|
نهاية السعادة.. بداية الفراق |
|
|
|
|
بدأت أفكرّ بها، أظنّها في التاسعة عشر من عمرها، لا بل الثامنة عشر، كانت تحاول إخفاء ذلك الوجه القمري بعباءتها، أحاول دوماً أن أنتقد العرف الذي يمنعني من الكلام معها، تمر كثيراً من نفس الطريق، إلى أين تذهب؟ لم ترفع عينها مرّة واحدة، تلك العيون التي أجاد (جرير) وصفها عندما قال: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهنَّ أضعف خلق الله أركانا ذهبت إلى البيت بعد يوم من العمل المضني، كانت رائحة الأرز تفوح في كلّ مكان، استقبلتني والدتي والعصابة تشد رأسها كعادتها عندما تعمل. - طبخت لك الأكلة التي تحبها (تمن باقلاء). - شكراً لك أحس بأن جوعي قد تضاعف. ضحكت أمي وتوجهت نحو المطبخ، تهالكت على الكرسي، حيث راودني طيفها مرّة أخرى، ترى ما اسمها؟ ما لون شعرها؟ لا بد انه أشقر أو أشقر غامق؟. - هيا إلى الغداء قبل أن يبرد. كان ذلك صوت أمي المتعالي. أكلت كثيراً كعادتي بغير شهية، وبقيت على هذه الحالة شهراً كاملاً، باتت الوسادة رفيقتي والفراش أنيسي أتقلب فيه حتى يدمدم الفجر، وتدغدغني أشعة الشمس الواهية الخريفية. أخالها أحست بنظراتي الوقحة التي تتبعها كلما مرت من أمام الدكان. سلمى! سلمى! ناداها ولد صغير من رأس الزقاق قبل أن يقع على الأرض، أدارت نظرها بخجل في الزقاق، ثم أجابته ما بك؟ ماذا تريد؟ لماذا تصرخ هكذا؟. - أمي تقول أن تأتوا غداً لمساعدتها في تنظيف الحبوب من أجل (الشلة) لدينا مجلس عزاء (للإمام زين العابدين(عليه السلام)). - حسناً اذهب وانتبه أن لا تقع مرة أخرى. قالت له قبل أن تواصل مسيرها بينما بدأ الصغير يركض مرة أخرى بحذائه الرجالي الكبير، فعثر عثرة أوشكت توقعه لو لم أسرع بإمساكه، نظر إلي نظرات خائفة. - ألم تقل لك انتبه حتى لا تقع مرة أخرى.. حسناً لا تخف تعال معي، أخذته للدكان و أعطيته قطعة من الحلوى التهمها لحظة واحدة. - هل كانت هذه أختك؟. -لا إنها سلمى بنت خالتي، البارحة اشترى لها حسام محبساً جميلاً. -من حسام؟. - إنه أخي الكبير. أحسست بملايين الإبر تخز بدني، وأشباح النهاية تحوم حولي. - ماذا؟ ماذا قلت؟!. - لكنّها لم تلبسه. - لماذا لم يكن القياس مناسباً؟. - لا.. - إذاً لماذا؟. - لا أعلم. أحسست بذرات الأوكسجين تعيد الحياة لخلايا جسمي بعد أن تنفست الصعداء. - هل ستزورني مرة أخرى؟ - أجل. راح يركض مرة أخرى وهو يتعثر في خطواته. قررت أن أفاتح أمي بالموضوع لتذهب لخطبتها، أغلقت الدكان وتوجهت نحو البيت بخطوات متسارعة. - أمي! أمي. - ما بك؟ ماذا تريد؟. - ألم ترغبي أن تريني عريساً؟. - بلى، بلى يا عزيزي، وأخيرا هل بطل السحر عنك؟. - كما ترين. - ومن هي تعيسة الحظ التي ستتحمل ثقل دمك؟ - سلمى. - سلمى بنت الحاج نجم؟!. - أجل. - هي على كل حال ليست سيئة، أصبحت خطيراً أين رأيتها؟!. - أووو.... أمي ما هذا السؤال؟ في الشارع طبعاً هي قادمة من بيت خالتها. - و تعرف التفاصيل؟!. - بالصدفة أمي، بالصدفة، متى ستذهبين لزيارتهم؟. - قريباً. أدار مهند نظره نحو النافذة حيث الغيوم الداكنة تتسارع فوق رأسه وقد توهّجت أطرافها بضوء الشمس فبدت كأنها تلتهب، وخيّم حوله صمت ثقيل لم يخطر في باله قط أن كلماته ستخرج من فيه بهذه السرعة والصراحة. ظلَّ يئز في أذنها حتى ذهبت والدته لزيارة عائلة الحاج نجم لترى تلك المحبوبة التي كادت تجنّ ولدها. تمّت مراسيم الخطبة، وقطع المهر وما شابهها لتحين اللحظة الحاسمة، لحظة عقد القران الأبدي التي تنقش في ذاكرة الإنسان مدى الحياة. انتابه الرعب لحظة واحدة لتليه سعادة غمرت قلبه وشعور بالاطمئنان جعله يرفع رأسه ليرى ذلك الوجه القمري المنير بين ظلام شعرها المنثور على كتفيها. رفعت رأسها لتبرز وجنتاها المتوردتان ثمَّ أدارت نظرها لتتفادى نظراته الجريئة التي تأبى التوقف عن مراقبتها. - ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت، وقع السهام ونزعهن أليم. -لم أعلم بأنك شاعر. - أصبحت شاعراً للتو. كسرت ضحكتهما نافذة السكوت، ثم مرت لحظات أخرى تبادلا فيها النظر بصمت كأنه الامتحان. مرت أيّام العقد والزواج وحبها يزداد كلما ولدت الشمس ولاحت تباشير الصباح، يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة. - مهنّد! - نعم يا عزيزتي. - أشعر بغثيان مزعج. - لا بأس، إنه من شدة الحر. كانت الشمس قد صارت في وسط السماء تلفح الوجه كموقد إلهي. - غداً مدعوان عند والدتي ستطبخ الرزّ بالباقلاء. - هذا يفرحني سأرتاح من كابوس الطبخ لوجبة على الأقل. حين وصل إلى منزلهم المتواضع ملأت أنفه رائحة الرز والخضار والدهن المحلي الأصيل، ولكن هذا لم يسل لعاب حبيبته كما فعل له، بل راحت تلقي كل ما في معدتها خارجاً، تهالكت بعدها على الأرض، نظرت والدته إليه بنظرات مشكوكة. - مهند هل سلمى حامل؟. - ماذا؟ لا اعلم!!. قالها بهدوء ولكن بصوت ملتهب. أجل، لقد حان اقتطاف ثمرة الحب السماوي المقدس، كانت سلمى تحمل في أحشائها أنشودة الأمل، كانت تحمل جلّ اللطافة والسلام والبراءة، أما مهند فراح يتراقص ويقفز فرحاً ثمَّ يسجد شكراً لهذه النعمة الإلهية التي غمرته من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. انقضت التسعة أشهر بفارغ الصبر من الحبيبين، تسعة أشهر من الترقب والانتظار، من الوجع والمعاناة، مرّ من الليل نصفه عندما شعرت بالوجع يقطع أوصالها، حاولت تجاهله فأغمضت عينيها عسى طيور الكرى ترفرف في عينها ولكن هيهات، كان الألم مستمراً بلا هوادة، يتكاثر تكاثراً شيطانياً. - اللهم صل على محمد وآله، وحبب إلي ما رضيت لي، ويسر لي ما أحللت بي. همهمات كانت ترددها عندما أحس بها زوجها، وهي تلوذ بالباري عز وجل. - أنت تتألمين؟!!. - أجل... أجل. كأن قوة مجهولة رفسته فجأة على قفاه. - ولماذا لم تقولي؟!. قالها وهو يقفز من مخدعه نحو الهاتف، اتصل بوالدتها ثم شرع يلبس قميصه الذي ضبط زرّه الأول في محل الثاني، اجتاحته دوّامة تشبه الحمى، كانت زغاريد الهلع تضج في رأسه عندما أوصلها إلى المستشفى، إن مثل هذا الشعور لم يحدث له في حياته كلها. - أدخلوها غرفة الولادة، كان مكوّماً على الكرسي بجانب الغرفة عندما جاءت والدتها والابتسامة مرتسمة على وجهها مما يزيد تجاعيده التي تحكي حكاية