نظمت جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية محاضرة ألقاها الكاتب والباحث الشيخ مرتضى معاش في شهر رمضان 2025.
طرح معاش في محاضرته واحدة من أعقد الإشكالات التي تواجه الكينونة البشرية، وهي ظاهرة "نسيان النفس". ففي مقاربة تدمج بين النص القرآني والتحليل النفسي السلوكي، يكشف عن أن نسيان الإنسان لنفسه ليس مجرد عطب في الذاكرة، بل هو عملية "احتجاب إرادي" ناتجة عن الانفصال عن المنظومة الإلهية، محذراً من مآلات هذا التيه التي تنتهي بـ "المعيشة الضنك" والعمى البصيري.
استهل الشيخ معاش كلامه بالاستناد إلى النص المحكم في سورة الحشر: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. وهنا يضع اليد على مفارقة جوهرية؛ فالله سبحانه وتعالى منزه عن السهو والنسيان، لكن نسيانه للعبد هو "نتيجة حتمية" لأفعال العبد نفسه.
ويفسر البحث معنى النسيان هنا بدلالات "الحجب، والترك، والإهمال". فالإنسان الذي ينحرف عن النهج القويم يقود نفسه إلى مسار بعيد عن غايته الكبرى، وبسبب هذا الانحراف، يكون جزاؤه أن "يُنسى"؛ أي يُهمل ويُترك ولا يُقام له وزن، كونه هو من اختار إهمال منطلقات أفعاله ومآلاتها.
ويفرق معاش بوضوح بين النسيان كآلية فسيولوجية طبيعية وبين النسيان كخيار سلبي.
* الجانب الصحي: يستشهد الكاتب بحديث الإمام الصادق (عليه السلام) الذي يصف النسيان بأنه "نعمة عظمى" لولاها لما سلا أحد عن مصيبة، ولما انقضت حسرة، ولما مات حقد. فهذا النوع يساعد على التأقلم مع الواقع والتكيف مع الحياة.
* الجانب السلبي (النسيان المتعمّد): وهو جوهر الأزمة، حيث يعمد الإنسان "لاشعورياً" إلى حجب الحقائق المؤلمة أو الأخطاء التي ارتكبها ليبرر لنفسه التمادي في السلوكيات السلبية.
ويعرف "التبرير" بأنه وسيلة دفاعية لا واعية للتخلص من الشعور بالذنب أو الخجل. فالذي يرتكب معصية ولا يبادر للاستغفار، يصنع "حجاباً" يحول بينه وبين رؤية خطئه، مما يقوده حتماً لتكرار الخطأ وتراكمه حتى يُنسج الغطاء على قلبه.
خماسية الانهيار الروحي: كيف يضيع الوعي؟
ويرسم الشيخ مرتضى معاش مساراً متسلسلاً لما وصفه بـ "مراحل الاحتجاب"، وهي خمس محطات يمر بها الإنسان قبل أن يفقد اتصاله بذاته وفطرته:
المرحلة الأولى: غلق القلب عن السماع، تبدأ الرحلة بإيصاد الأبواب أمام النصيحة. فالإنسان الذي يرفض الاستماع للحق ويتحاشى الاهتداء، يسد على نفسه طريق الهدى، مما يجعل على قلبه "أكنة" (أغطية) تمنعه من الفهم.
المرحلة الثانية: "الرين" وتصلد القلب، نتيجة تراكم الذنب فوق الذنب دون توبة، يصاب القلب بالصدأ (الرين). هذا الصدأ يغير معالم القلب النفيسة، ومن هنا تبدأ قسوة القلب والتحول من اللين إلى التصلب.
المرحلة الثالثة: التطبع بالسلوك، في هذه المرحلة، يتحول الفعل الخاطئ إلى "سجية". فمن يمارس الكذب أو الظلم باستمرار دون رادع، يترسخ السلوك في أعماقه ليصبح طبعاً ملازماً يضاد فطرته النقية التي جُبل عليها في البداية.
المرحلة الرابعة: الختم والقفل الدائم، يمثل "الختم" نهاية صيرورة النسيان، حيث تضعف القدرة على التصحيح إلى أدنى مستوياتها، ويُقفل القلب تماماً، مما يجعل من الصعب جداً فتحه مجدداً لآيات الله.
المرحلة الخامسة: "البَسْل" والاستسلام العدمي، وهي أقصى مراحل الخطر، حيث "تُبسل" النفس، أي تتماهى الأعمال السيئة مع شخصية الفرد حتى لا يعود يملك مخرجاً أو طريقاً للتوبة، ويصبح مستسلماً لواقعه المظلم بلا مبادئ أو قيم.
