تشكل الحروب والصراعات المسلحة من أقسى التجارب التي قد يمر بها الأطفال، إذ تهدد شعورهم بالأمان وتؤثر في نموهم النفسي والعاطفي، وقد تترك آثاراً طويلة الأمد إذا لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح.
خلال فترات النزاع، يتعرض الأطفال لأصوات صفارات الإنذار والانفجارات وإطلاق النار، إضافة إلى مشاهد الدمار التي قد يشاهدونها في الواقع أو عبر شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. كما قد يواجه بعضهم تجارب أشد قسوة مثل النزوح القسري وترك منازلهم التي تمثل بالنسبة لهم مصدر الأمان والذكريات.
ويرى مختصون في الطب النفسي أن هذه الظروف قد تزيد من احتمالات إصابة الأطفال بالقلق واضطرابات النوم ونوبات الهلع، وقد تصل في بعض الحالات إلى اضطراب ما بعد الصدمة إذا لم يحصلوا على دعم نفسي مناسب.
ويؤكد استشاري طب نفس الأطفال والمراهقين محمد جمال أهمية فتح المجال أمام الأطفال للتعبير عن مشاعرهم، سواء بالكلام أو البكاء أو حتى الصراخ، مع الاعتراف بمشاعرهم وعدم التقليل منها. فالسماح للطفل بالتعبير عن خوفه يساعده على التعامل مع التوتر بشكل صحي.
كما يشدد المختصون على أهمية أن يحافظ الكبار على هدوئهم قدر الإمكان أثناء الأزمات، لأن رؤية الأطفال لذويهم وهم متماسكين تمنحهم شعوراً بالأمان. وينصح أيضاً بشرح ما يحدث للأطفال بلغة بسيطة ومناسبة لأعمارهم، مع توضيح خطة الأمان مثل التوجه إلى الملاجئ عند سماع صفارات الإنذار.
وتشير دراسات علمية إلى أن الخوف المستمر قد يؤثر في طريقة عمل الدماغ لدى الأطفال، مما يجعلهم أكثر حساسية للأصوات المفاجئة وأكثر عرضة للقلق على المدى الطويل. كما يمكن أن تؤثر الصدمات المتكررة في تطورهم العاطفي والاجتماعي.
ويختلف تأثير الحرب على الأطفال بحسب أعمارهم. فالأطفال بين ثلاث وست سنوات قد لا يستطيعون التمييز بين أصوات الإنذار والخطر الحقيقي، وقد يظهر خوفهم لاحقاً في شكل كوابيس أو بكاء مفاجئ أو تعلق مفرط بالوالدين.
أما الأطفال في سن المدرسة، بين سبع واثنتي عشرة سنة، فيدركون أن الأصوات تعني وجود خطر، ما قد يخلق لديهم حالة دائمة من الترقب والشعور بانعدام الأمان.
ومن الأساليب التي ينصح بها الخبراء للتخفيف من التوتر لدى الأطفال إعطاؤهم مهام بسيطة أثناء الطوارئ، مثل حمل زجاجة ماء أو الحفاظ على لعبة مفضلة. هذا الأمر يمنحهم شعوراً بالمشاركة والسيطرة على الموقف.
كما يمكن تشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم من خلال الرسم أو الكتابة أو الحديث، مع مشاركة الأهل لهم في هذه الأنشطة والاستماع إلى ما يعبرون عنه.
وينصح الأطباء أيضاً بالحد من مشاهدة نشرات الأخبار أو مقاطع الفيديو المتعلقة بالحرب، خاصة في حضور الأطفال، لتجنب زيادة القلق والخوف لديهم.
وتعد تجربة النزوح من أكثر التجارب إيلاماً للأطفال، إذ تعني فقدان المنزل وما يرتبط به من شعور بالاستقرار. لذلك يوصي المختصون بمحاولة الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان، وتشجيع الأطفال على اللعب، والسماح لهم بالاحتفاظ بأغراض شخصية من المنزل مثل لعبة أو تذكار يمنحهم شعوراً بالارتباط بالمكان الذي غادروه.
ويرى خبراء أن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل أيضاً بتأثيرها العميق في الأطفال الذين يكبرون وهم يشعرون بأن العالم مكان غير آمن.
ومع ذلك، يمكن لدور الأسرة والدعم النفسي المناسب أن يخففا كثيراً من آثار هذه التجارب، من خلال الطمأنة المستمرة، والشرح البسيط لما يحدث، والحفاظ على الروتين، وتوفير مساحة آمنة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم.








اضافةتعليق
التعليقات