مع الأيام الأولى من شهر محرم الحرام، بدأت أم أحمد، من أهالي المدينة القديمة الواقعة في كربلاء المقدسة، تعلق قطعة القماش السوداء على باب منزلها، كما اعتادت منذ عقود. لم يكن الأمر مجرد إعلان للحزن، بل كان إيذانًا بعودة موسم يحمل ذاكرة أجيال كاملة، لذاكرة تختلط فيها رائحة الشاي بالدارسين، وصوت النعي بخطوات النساء المتجهات إلى المجالس الحسينية.
تقول أم أحمد: «منذ طفولتي وأنا أرى البيوت تكتسي بالسواد، وكان ذلك يعني أن أيامًا مختلفة قد بدأت، وهي أيام عاشوراء، وتراث الدمع لذاكرة محرم الحية».
مراسيم متوارثة
تشكل المجالس النسوية الحسينية أحد المظاهر الاجتماعية والثقافية المتجذرة في المجتمع العراقي، إذ تتولى النساء إقامة مجالس العزاء داخل البيوت وإحياء سيرة الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، وسط مراسيم متوارثة حافظن على حضورها عبر الأجيال.
وكانت (بشرى حياة) لها جولة استطلاعية، لتنقل لنا جانبًا من المجالس الحسينية النسوية التي تقام في أزقة مدينة كربلاء المقدسة.
مكانة اجتماعية
تتمثل المجالس الحسينية النسوية بمراسيم معينة وخاصة، وتقريبًا موحدة، فجميع البيوتات الكربلائية تقيم المراسيم نفسها، بتجهيز منبر خاص لجلوس القارئة الحسينية، أو ما تسمى (الملاية)، حيث تتوسط المجلس سيدة ذات قدر عالٍ من الاتزان والتهذيب، وغالبًا ما تقرأ قصائد من المراثي لأهل البيت (عليهم السلام)، وأحيانًا تلقي محاضرات دينية تربطها بالأمور الحياتية؛ لتوجيه السيدات الحاضرات وتثقيفهن دينيًا وعقائديًا. كما تتميز بلباسها التقليدي وهيبتها الخاصة، وكانت بعض الملايات تحظى بمكانة اجتماعية كبيرة نتيجة سنوات طويلة من الخدمة الحسينية. أما المقابل الذي تتقاضاه الملاية فيعرف شعبيًا بـ(النوط)، وهو مبلغ غير محدد يعتمد على قدرة الأسرة، إذ تؤكد معظم قارئات المجالس أن الدافع الأساسي لخدمتهن هو الأجر والثواب.
تجنب الزينة
حدثتنا الحاجة أم سجاد، في عقدها السادس، وهي إحدى المشاركات الدائمات في المجالس الحسينية، قائلة: «اعتدنا أن نرتدي السواد طوال أيام محرم، ونتجنب الزينة والحلي، فالحزن يكون جزءًا من حياتنا خلال هذه الأيام».
عادة سنوية
أما السيدة أم رفل، ربة بيت، تبلغ من العمر 45 سنة، فقالت: «قد تتغير البيوت وتتبدل الوجوه، لكن السواد الذي نعلقه في محرم ما زال يحمل المعنى نفسه، فهو إعلان للحزن ووفاء لقضية لا تزال حاضرة في القلوب. أنا، عن نفسي، ما زلت على عادتي السنوية في تحضير مجلس العزاء والذهاب إلى بيوت الجيران للمشاركة في المجالس الحسينية، كما اعتدت تحضير وجبة خاصة لتقديمها بعد المجلس، وهي (خبز العباس)، فضلًا عن طهي الرز وحساء الحمص (تمن وقيمة) في يوم أربعينية الإمام، وتوزيعها على الزائرين الوافدين إلى المدينة».
موروث شعبي
تشير الباحثة الاجتماعية بتول ناصر إلى أن المجالس النسوية لا تقتصر على الجانب الديني فحسب، بل تؤدي دورًا اجتماعيًا وثقافيًا مهمًا، إذ تسهم في نقل الموروث الشعبي والعادات والتقاليد المرتبطة بعاشوراء إلى الأجيال الجديدة.
كما ترتبط بهذه المجالس مراسيم خاصة، منها توزيع الشاي والحليب والكعك، وتقديم بعض الأطعمة الشعبية في مناسبات محددة من أيام عاشوراء، فضلًا عن إطفاء بعض الأنوار في ليلة العاشر تعبيرًا عن الحزن ومواساة السيدة زينب (عليها السلام). ورغم التغيرات الاجتماعية وتسارع إيقاع الحياة، ما زالت المجالس النسوية تحتفظ بمكانتها في البيوت العراقية، إذ ترى كثير من النساء أنها تمثل جزءًا من الهوية الدينية والاجتماعية، ووسيلة للحفاظ على ذاكرة عاشوراء حية في نفوس الأجيال.
وختمت حديثها: «تبقى المجالس النسوية الحسينية أكثر من مجرد تجمعات عزائية، فهي ذاكرة اجتماعية متوارثة تحفظ تفاصيل شهر محرم الحرام، وتنقل الحزن الحسيني من جيل إلى آخر، لتظل عاشوراء حاضرة في البيوت كما هي حاضرة في القلوب».








اضافةتعليق
التعليقات