|
بعد أن ينقطع التيار الكهربائي، ينتشر
الأطفال من حول جهاز التلفاز يبدأؤن بتقليد للحركات التي شاهدوها
وللأصوات التي سمعوها في أفلام الكارتون المعروض على القنوات الفضائية
والعراقية، وإذا سألنا أي طفل عما يفضل من أفلام الكارتون ولماذا هذا
التفضيل؟ لا يعرف الاجابة حتى أنه لم يعرف قصة الفيلم وهو مجرد مشاهد
مقلد، فمثلا ابتسم الطفل (محمد حازم) البالغ من العمر 5 سنوات، وقال:لا
أعرف ولكنني أحب توم وجيري.... وقال مصطفى الذي عمره 10 سنوات: إن
الحركات التي أشاهدها تدل على القوة والسيطرة وأنا أوديها بشكل جيد.
والطفلة (هبة أحمد) عمرها 8 سنوات تقول: لاأفهم كثيرا مما يقولون ولكن
الحركات كثيرة وجميلة وقوية... وإذا سألتهم عن قصص جدتي لا يعرفونها،
لقد فقد الاطفال قصص جدتي وما ترويه عن الحب والخير و عن الحطاب
وأولاده وسندريلا وليلى والذئب وغيرها من القصص التي تضم قيم ومبادئ
انسانية عاطفية وترابط أسري، فكان الطفل لا ينام بدون سماع تلك القصص،
أما الآن فهو يقضي وقته أمام الشاشة الملونة ويتعب من النظر ثم ينام
متأخرا وبالتالي لايستطيع النهوض مبكرا أونشيطا ويتكاسل في الذهاب إلى
المدرسة... فالتكنلوجيا والتطور الحضاري الالكتروني وعصر المعلومات
ظهرت سلبياته قبل ايجابياته.
فجلوس الطفل لساعات طويلة للمشاهدة أو
استعمال الحاسبة (الأتاري) يفقده الاحساس بالجوع، وبالتالي يفقد وجبة
من غذائه ومن السوائل التي يحتاجها بشكل ضروري في فترة نموه لذلك على
الأم أو المربية أن تتفقده كل ساعة وتذكره بأهمية تناول المواد
الغذائية لأنها تفيد نموه وتعادل الجهد الذهني الذي يبذله الطفل، هذا
ما بينته الدكتورة باسمة (الاخصائية في التغذية).
والمشاكل التي تتوالى والخطر يتعاظم عند
الاطفال، لأنهم يمرون بفترات نمو تحتاج لتمارين رياضية وفترات راحة،
فقد أكد الدكتور فارس أدرس (اخصائي بأمراض العظام والمفاصل): إن تعريض
الطفل للارهاق والجلوس لفترات طويلة أمام شاشة التلفاز يؤدي إلى آثار
نفسية سيئة وإن التعرض لموجات كهرومغناطيسية تسبب للأطفال القلق
والاكتئاب والشيخوخة المبكرة وضعف في المفاصل (رخاوة)، والحل ليس
بالبعد عن التلفاز نهائيا وإنما التشجيع والتواصل العاطفي والنفسي بين
الأسرة الواحدة والتركيز على إعطاء الطفل القيم الاجتماعية وتعريفه
الصواب والخطأ، وهذا يتفق مع ما قاله الدكتور ايهاب رمضان (استشاري
المخ والاعصاب والصحة النفسية): إن الدراسات أوضحت إن المشاهد
الكرتونية العنيفة والدموية تؤدي إلى سلوك اجرامي بنسبة 74% من اجمالي
المشاهد، حيث إن 43% من هذه القصص مستقاة من الخيال وتأثيرها سلبي على
شخصية الطفل، فقد أصبح لبعض الأطفال خصائص عدوانية وعدم اكتراث،
واهتزاز الثقة بأنفسهم، وأهمل بعضهم دراسته واستغرقوا بالتفكير في
الاحداث وطلب بعض الاطفال الحماية الزائدة في المنزل ورفضوا النوم في
غرف مظلمة.