غصصها الطويلة، كانت نظراتها حينئذٍ دافئة تشعر بالاطمئنان. راحت تربت على كتفيه وهي تقول: - ما بك حسبتك قوياً؟. - لا أعرف ماذا يحدث لي. كانت دقّات قلبه تنتفض بعنف، لقد أشرقت الشمس تماماً عندما تعالت صرخات طفل صغير على حين فجأة، صاحبه صوت صلوات تعالى من أمِ سلمى، لمع بريق الفرح في عيني مهند، خرجت الممرضة بعد لحظات ثم راحت تعيسة بنظرات متتالية. - هل أنت زوجها. - نعم. - تبدو كأنك أنت الذي ولدت، لماذا أنت شاحب هكذا؟. ضحك الجميع ثم قالت: - مبروك إنها فتاة. هرول مهند ووالدة سلمى إلى غرفتها حيث وجداها قد استسلمت لسلطان الكرى. - ما رأيك (بسمر)؟!. - لا ليس جميلاً جداً. - حسناً قل أنت شيئاً. - (حياة) أليس جميلاً؟. - نعم، لكنّه.. - ما رأيكِ (بسلوى)؟!. نظرت سلمى إلى الخارج حيث تمزّقت الغيوم وتسربت أشعة الشمس رقعاً صغيرة في المدى. - فلتكن سلوى تعشعش في قلبي وترفرف في أوصالك، سلوى لكل لحظات الوحشة والوحدة، تذكرني كلما تردد اسمها. رددّت هذه الكلمات بصوت يشبه همس الرعد المخيف. كانت سلوى تنمو كساق وردة غرست للتو، تحلو يوماً بعد يوم، تستعذب سلمى خدمتها، ويتفانى مهنّد لتوفير متطلبات قفصه الذهبي. كان الضباب في الخارج يوحي بمناخ غائم في اليوم التالي، لكنه كان يوحي لسلمى بشيء مبهم، يراودها شعور قاتم، أغمضت عينيها وحاولت جاهدة تحرير نفسها من سجن ذاتها. رجع مهند من عمله منهوكاً. - الحمد لله إنك جئت، أحس بثقل يجثم على صدري.. حدَّقت في عينيه كأنها سقطت في بئر عميق، فقد كانت عيناه باردتين، جامدتين، لم ينبس بكلمة، سرت في أوصالها رعشة ضعيفة، كانت الدموع تتذرف من مقلتيها بغزارة. - مهند! ما بي؟ لماذا الدموع تتقاذف من عيني هكذا؟ لماذا قلبي ينتفض هكذا؟! أرجوك ضمني على صدرك واحة الاطمئنان.. اشعر بضيق في نفسي. أمسكها من زنديها، كانت يداه كتلتين من الثلج الأصفر. - حبيبتي!. - قالها بصوت تفوح منه رائحة النهاية. - تاريخ الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) هجرات وبؤس ومصائب، فتأسي بهم عزيزتي، كوني صبورة كالحوراء زينب (عليها السلام) الجبل الأجرد الصامد، لا تضعفي واعلمي أن الله معنا. - ماذا هناك؟!. - لقد صدر قرار بتسفير الإيرانيين إلى بلادهم. - وهل نحن منهم؟ قالتها بلهجة لا تريد جواباً. - ستكونين تابعة لي على كل حال. في صباح اليوم التالي داهم المنزل أربعة جنود كالبهائم. - ماذا تريدون؟ من أنتم؟. - نحن من الأمن العام هيا بنا. - إلى أين؟!. - إلى بلادكم أيها المستعربون، لابد من تنظيف عراقنا العظيم من دنس الأعاجم، لقد اخطأ الله في خلقكم كما في اليهود. - ولكننا عراقيون أباً عن جد. قالتها سلمى بصوت واه مختف بعد أن سارعت نحو عباءتها. ضحك أحدهم ثم قال: أهي زوجتك؟ إنها جميلة. تدفق الدم في رأسه وكاد يفقد صوابه لولا نظرات محبوبته المتوسلّة. - أوغاد. قالها في طرف لسانه فركله أحدهم برجله وساقه نحو السيارة، بينما أخذت سلمى ابنتهم الصغيرة التي قد بلغت الستة أشهر وسارعت نحوهم، ولكن انهد ركنها عندما رأت السيارة قد ابتعدت تاركة إيّاها في نفق الخيبة المظلم. استقلت سيارة وتوجهت نحو مركز الأمن العام، يا إلهي من أين جاءوا بكل هؤلاء الناس؟ أطفال ونساء، شيوخ وعجائز، شبان يقتلون ويركلون، رضع يموتون من قلة الحليب، يا للهول ما هذا الجحيم القابع خلف القضبان. توجّهت نحو الإدارة بعد عناء ومشقة شديدة استطاعت أن تلتقي بمهند. - عزيزي ماذا سيحدث؟ سيسفروننا إلى إيران لماذا لم تأخذني معك؟. - أنت عراقية. - ماذا؟ ما هذا الهراء؟. سارت قشعريرة في بدنها عندما قالت: وسلوى؟ لم تكمل حديثها عندما جاءت سيارة وأخذ أحدهم يزج الشباب فيها، وصل الدور لمهنّد، راحت تتوسل بالشرطي أن يخلي سبيله عسى قلبه يحن للرضيعة في يدها. - أرجوك هذه الطفلة تحتاج لمعيل إنه والدها.. إلى أين تأخذه؟. - إلى المعتقل.. إنه شخص مشبوه، سينال جزاءه. إنها كلمات كعصا تضربها ضربات متتالية. - إذاً هذه ابنتك وهي عجمية. قالها بلهجة تلوح منها الفضاضة والشرس، لمع في عينيه بريق شيطاني، سحب الطفلة من يدها وزجّها على جماعة في سيارة أخرى حان وقت تسفيرها، تعالت صرخات مهند. - أعيدوا الطفلة أيها المجرمون، أيها الأوغاد.. ما ذنبها.. دعوها مع أمها. وعندما هاجمته أشباح اليأس قال بهدوء: أرجوكم.. أتوسل إليكم.. تحتاج للرضاعة. كان منظره وهو يتوسل إليهم مراً جداً، كانت تراه دوماً طوداً لا يهتز، راحت هي الأخرى تئن وتتوسل، راحت تبكي بشدة تلتاذ وتتضرع. عندما تحركت سيارة المسفرين رأت مهند وهو يشيب على حين فجأة، انحنى ظهره وتقوس، وهو ينظر إليها توجهت نحوه لتلمس يده للمرة الأخيرة من وراء القضبان، فتحركت السيارة وتعالت أصوات التكبير من حولها من الذين شاهدوا هذه المسرحية المأساوية كأنهم على مسرح إغريقي يعيشون مشهداً من ذلك الحزن الذي لا يداوي تفجر البكاء من مسام جلدها كله، أخذت كفاها الناعمتان تنشجان بصوت مسموع، شعرها وشفتاها وعنقها، ومزق ثوبها المنهك وجبهتها العالية كلها تفطر دموعاً. تذكرت كلماته ليلة أمس، تأسي بالسيدة زينب (عليها السلام) الجبل الأجرد الصامد، لا تضعفي، اعلمي أن الله معنا. أنا مثلكم.. لا أحب القصص التي تنتهي بواقع مأساوي، ولكن لا أحد يستطيع أن يتلاعب بالحقيقة.. قصة مهند وسلمى قصة من صميم الواقع بتصرف في الأسماء وبعض المجريات، ذكرتها والدتي التي عاشت واقع هذه المأساة. وصلت سلوى الطفلة الرضيعة مع جماعة من المسفرين العراقيين إلى المخيمات الإيرانية الواقعة على الحدود التي كانت تعمل فيه والدتي مع المشرفين، وقد تبنتها عائلة محترمة عملت على تربيتها حتى بلغت وكبرت، وعرفت حقيقة أمرها وأنها ليست ابنة هذه العائلة من المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (قدس سره) ، حيث أخذها إليه ليخبرها بواقع أمرها حتى تلتزم بواجباتها الشرعية من حجاب وما شابه تجاه والدها المتبني، فراح الإمام الراحل يبين لها عظمة الجهاد والصمود والصبر والتأسي بالأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ثم أخبرها بقصتها المريرة. اغرورقت عيناها بالدموع، أمر لا يصدق، لكنها استطاعت تجاوز المحنة وكبت الفجيعة، وبعد أن تزوجت بدأت حياتها الجديدة المستقلة. |
|