الأسباب الدافعة للنسيان: الاستهزاء والفسق وقرناء السوء
حدد الشيخ معاش ثلاثة عوامل رئيسية تُسرع من عملية نسيان النفس:
* أولاً: الاستهزاء: السخرية من الأحكام الشرعية أو القيم الدينية تعمل كـ "جدار صد" يحجب التذكر. فالشخص الذي يستهزئ بالدين يهرب من وخز الضمير عبر الضحك واللهو، مما يقطع عليه طريق الاستغفار.
* ثانياً: الفسق: وهو الخروج عن حدود الشرع. يبدأ بالانشغال بـ "اللهو واللغو" (الانشغال بغير المهم)، ثم ينتقل إلى "العدوان والبهتان" (تدمير سمعة الناس). وهذا الفسق هو ما يمهد الطريق للشيطان والطاغية للهيمنة على الإنسان.
* ثالثاً: أصدقاء السوء: يصفهم معاش بأنهم "محضرة للشيطان"، حيث يستدرجون الفرد لمجالس الصخب الدنيوي التي تُنسي الخالق وتُقيد الوعي في دائرة الملذات الزائفة.
"المعيشة الضنك" والعمى الأخروي
ويربط معاش بقوة بين الإعراض عن الذكر وبين الواقع المعيشي للإنسان. فالإعراض عن قوانين الله (مثل الصدق والأمانة) يؤدي بالضرورة إلى "معيشة ضنك". والضنك هنا ليس فقراً مادياً فحسب، بل هو "ضيق النفس واضطرابها" حتى لو ملك الإنسان الدنيا بأسرها.
كما يحذر معاش من مفهوم "الإبلاس"؛ وهو اليأس المقترن بالحزن الشديد الذي يعتري الإنسان حين تنكشف له الحقيقة فجأة (بغتة) بعد فوات الأوان. ويؤكد أن الشخصية الدنيوية هي التي ستتجسد في الآخرة؛ فمن عَمي قلبه وبصيرته في الدنيا عن الحق وولاية أهل البيت (عليهم السلام)، سيُحشر أعمى في الآخرة كجزاء لنسيانه الآيات التي أتته في دار الدنيا.
اليقظة ومحاسبة الذات
لم يكتفِ معاش بتشخيص الداء، بل قدم "خارطة طريق" للعلاج والوقاية، تتركز في النقاط التالية:
* المحاسبة اليومية: استناداً لقول الإمام الكاظم (عليه السلام): "ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم". هذه المحاسبة هي التي تمنع تراكم "الرين" وتحافظ على "النكتة البيضاء" في القلب.
* اليقظة الذهنية: وهي ممارسة بناء الوعي المستمر، وتحويل المعلومات من اللاوعي إلى الوعي الظاهر عبر التأمل والتفكر في عواقب الأفعال.
* انفتاح القلب على النصيحة: يرى أن الإنسان السعيد هو من يمتلك ناصحاً في حياته ولا يتكبر على الإرشاد، لأن النصيحة تنجي من المزالق.
* الذكر الواعي: الذكر اللفظي (يا الله، سبحان الله) يجب أن يقترن بالذكر المعنوي (استحضار النعم)، فالذكر هو المحرك لتقدم الإنسان وارتقائه وحصوله على الحكمة.
وفي ختام محاضرته، يؤكد الشيخ مرتضى معاش أن خلاص الإنسان من "النسيان العدمي" يكمن في اتباع "القدوة والأسوة الحسنة". ويشدد على أن أهل البيت (عليهم السلام) هم "أهل الذكر" وهم "الآيات" التي بذكرها يحيا القلب.
إن قراءة مناهجهم، وتأمل "نهج البلاغة"، والالتزام بولايتهم، هو السبيل الوحيد لبناء حياة سعيدة ومستقرة. فالاستقامة على طريقتهم هي التي تُشرب القلوب الإيمان، وتحمي الأجيال من الاستحواذ الشيطاني الذي يهدف لتغييب الوعي ونشر الفساد.
ينتهي معاش إلى أن نسيان النفس هو "خسارة للفرصة الوجودية". فالإنسان الذي يجهل نفسه يجهل كل شيء، والذي ينسى خالقه يضيع بوصلته. والحل يبدأ بكلمة واحدة: "التذكر"؛ تذكر النعم، تذكر الحساب، وتذكر المنهج الذي رسمه الأنبياء والأوصياء لإخراج البشرية من ظلمات الغفلة إلى نور الوعي واليقين.








اضافةتعليق
التعليقات