لم تكن المعلومات الطبية في متناول الناس كما هي اليوم، لكن هذا القرب لم يأتِ بلا ثمن. فبين أدوات الذكاء الاصطناعي ومحتوى “خبراء” الصحة على الإنترنت، يواجه كثيرون صعوبة في التمييز بين النصيحة المفيدة والمضللة، ما قد ينعكس سلباً على صحتهم ويزيد من تعقيد عمل الأطباء.
يلجأ عدد متزايد من الأشخاص إلى البحث الذاتي عن أعراضهم عبر الإنترنت أو استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على تشخيص سريع، خاصة مع صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية في بعض الأنظمة. غير أن هذا “الحل السريع” قد يقود إلى مزيد من القلق والارتباك، بل وأحياناً إلى تبني علاجات أو شراء منتجات بلا أي دليل علمي.
وترى الصحافية المتخصصة في الشأن الصحي ديبورا كوهين أن انتشار هذا النوع من المحتوى يعود جزئياً إلى عجز الأنظمة الصحية عن تلبية احتياجات المرضى، ما يفتح المجال أمام جهات تجارية ومؤثرين لملء هذا الفراغ، سواء بنوايا حسنة أو بهدف الربح. وتلفت إلى أن بعض الفئات، مثل النساء اللواتي يعانين حالات يصعب تشخيصها بسرعة، يجدن في هذه المنصات شعوراً بالتفهم والدعم، لكن هذا قد يُستغل للترويج لمنتجات أو علاجات غير مثبتة.
وتبرز أمثلة على هذا التضليل، مثل قصة المؤثرة الأسترالية بيل غيبسون التي ادعت شفاءها من السرطان عبر نمط حياة صحي، قبل أن يتبين زيف ادعاءاتها. مثل هذه الحالات تعكس كيف يمكن أن تتحول الثقة إلى وسيلة استغلال.
ولا يقتصر التأثير على الخداع التجاري، بل يمتد إلى الصحة النفسية والجسدية. إذ يمكن للمحتوى الصحي المنتشر على منصات التواصل أن يخلق أعراضاً حقيقية لدى البعض، نتيجة ما يُعرف بـ”تأثير النوسيبو”، حيث يؤدي الاعتقاد بوجود مرض إلى ظهور أعراضه. كما تسهم الخوارزميات في تعزيز هذا التأثير عبر تكرار عرض محتوى مشابه، ما يغذي القلق الصحي.
كذلك، قد يقع المستخدمون تحت تأثير ما يسمى “تأثير بارنوم”، حين يجدون أنفسهم في أوصاف عامة لأعراض أمراض معينة، فيعتقدون أنهم مصابون بها، رغم غياب التشخيص الطبي الدقيق.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن المعلومات الصحية عبر الإنترنت غالباً ما تُقدَّم بطريقة حاسمة ومغرية، تعد بنتائج سريعة أو “علاجات معجزة”، على عكس الطب الذي يعتمد بطبيعته على الاحتمالات والتقييم الفردي لكل حالة.
في المقابل، لا يمكن وضع جميع مقدمي المحتوى الصحي في خانة واحدة، فبعضهم يسعى فعلاً لنشر الوعي. لكن التمييز بينهم وبين المضللين ليس سهلاً، ما يستدعي قدراً من الحذر. وينصح الخبراء بطرح أسئلة بسيطة: لماذا تُقدَّم هذه النصيحة؟ من المستفيد منها؟ وهل هناك دليل علمي يدعمها؟
في ظل شعور كثيرين بأن أصواتهم غير مسموعة داخل الأنظمة الصحية، تبدو المعرفة قوة. لكن حين تكون هذه المعرفة غير دقيقة، فإنها قد تتحول إلى عبء، يربك المرضى ويستهلك وقت الأطباء في تصحيح المفاهيم بدلاً من تقديم العلاج.
وفي النهاية، تبقى سهولة الوصول إلى المعلومات الصحية عبر الإنترنت سلاحاً ذا حدين: يمكن أن تدعم الوعي، لكنها قد تفتح الباب أيضاً أمام التضليل، ما يجعل الوعي النقدي ضرورة لا خياراً.








اضافةتعليق
التعليقات