|
باتت الغلطة في الكلام والفضاضة في
التعامل ورد السيئة إن لم تكن الحسنة بأسوء منها؛ سمة الشارع العراقي
اليوم، وحلت العضلات بل السكاكين والطلقات محل العقل والقانون، وأصبحت
شريعة الغاب ومنطق العنف والقوة الفاصل في حل النزاعات وما أكثرها في
الشارع العراقي بين زحام السير والمرور أو في ما امتد إليه البصر من
طوابير البشر في محطات تعبئة الوقود (النفط، الغاز، البنزين) أو ضمن
قوافل المتزاحمين لتقديم طلبات التعيين في بعض مراكز الشرطة أو
المؤسسات الحكومية الأخرى. ومن البديهي بأن هذه الظاهرة هي من افرازات
المرحلة الراهنة التي يعيشها شعب الرافدين بعد سقوط النظام البائد حين
أصبحت الصورة مغايرة تماما لما رسمته آمال شعب سحقته سنون طوال من
الظلم والحرب والحصار.
وقد أضحى حلم الحرية والديمقراطية
والرفاهية محض سراب، حلم مزقته ـمخالب الإرهاب ليغفوا هذا الشعب
المقهور ويستفيق على صرخات اليتامى وعويل الأرامل أثر سلسلة من
التحديات والتضحيات خاضها منذ سقوط الصنم وإلى الآن، وسيل من الوعود
الزائفة بالأمن والسلام أصبحت محل سخرية في كل مكان.
هذه العوامل وغيرها مما طفح به كيل
الشارع العراقي وبلغ السيل الزبى حالت شعب المكرمات والحلم والتسامح
إلى بركان يستعر غلظة وغضبا وقسوة، وعداَ تستفزه شكة الدبوس وتثيره
أتفه الأسباب للعبوس فشدة الضغط النفسي وشدة التوتر الذي تثيره دوي
مولدات الكهرباء جعلت المواطن العراقي يزعق بالصراخ حانقا على من حوله
ويستشيط غيضا دون رأفة بنفسه لمجرد سوء فهم او اشتباه بسيط، وبسبب
وبغير سبب حتى أصبحنا قنابل موقوتة متحركة قابلة للانفجار من أقل لمسة
أو أي تصادم أو احتكاك مغالين في شدة انفعالنا وردود أفعالنا إزاء
بعضنا البعض في أبسط المواقف وـمختلف الظروف.
نعم إن لكل هذا أسباب واقعية ومنطقية مما
ذكرناه آنفا إلاّ أنها لا ترتقي لأن تكون حجة لأن يجافي الانسان أخاه
الانسان لان تصرع في نفوسنا أسمى وأنبل السمات الأخلاقية والإنسانية
كالحلم والتسامح والبشر واللين في التعامل.
فبها ساد الإسلام وكسب معركته مع
الجاهلية الأولى (ولو كنت فظا غليظ القلب لاتفضوا من حولك) وبها فقط
نكسب معركتنا مع أرباب جاهلية هذا العصر بالكلمة الطيبة، بغض الطرف،
بالتراحم فيما بيننا حتى لا نخسر أنفسنا وإنسانيتنا فنكون قد خسرنا كل
شيء فذلك سبيلنا لكشف الغمة وسلاحنا لتجاوز المحنة (ان الله لا يغير ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
فالرحمة، النخوة، الذمة، الحكمة، معاني
كادت تفلت منا فلنمسك بها كما يمسك الطفل بأذيال أمه، لأنها وهج للنفوس
وعمار للقلوب ومنار للعقول، والاّ بتنا نتقلب في ظلمات بعضها فوق بعض:
ظلمات انقطاع التيار الكهربائي وظلمات انقطاع الحس الإنساني وذلك أدهى
وأمر لمن يملك صفة بشر. |