد بان المرأة العراقية تعاني وتتألم عندما يطلب منها ابنها أو بنتها يرغب فيه ولا تستطيع تلبيته، وهنا الأم تستخدم كافة الأساليب لتهدئة طفلها حتى لا ينعكس ذلك على نفسيته سلباً؛ لأنها لو كانت تستطيع لما توانت عن فعله. أما الأخت أم حوراء، فقد قالت: إن المرأة العراقية بتدبيرها صنعت من اللاشيء شيئاً، وجعلت من القليل الكثير بأسلوبها وتعاملها الحسن، ويكلماتها الطيبة وفرت لأولادها ما يحتاجونه مادياً ومعنوياً. أما الأخت علا أحمد الشمري: فتعتبر عدم استطاعة الأم العراقية سدّ رغبة الطفل هو إحراج أمام أبنائها، فهي إما أن تأخذ مبلغاً من أي أحد تعرفه لهذا الغرض أو أن تضطر إلى بيع جزء من حصتها الغذائية، وقد تبقى بدون غذاء، وأكثر الأحيان تجدها عاجزة عن أداء أي طلب تجاه أبنائها. أما الأخت آمال فاضل فتعطي الأسلوب الخاص الذي لابد للمرأة العراقية اتباعه مع اللطف أهمية خاصة، فإنها من جهة لابد وأن تشرح لهم وضع الأسرة الاقتصادي وبكل صراحة ووضوح وعقلانية، وتحثهم على الصبر والمقاومة، وتزرع الأمل في نفوسهم بأن الأمور ستغير إلى الأفضل، وسينتهي الوضع لا محالة. ولكن الأخت أم شهب تعتبر الحل في السياسة مع الأطفال والمحاولة بقدر الإمكان لإقناع وإرضاء طفلها بأي طريقة حتى نثير حفيظته. س4- ولكن يتحتم على المجتمع في بعض الظروف اتباع ما هو سائد وما يمكن عليه من السلطة العليا، وهنا تتباين ردود الفعل الاجتماعية فمنهن من يقتنع بوجودها ويعتبرها لزومية، والبعض الآخر يعتبرها غطاء لسلوكياته وتصرفاته بما أنه يعيش فرداً ضمن أسرة اجتماعية كبيرة، ومنهم من يرفضها من الأساس؛ لأنه غير مقتنع بها، ولا يعتبرها من أساسيات وجوده، مثلاً: ظاهرة (حب صدام) هي من الظواهر المفروضة.. والشائعة من قبل النظام السابق في المجتمع العراقي بصورة عامة.. وفي المدارس بصورة خاصة، فكيف كانت تتصرف الأم العراقية إزاء هذه الظاهرة؟! أجوبة مختلفة تختلف بحسب نمط التفكير المتبع أو ما هو نابع من شفافية صادقة.. الأخت آمال فاضل تقول... إن بعض الأمهات كن لا يتعرضن إلى هذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد، ولم يكن يهمها إلا سلامة أسرتها، ولكنها تذكر لنا أن بعض النساء يغالين في حرصهن هذا فيعمدن إلى تثبيت صورة صدام في مخيلة الطفل على أنه الحبيب الأب الغالي؛ لأن الخوف والإرهاب كان يعتمر القلوب لكثرة ما سمعوه من قصص القتل والسجن والتعذيب التي كان سببها زلة لسان طفل ينقل عن لسان أبيه أنه يلعن صدام، أو يبصق في صورته.. كل ذلك لأنهم يستغلون براءة الطفولة ويستنطقونها لمعرفة الحقائق، وكان سجن هذه العفوية.. هو سجن والده وتعذيبه، وأخيراً تكون حصته حبل المشنقة.. الأخت أم شهب.. تعتقد بأن التربية الجيدة للطفل إفهامه على عدم حبه في البيت وعدم التكلم في المدرسة أو في الشارع والسوق مثلاً، وإعطاؤه موقفاً صريحاً يجنبه الخطر ويجعله على فطنة في أمره. أما الأخت أم حوراء فتجيب بصدق وتقول: نعم، كنا مجبرين عليها ولكن ليست نابعة