في منبت أقدم حضارات الأرض، ومهد القانون الأول، يبدو أننا طورنا مفهوم "التنمية" إلى مستوى لم تبلغه البشرية بعد، حيث تُشيد الجسور شاهقة في خيالات الخطابات الرنانة، وتُحفر قنوات الري في بحور الوعود الخداعة، بينما يغرق الواقع في شبر ماء تحت أول زخة مطر تكشف عورة البنى التحتية والمواثيق.
فلقد تغلغل الفساد في تفاصيل يومنا حتى غدا كالهواء، موجودًا في كل مكان، لا يُرى بالعين المجردة، لكنك حتمًا تختنق به. إننا نعيش في بقعة من العالم نجح فيها جلاوزة المكاتب الفارهة في تحويل "الضمير" إلى قطعة أثرية نادرة تُعرض في المتاحف بجانب مسلات أجدادنا السومريين والبابليين.
استبدلوا الضمير الحي بميزان عجيب يزنون به حجم صفقاتهم وغنائمهم، بينما يقف المواطن البسيط على رصيف الانتظار، يزن براتبه الشهري الشحيح كم غرامًا من الكرامة والخبز يمكن أن يشتري لعائلته هذا اليوم، إذ فقد ميثاق الوجود وعمودها الفقري، وهي الأمانة.
وحين تغيب هذه الأمانة، لا يسقط الفرد الخائن وحده، بل تتداعى ملامح الأوطان بأكملها، وتتحول الأرض الغنية بنهرين وتاريخ ممتد إلى مسرح كبير لانتظار طويل ومرير، حيث تلتهم الفوضى الطمأنينة، ويدفع الأبرياء ثمن وعود صُنعت من رمل. وهنا، حين تتيه الخطى وتغرق المدن في وحل الوعود، لا نجد أبلغ من أمير المؤمنين (عليه السلام) في تشخيص هذا الداء العضال.
الأمانة في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)
ليس هنالك أبلغ في تشخيص هذا الداء وتحديد بوصلة النجاة والعبور، مما خطه إمام البلاغة والعدالة الكونية، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في عهده التاريخي لمالك الأشتر، لما ولاه مصر. هذا العهد لم يكن مجرد توصيات سياسية عابرة، بل هو دستور أبدي أرسى قواعد "الحوكمة الرشيدة" والأمانة المطلقة في إدارة البلاد والعباد، حيث يقول (عليه السلام):
"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."
إن مغزى هذا الكلام العلوي يختزل الفارق الجوهري بين وطن يُبنى بسواعد المخلصين، وآخر يُستنزف بأيدي الانتهازيين، فالحضارات لا تسقط بنفاد ثرواتها المادية، بل بنفاد الأمانة من ضمائر رجالاتها. وتتفصل الأمانة لأنواع، منها:
الأمانة في المسؤولية: هي ألا يُقدم الولاء الضيق على الكفاءة الحقيقية، وألا تُباع مقدرات البلاد في سوق المصالح الفئوية الحزبية.
الأمانة في العمل: هي أن يتحول المسؤول من سلطوي جابٍ إلى حارس أمين على طموح الشباب، يمهد لهم طرق البناء والابتكار، بدلاً من دفعهم نحو قوارب الموت، وقهر الهجرة والاغتراب. فإن العبور ببلد أرهقته المحن إلى بر الأمان لا يحتاج إلى معجزات سماوية جديدة، بل يحتاج إلى رجوع صادق وعملي لجوهر الأمانة.
ولو تعمقنا أكثر في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، لوجدناه يفكك معضلتين هيكليتين في بناء الدولة: بطانة الحكم، ومعايير اختيار القضاة والمسؤولين، من خلال:
1. تفكيك جذور الدولة العميقة والفاسدة:
"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً."
في هذا الجزء، يضع الإمام علي (عليه السلام) قاعدة استراتيجية في التطهير الإداري والسياسي، أي مكافحة تدوير النفايات السياسية. ويُحذر الإمام الحاكم الجديد (مالك) من الاعتماد على الطبقة البيروقراطية أو المستشارين الذين خدموا الأنظمة الفاسدة أو الظالمة السابقة، فالشخص الذي اعتاد على تمرير الصفقات المشبوهة، وشرعنة الظلم، والتزلف لأصحاب النفوذ، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى رجل دولة نزيه. ويرى الإمام أن "البطانة" إذا كانت ملوثة بآثام سابقة، فإنها ستعمل على إعادة إنتاج الفساد نفسه لحماية مصالحها القديمة، ولذلك وصفهم بدقة متناهية: "فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ"، والشراكة هنا ليست مجرد عمل وظيفي، بل هي أخوة في المنهج والسلوك.
2. حدد معيار الكفاءة والنزاهة المطلقة في القضاء والحكم:
"وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."
حيث ينتقل الإمام من التحذير إلى البناء، ويضع المعيار الأسمى لاختيار رجالات الدولة. فالإمام لا يقول لمالك: اختر شخصًا جيدًا وكفى، بل يقول له: ابحث عن القمة الأخلاقية والمعرفية في مجتمعك، الشخص الذي ترى فيه أعلى مستويات النزاهة والعدالة.
حيث يؤكد الإمام علي (عليه السلام) أن "أزمة الحكم هي أزمة رجال"، فلو جئت بأفضل القوانين في العالم، ووضعتها بين يدي بطانة فاسدة وقضاة ضعفاء، لتحولت تلك القوانين إلى أدوات لظلم الضعيف وحماية القوي، كما يحدث اليوم عندما يغرق الواقع في شبر ماء، والفاسد يدعي أنه يزيل الفساد، وما هو إلا التخلص من قطع الشطرنج في الصف الأول لرسم صورة نزيهة لنفسه، وتحول من كانوا في الانتظار في الصف الثاني إلى الأول، وليستمتع الشعب بلغة جديدة من الفساد مبتكرة، فالسابق أصبح لا متعة فيه.








اضافةتعليق
التعليقات