الصفحة الرئيسية

العدد 78

اتصلوا بنا

 

صور من مآسي الجور الصدامي .. بأي ذنب تعتقل المخدرات؟

 

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (للظالم البادي غداً بكفّه عضَّة).

لا أعرف من أين أبدأ وأي صفحة أتصفح من جرائم النظام الصدامي الجائر، لكن سأختصر لكم بعد أن كتبت الكثير والدموع منهمرة من عيني وقد اختلطت بالكلمات لتصور مرارتها وآلامها، لكني مزقتها لكون القصة والقضية معروفة في بلدنا، ولا أريد أن يقول البعض: إنني كتبت هذه السطور من أجل أن يعرفوا من أنا، وأبجل بمصيبتي، كلا وإنما الهدف من ذكر هذه الكلمات هو تجسيد جانب من جوانب الظلم التي كان يرتكبها النظام الصدامي، وفضح نقطة من بحر القضايا المأساوية واللحظات المرة التي مر بها الشعب العراقي المؤمن.

في الانتفاضة الشعبانية عام 1991 هبّ الشعب العراقي منتفضاً ضد الجور والعدوان الذي حرم الشعب من جميع حقوقه، وقد قامت عائلتي بما يرضي الله من الجهاد والمساعدة لجميع المجاهدين، وكنا من العوائل المقتدرة مالياً، فقمنا بالتبرعات ومعالجة الجرحى وتوزيع كافة الاحتياجات لجميع المجاهدين، ولكن هذه الفترة لم تدم إذ دخل الجيش الصدامي الظالم وفعل ما فعل بالشعب من إعدام وهدم للبيوت، وفي تلك اللحظات أصبحنا حائرين لا نعرف ماذا نفعل، فقد هرب جمع منا عن طريق السعودية، بينما بقينا مشردين وضائعين وخائفين ومتخفين حتى لا يرانا أحد؟.

بقينا نتستر بين المحافظات كيلا تعرفنا الناس وتبلغ عنا السلطات الجائرة، وعشنا فترة في المناطق الريفية، ولكن كانت تكشف هويتنا بعد فترة من منظرنا وحجابنا، فنبدأ بالانتقال إلى مكان آخر.

عند هدوء الوضع نسبياً ذهبت إلى الجيران لأستقصي منهم الوضع، فأدخلوني بسرعة وقالوا: لماذا أتيتي؟ فقد صودرت أموالكم ومنازلكم من قبل الدولة، وأخذت متاجركم، فاهربي سريعاً من هنا، وسافروا إلى إيران؛ إذ أنهم قد نصبوا لكم كميناً في البيت.

عند خروجي منهم شك أحد الجيران بي ووشى بي، وخلال لحظات قليلة لا تتجاوز العشر دقائق أو الربع ساعة وإذا بي أرى السيارات المظللة قد أحاطتني. ونزل منها ما يقارب 15 من أعوان الظلمة مدنيين ومسلحين، فسألوني من أنت؟ في ذلك الحين لم أستطع الإنكار؛ إذ إنهم يعرفون أسماءنا، وقال أحدهم: هل أنت أخت فلان وفلان الخونة؟ فبقيت صامتة لا أتكلم.

فقال: اصعدي، مع ذكره لكلمات بذيئة جداً، صعدت في السيارة ولا يعرف أحد بما جرى سوى الجيران، علماً أن زوجي وأطفالي وأهلي كانوا بانتظاري.

عند وصولي أدخلوني في غرفة مساحتها 2×1م، وارتفاعها 3م مظلمة جداً جداً، وفيها نافذة صغيرة جداً. فلم تمض ساعة إلا وأدخلوا عليّ امرأة عجوزاً شمطاء، وكانت جاسوسة، ولكنها دخلت على أنها مظلومة، فصارت تحكي وتبكي وأنا صامتة لا أتكلم، ثم قالت: ما بكِ يا ابنتي، إنني قد رأيتك في تلك المنطقة تقومين بواجبك، فأيقنت أنها جاسوسة، إذ إنني ألبس النقاب (البوشية) فكيف عرفتني؟ وحاولت بشتى الأساليب أن تستدرجني بالكلام، ثم أضافت: تكلمي يا ابنتي بكل شيء وإلا آذوك، وبعدما يقارب الثلاث ساعات جاءوا لأخذها على أساس أنها سجينة.

وبعدها دخلت عليّ فتاة لا أعرف أن أميز عمرها؛ إذ إنها كانت مقنعة، فقالت: اسمعي إننا رئفنا لحالكِ، تكلمي وسوف نساعدك، فأجبت: أنني بعيدة كل البعد عما تقولين، قالت: أوليس فلان أخاك وفلان حماك؟ قلت: نعم. قالت: أنت تعرفين أين هم، أبلغينا فوراً، لكنني صمدت ولم أتفوه بشيء؛ إذ إنني تعلمت الصمود من عمتي زينب (عليها السلام).