من صميم قلبنا، بل هي مفروضة علينا، ولسلامة عائلاتنا كنا لا نستطيع أن نحكي لأولادنا ما هي أفعال هذا الطاغية، واقعاً هذا ما عايناه. أما الأخت غادة فقد قالت: إن حب صدام كان ظاهرياً ولم يكن حقيقياً، وقالت: إن أقرب مكان لبيان مدى اهتمام حب الشعب لرئيسه صدام هي المدارس، فكان الطالب مجبراً على إطاعة المدرس، وهذا بدوره مجبر على إطاعة مولاه المدير، وهذا الأخير مجبر لإطاعة القيادة الأعلى منه. وأقرب مثال هو عيد ميلاد صدام، فكان ابني مثلاً يأتي ويطلب المواد الأولية لصنع الكيك وهنا لا تستطيع الأم أن ترفض، لأنه سيكون تأثيره على ابنها أو بنتها أولاً والعائلة ثانياً، وبهذا سيظهر وكأن حب الشعب لصدام حب حقيقي، إلا أنه حب ظاهري فقط. أما الأخت فاطمة تصف لنا هذه الحالة بأنها محرجة؛ لأنها تتصرف بخوف شديد على ابنها أو بنتها من جهة، وعلى قول الحقيقة المرة من جهة ثانياً، فكان الحل أن تسكت وتدع الإعلام أو (المدارس) تسيطر على ابنها لغرض الحب الزائف لهذا الطاغية، ولكن في الواقع أحب أن أقول: إن أطفال العراق كانوا لا يشعرون بهذا الحب من الأعماق، وكانوا يجهلون السبب، ولا يستطيعون البوح به؛ لأنهم لا يجدون من يشجعهم على ذلك. أما الأخت العلوية أم حسين فتعتبر الظاهرة، ليست من الأمور الشائعة حتى للذين كانوا معه؛ لأنه كان قد اشترى ضمائرهم بالمال، وباعوا دنياهم بآخرتهم، ولكن البيئة والعائلة لها تأثير كبير ومباشر في حياة الطفل، فالمرأة لها دورها الخاص، وهي تكون قريبة من أولادها، والقدوة التي تسيرهم على الدرب الصحيح، فكيف لا يكون عدواً لهذا الظالم ويكن له الحقد والثأر لمن ظلمهم؟. الأخت أم مصطفى الحسيني تعدها من الظواهر الأكثر صعوبة في المجتمع العراقي والتي تعاني منها جميع الأسر العراقية المحافظة منها وغيرها، وتضيف قائلة بأن بعض الأسر كانت تترك أطفالها على فطرتهم، وعلى ما يعلمونهم في المدرسة، إلاّ أن البعض من الأسر كانت توضح لأولادها بان هذا النظام نظام فاسد دكتاتوري ومستبد وظالم، والدليل على هذا الكلام عندما حصلت الانتفاضة الشعبانية. فإنها لم تقتصر على الشباب وكبار السن، بل كان من بينهم أطفال كثيرون قد شاركوا فيها، وهذا إنما يدل على مدى توجيه الأهل لأولادهم. أما الأخت عُلا أحمد الشمري، فتقدر ظروف المرأة العراقية، وتعتبر (حب صدام) أمراً مفروضاً عليها؛ لأنه لا حول لها ولا قوة، وتتظاهر بحبه خوفاً من الآخرين، لكن في داخلها أنها لا ترغب بهذا الحب المفروض، وتتصرف مع أبنائها وكأنها تحب هذا الشخص خوفاً على أبنائها؛ لأنه زرع في قلوب الصغار رهبة، فلا يستطيع الأب والأم إلا أن يتظاهرا بهذا الحب أمام الأبناء. الأخت شيماء تقول: إن من الصعب جداً التعامل مع هذه الظاهرة، فصدام جعل العراق والعراقيين ملكاً له؛ فأينما أدرت وجهك في شوارع العراق فستجدين وجه صدام تجسد في لوحات وتماثيل ضخمة، وقد احتلت أبرز الأماكن في الشوارع، وأي كتاب مدرسي أو صحيفة أو مجلة وقعت في يديك فأول ما سيلفت انتباهك