وعن طريق تجربة معملية أجريت على أحد
الفئران تعرض فيها لصدمات كهربائية متكررة، فكان يصرخ خلال تعرضه
للصدمات في البداية وبعد تكرار الصدمات أصيب باليأس والاحباط وتوقف عن
الأنين... مما يعني إن تكرار الخبرات العنيفة والصادمة يولد مشاعر
العجز والاكتئاب لدى الفرد والذي يدفعه إلى عدم التأثر وإظهار حالة من
اللامبالاة.
ولذلك فإن الطفل الاميركي مثلا ، فقد
تأثره الوجداني للاستجابة للعنف بسبب تكرار مشاهدته له، وتعاني نسبة
كبيرة من هؤلاء الاطفال من الاحباط والاكتئاب، حتى إن الرئيس الاميريكي
السابق (كلينتون) وجه نداء إلى صناع السينما في هوليوود للحد من أفلام
ومشاهد العنف كوسيلة للحد من العنف لدى أطفال المدارس الاميريكية، وما
ترتب عليه من مهاجمة الطلاب بالرشاشات لزملائهم.
وكذلك بعض المؤتمرات الخاصة بالمرأة
والطفل خرجت بتوصيات منها: مراعاة مواعيد بث واذاعة أفلام الكارتون
والرقابة الجيدة عليها لاحتوائها على الكثير من العنف.
ومن الاحصائيات التي أجريت على القضايا
التي تشغل تفكير الطفل العربي وهمومه وما يدور حوله من عنف وارهاب..
قامت جريدة بحرانية (الأيام) باستبيان على 300 طفل.. فكانت النتائج :
98 % من الأطفال يفكرون بالقضية
الفلسصينية وما يواجهون من تعدي.
95 % منهم يفكرون بالقضية العراقية
والاحتلال والعنف الزرقاوي.
50 % منهم يفكرون بالقضايا الدينية
وتأثيرها على الحياة.
95 % منهم يفكرون بقضايا ـمختلفة.
فالطفل لم يعد طفلا صاحب البراءة
والشفافية بظل عصر المعلومات الحالي والارهاب والعنف والثقافة
الالكترونية التي تطرح العنف بدون شرط أو قيد أو حدود، فهذه الثقافات
المسمومة تتسلل بخبث إلى عالم الطفل البرئ وتفرض عليه النضج مبكرا
ليصبح رجلا صغيرا قبل الآوان.
صحيح أن الرسوم المتحركة من أجمل الاشياء
التى اخترعها الانسان لاسعاد الاطفال، ولكن المشكلة أنها صناعة غربية
تعكس قيم وثقافة المجتمع صاحب المنشأ بغياب (الكارتون العراقي والعربي
والاسلامي) لذلك لا نستطيع أن نرفض الكارتون الغربي أمام انتشار العنف
في مجتمعنا لا يجب أن نخفيه عن أطفالنا، فلا مانع أن يعبر الكارتون عن
العنف طالما أن هذا العنف جزء من الواقع، وطالما أن الدنيا في صراع
مستمر إزاء الناس وهذا يجعل الطفل أكثر واقعية، ولكن بشرط أن لا يقتل
احساس الاطفال المرهف ويجعلهم يتعودون مشاهد العنف، لأن أفلام الكارتون
عنف مموه غير ظاهر مثل ذلك الصراع الأزلي بين القط والفار والذي لا
يثير فينا سوى الضحك والسخرية.
فنحن أحوج الان لاعادة النظر في أساليب
تربية الطفل والرجوع إلى التربية الروحية وتنمية المهارات العقلية
وتدعيم الروابط الأسرية وتنمية الثقة بالنفس وتعزيز الايمان بالله
تعالى الذي هو صمام الأمان لكل الازمان.... والرجوع كذلك إلى حكايات
الجدة التي كلما استعدنا تفاصيلها نتذكر منها الحب والدفأ والتسامح
والطمانينة وعوالما سحرية. |