بعد ذلك فتحت عيني من قطعة القماش المربوطة بها وضربتني ضربة قوية بالمسدس على رأسي، وأخرى على ظهري حتى أوقعتني على الأرض، وسحقت رجلي بحذائها، وقالت: سيعذبونكِ أشد من ذلك وخرجت.

بقيت أبكي في تلك الزنزانة المظلمة التي لا أرى فيها ليلاً ولا نهاراً، وفي ساعة متأخرة من الليل سمعت الحارس يقول: الساعة الثانية وقد جاء العقيد أبو سامي، ويريد أن يحقق مع هذه السجينة ومعه لجنة، أخذوني إليه وأنا مسودة العين. فقال: من الذي أرسلك إلى الجيران؛ وأين هم الآن؟ ما هو دورك في هذه المعارضة؟ تكلمي بسرعة، أنتم خونة وحرام عليكم أن تأكلوا من أرض العراق، فقد تجبرتم على رئيسكم (صدام)، فأجبته: إنني لا أعلم بحالهم، فكان بيده عصا وفيها سوط أسود طويل وهو جالس على الكرسي، ولكن قد لا تصدقوا أنني لم أحس بأي ضربة تقع على جسمي - والله شاهد على ما أقول - فقد رأيت امرأة طويلة تقف أمامي وتتلقف ذلك السوط عني.

ثم قال العقيد: هذه لا ينفع معها الكلام، إذا لم تعترف جهزوا أوراقها وأرسلوها غداً في الساعة الثامنة صباحاً، إلى بغداد إلى السيد الرئيس (لعنه الله)، أرجعوها الآن إلى الزنزانة، وبقيت على هذا الحال شهراً كاملاً.

وخلال تواجدي في السجن توجهت بكل وجودي في تلك الزنزانة إلى أجدادي وطلبت منهم أن يخلصوني مما أنا فيه، وقد سأل أحد السجناء عني فقال: من هذه المرأة؟ قالوا له: فلانة بنت فلان، فلطم على وجهه وقال: ليتنا نعدم وهي تخرج.

بقيت أبتهل إلى الله أن يخلصني من هذا السجن المريب، وتوسلت بسيدي ومولاي موسى بن جعفر (عليهما السلام) وسيدتي أم المصائب زينب (عليها السلام)، وبهذه اللهجة الصريحة قلت: أريد أن تخلصاني لأن السجين في المحافظات أهون عليه بكثير من الوصول إلى بغداد.

وفي الصباح، ناداني العقيد وقال: ما هي أمنيتك؟ فهذا آخر يوم في حياتك، وقد حكم عليك بالإعدام شنقاً حتى الموت. يريد أن يرهبني بذلك فقلت له: لا أريد سوى رضا الله. أضاف بعدها:

منذ أن تكلمت معك قد مر شهر على ذلك، ولا أدري من أنتِ؟ ولم نجد ضدك أي دليل أو معلومة، ومنذ دخلوك قد انقلب السجن رأساً على عقب، ولكن أريد التوقيع منك على هذه الورقة وهي إخبارنا عن هؤلاء الأسماء بمجرد أن تريهم.

وبهذه الصورة خرجت من ذلك الكابوس الرهيب، وحتى إني لم أطالب بالمال الذي كان بحوزتي عند اعتقالي، حيث كان يحتوي على الذهب وأموال كثيرة.

بعد خروجي عرفت أن المطلوبين هربوا إلى إيران وفرحت كثيراً، وقال جماعة من الجيران: أنهم أرادوا تسليم أنفسهم كي تخرجي ولكنا منعناهم.

وبقينا مراقبين من قبل الأمن، وكانوا يأتون إلينا بين الفترة والأخرى ليسألوا عن المطلوبين، حيث كنا نقول: لا علم لنا، وبعد مدة سجنوا زوجي خمسة أشهر بسبب أحد المنافقين الذي وشى به وأخبرهم أنه شارك في الانتفاضة، وتلقى منهم العذاب الأليم، حيث تم تعليقه بالمروحة وتعذيبه بالكهرباء وإلى الآن لا يتمكن أن يحمل شيئاً ثقيلاً في يده اليسرى، وقد خرج من السجن بالمعجزة، وبعد عدة محاولات وبصعوبة فائقة تم هروبنا من العراق.

ها وقد ذهب الحاكم الجائر وأخذ معه الذل والعار والخزي في الدنيا والآخرة؛ إذ إنه من نسل آل أمية الملعونين في القرآن الكريم. وستزهر الدنيا بالنصر الذي حققه المستضعفون في أرض العراق، وبظهور إمامنا الحجة (عج).

فلنكن يد واحدة وصوت واحد كيلا يسلط علينا الظالم ثانية، وندع كلام وراء ظهورنا ونبدأ من جديد عراق أهل البيت (عليهم السلام)، عراق الإيمان والحرية والصمود.

الراجية رضا الله: ف.ز.ع