على الصفحة الأولى هو وجه صدام، حتى إن صوره فاقت عدد أفراد شعبه؛ حتى التلفاز من الصباح وإلى المساء يتغنى باسم صدام وبحبه. أما مدارس الأطفال ورياضهم فلم تخل من ذلك، فصالاتهم تحولت إلى صالات لتعلم الأناشيد والأغاني والرقص من أجل القائد وحبه، وهنا تجد الأم نفسها في دوامة وسط هذا الإعلام المضلل، وتختلف مواقفهن تبعاً لذلك ومحاولاتهن لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة، فمنهن من استسلمت للأمر الواقع وتركت أطفالها يغرقون في بحر الأوهام وما يقال لهم، ولكن في داخلها بركان يشتعل معوله على أن تتغير أفكارهم عندما يكبرون وينضجون أو تنضج أفكارهم، وحينها تزداد فطنتهم، فيعرفون الحق من الباطل، والواقع من الخيال، ومن الأمهات من وجدت من أطفالها محلاً لثقتها فتشرح لهم حقيقة الأمر وخطورته، مع توصياتها لهم بالتزام الكتمان الشديد حفاظاً على حياتهم وحياة الأسرة، وهذا النموذج نادر، ولا تضمن نتائجه مع جميع الأطفال. أما بالنسبة لي كأم فلم أجد الحلين مناسبين لي، واتخذت حلاً ثالثاً، حيث إني لا أستطيع أن أترك أطفالي تحت وطأة هذه الظاهرة لخطورة نتائجها، مما اضطرني لأن أكذب عليهم وأوهمهم بأن هناك صدامين أحدهما مهم صالح والآخر طالح لعلي أجد مخرجاً من هذا المأزق الذي ابتلينا به. س5- من الغرابة فعلاً أن تجد المرأة العراقية مخرجاً كي تربط نفسها كشخصية حرة ذات استقلالية تامة وهي تشارك في مجالات العمل، وحتماً هناك عوائق تقف أمامها لتحول دون مشاركتها والحط من مستواها وتنحيها بعيداً كي تكون دائماً بحاجة لغيرها، وهذا مما يدعو بعض النساء العراقيات مثلاً للتخلي عن بعض ما هو منوط بها قناعتهن حتى لا يكون هناك حاجز بينها وبين غيرها، ولكن البعض لا يتنازلن بسهولة بدافع قناعتهن بذلك، فالحجاب كأنه أحد الموانع بالنسبة للمرأة العراقية، ولكن هل كان هذا المانع في عهد النظام السابق وهي تمارس مسؤوليتها الاجتماعية سواء في المدرسة أو الدائرة أو غيره عائقاً..؟!. تجيب الأخت آمال فاضل بالقول: إن هذا يعتمد على طبيعة المرأة في المؤسسة الحكومية التي تنتمي إليها، ولكن على العموم كانت المرأة المحجبة مرفوضة عند النظام السابق الذي يدعو إلى السفور والفساد والأغلال. ولكن أؤكد على أن العوائق ضد المرأة المحجبة في العمل ليست سواء مع جميع النساء، فلكل واحدة تجربتها الخاصة، فهناك ممن لم يتعرضن للمضايقة أو اعتراض، وقد تكون هناك من تعرضن للأذى والمضايقة؛ لأن النظام السابق لا يحتاج إلى حجة لمضايقة الناس واقعاً، سواء كانوا ضمن الإطار الإسلامي أو لا. أما الأخت أم مصطفى الحسيني فقد قالت: إن الحجاب لم يكن مانعاً ولا عائقاً، وقالت: باعتباري كنت موجودة في العراق وكنت في مدارسه حتى الإعدادية لم أجد يوماً من الأيام ضغطاً على ارتدائي الحجاب على الرغم من أن النظام كان فاسداً ومستبداً. ولكني أقول: هذا يعتمد على شخصية المرأة ومدى قناعتها وحبها وتمسكها بالحجاب. أما الأخت أم شهب فلم تعتبر مسألة الحجاب عائقاً بل كان اختيارياً. لكن الأخت العلوية أم حسين.. تنفرد في رأيها في الإجابة على هذا السؤال وتقول: نعم، لقد كان الحجاب عندهم مانعاً كبيراً وخاصة الموظفات أما بالنسبة للمدارس فقد قالت: قد حرّمنا من الدراسة؛ لأنهم بعد مرحلة الثانوية يطلبون من الفتاة أن تبقى سنة كاملة في التمريض بدون حجاب، وكان هذا صعباً جداً لنا ولجميع العوائل المحافظة، ولكن يبقى حجابنا في الشوارع ليس له حكم التصرف فيه. أما الأخت فاطمة فقد قالت: نعم في بداية الثمانينات كان مانعاً إلاَّ أن المرأة الملتزمة ظلت متمسكة بحجابها في تلك الفترة إلا البعض من ضعيفات النفوس، أما بعد سنة 1988م، كان لها مطلق الحرية في ارتداء الحجاب، خاصة في فترة الحملة الدينية لصدام عام 1991م. وبسبب هذه الحملة أعطيت المرأة في العراق حرية الحجاب بشكل كبير، وأصبح الكثير منهن يرتدين الحجاب وبالأخص في الدوائر الحكومية والمدارس والأعمال الحرة بعدما كانوا في الثمانينات ينعتون المحجبات بالغبيّات والمعقدات. أما الأخت غادة فقد قالت: بصراحة وبدون تملق لم يكن هناك مانع من ارتداء الحجاب؛ لأنه وعلى حد علمي لم أر يوماً امرأة في العراق منعت من ارتداء الحجاب الذي تختاره وبالصورة التي تريدها. إن هذا الشيء لم يحصل في العراق وإن حدث عند بعض النساء فإنه حب ارتداء الملابس على ما يطلبه منها الوقت من تغيير في موديلات الملابس. أما الأخت أم حوراء فقد قالت: هناك بعض الطالبات مثلاً يخرجن من بيوتهن بالحجاب، وعندما يصلن إلى الكلية يرفعن الحجاب. وأضافت: في أيام التسعينات كان هناك حملة إيمانية وهي تدعو إلى الدين، ولكن يا للأسف لبعض العراقيات جعلن من صدام- سبباً لنزع الحجاب وهو ستر المرأة الإسلامية. والأخت شيماء تضيف قائلة: نعم، في بداية الثمانينات كانت هناك معارضة شديدة للحجاب؛ لأنه كان في حرب مع إيران، ولأن الحجاب في ذلك الوقت كان يثير رعباً عند أزلامه البعثيين، ويهدد استقرارهم، فصارت المرأة المحجبة عرضة لتحرشاتهم وخاصة في الدوائر الحكومية، وكانوا يصفونها بالغبية والمعقدة، وفي بعض الأحيان كانوا يتجرؤون عليها ويخلعون حجابها، والأسوأ هو كتابة التقارير على البعض، واعتقالهن بتهم سياسية واهية. مما اضطر الكثير منهن لترك وظائفهن، وحرَم الكثير منهن من مواصلة الدراسة ومواكبة العصر العلمي الحديث. وتختم الأخت علا أحمد الشمري هذا الاستطلاع بأن المرأة المؤمنة والمحجبة كانت تمارس ذلك بدون أي عائق، لكن يجب أن تكون منتسبة إلى حزب البعث البائد. ولكن تبقى الثغرة واسعة تحتويها عدة أسئلة، والكثير منها تخص الحقل النسائي وخاصة في العراق؛ لأن ما عانته المرأة في العراق يفوق الخيال. وكانت هذه الردود حصيلة ما عاشته النسوة العراقيات على ساحة الصراع المكشوفة، لكن ماذا لو استفسرنا عن إجابة من عاشت السجون وظلم المطامير، فإنها حتماً قد خطّت ذكرياتها على جدران سجنها بأصابع من نور؛ لتكشف الحقيقة عن المأساة التي عاشتها المرأة العراقية المجاهدة الصابرة. |
|