• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين تدك بوصلة علي حصون الوهم

هدى المفرجي / الخميس 16 تموز 2026 / حقوق / 421
شارك الموضوع :

ينتقل الإمام من التحذير إلى البناء، ويضع المعيار الأسمى لاختيار رجالات الدولة

 في منبت أقدم حضارات الأرض، ومهد القانون الأول، يبدو أننا طورنا مفهوم "التنمية" إلى مستوى لم تبلغه البشرية بعد، حيث تُشيد الجسور شاهقة في خيالات الخطابات الرنانة، وتُحفر قنوات الري في بحور الوعود الخداعة، بينما يغرق الواقع في شبر ماء تحت أول زخة مطر تكشف عورة البنى التحتية والمواثيق.

فلقد تغلغل الفساد في تفاصيل يومنا حتى غدا كالهواء، موجودًا في كل مكان، لا يُرى بالعين المجردة، لكنك حتمًا تختنق به. إننا نعيش في بقعة من العالم نجح فيها جلاوزة المكاتب الفارهة في تحويل "الضمير" إلى قطعة أثرية نادرة تُعرض في المتاحف بجانب مسلات أجدادنا السومريين والبابليين.

استبدلوا الضمير الحي بميزان عجيب يزنون به حجم صفقاتهم وغنائمهم، بينما يقف المواطن البسيط على رصيف الانتظار، يزن براتبه الشهري الشحيح كم غرامًا من الكرامة والخبز يمكن أن يشتري لعائلته هذا اليوم، إذ فقد ميثاق الوجود وعمودها الفقري، وهي الأمانة.

وحين تغيب هذه الأمانة، لا يسقط الفرد الخائن وحده، بل تتداعى ملامح الأوطان بأكملها، وتتحول الأرض الغنية بنهرين وتاريخ ممتد إلى مسرح كبير لانتظار طويل ومرير، حيث تلتهم الفوضى الطمأنينة، ويدفع الأبرياء ثمن وعود صُنعت من رمل. وهنا، حين تتيه الخطى وتغرق المدن في وحل الوعود، لا نجد أبلغ من أمير المؤمنين (عليه السلام) في تشخيص هذا الداء العضال.

الأمانة في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)

ليس هنالك أبلغ في تشخيص هذا الداء وتحديد بوصلة النجاة والعبور، مما خطه إمام البلاغة والعدالة الكونية، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في عهده التاريخي لمالك الأشتر، لما ولاه مصر. هذا العهد لم يكن مجرد توصيات سياسية عابرة، بل هو دستور أبدي أرسى قواعد "الحوكمة الرشيدة" والأمانة المطلقة في إدارة البلاد والعباد، حيث يقول (عليه السلام):

"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."

إن مغزى هذا الكلام العلوي يختزل الفارق الجوهري بين وطن يُبنى بسواعد المخلصين، وآخر يُستنزف بأيدي الانتهازيين، فالحضارات لا تسقط بنفاد ثرواتها المادية، بل بنفاد الأمانة من ضمائر رجالاتها. وتتفصل الأمانة لأنواع، منها:

الأمانة في المسؤولية: هي ألا يُقدم الولاء الضيق على الكفاءة الحقيقية، وألا تُباع مقدرات البلاد في سوق المصالح الفئوية الحزبية.

الأمانة في العمل: هي أن يتحول المسؤول من سلطوي جابٍ إلى حارس أمين على طموح الشباب، يمهد لهم طرق البناء والابتكار، بدلاً من دفعهم نحو قوارب الموت، وقهر الهجرة والاغتراب. فإن العبور ببلد أرهقته المحن إلى بر الأمان لا يحتاج إلى معجزات سماوية جديدة، بل يحتاج إلى رجوع صادق وعملي لجوهر الأمانة.

ولو تعمقنا أكثر في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، لوجدناه يفكك معضلتين هيكليتين في بناء الدولة: بطانة الحكم، ومعايير اختيار القضاة والمسؤولين، من خلال:

1. تفكيك جذور الدولة العميقة والفاسدة:

"شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، وَمَنْ شَرِكَهم فِي الْآثَامِ، فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً."

في هذا الجزء، يضع الإمام علي (عليه السلام) قاعدة استراتيجية في التطهير الإداري والسياسي، أي مكافحة تدوير النفايات السياسية. ويُحذر الإمام الحاكم الجديد (مالك) من الاعتماد على الطبقة البيروقراطية أو المستشارين الذين خدموا الأنظمة الفاسدة أو الظالمة السابقة، فالشخص الذي اعتاد على تمرير الصفقات المشبوهة، وشرعنة الظلم، والتزلف لأصحاب النفوذ، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى رجل دولة نزيه. ويرى الإمام أن "البطانة" إذا كانت ملوثة بآثام سابقة، فإنها ستعمل على إعادة إنتاج الفساد نفسه لحماية مصالحها القديمة، ولذلك وصفهم بدقة متناهية: "فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ"، والشراكة هنا ليست مجرد عمل وظيفي، بل هي أخوة في المنهج والسلوك.

 2. حدد معيار الكفاءة والنزاهة المطلقة في القضاء والحكم:

"وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَأَوْزَارِهِمْ، وَآثَامِهِمْ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ."

حيث ينتقل الإمام من التحذير إلى البناء، ويضع المعيار الأسمى لاختيار رجالات الدولة. فالإمام لا يقول لمالك: اختر شخصًا جيدًا وكفى، بل يقول له: ابحث عن القمة الأخلاقية والمعرفية في مجتمعك، الشخص الذي ترى فيه أعلى مستويات النزاهة والعدالة.

حيث يؤكد الإمام علي (عليه السلام) أن "أزمة الحكم هي أزمة رجال"، فلو جئت بأفضل القوانين في العالم، ووضعتها بين يدي بطانة فاسدة وقضاة ضعفاء، لتحولت تلك القوانين إلى أدوات لظلم الضعيف وحماية القوي، كما يحدث اليوم عندما يغرق الواقع في شبر ماء، والفاسد يدعي أنه يزيل الفساد، وما هو إلا التخلص من قطع الشطرنج في الصف الأول لرسم صورة نزيهة لنفسه، وتحول من كانوا في الانتظار في الصف الثاني إلى الأول، وليستمتع الشعب بلغة جديدة من الفساد مبتكرة، فالسابق أصبح لا متعة فيه.

الامام علي
القانون
القيم
السياسة
الانسانية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    منذ 20 ساعة/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/
    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الفجر الهاشمي: من سر العرش إلى طينة الأرض

    الأحد 30 آب 2026/
    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    بين صمت المحراب وضجيج السعي

    الثلاثاء 25 آب 2026/

    آخر الاضافات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    كيف يتحقق السلام الداخلي؟

    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض

    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟

    ظاهرة المؤثرين: تحليل للدور الحقيقي والتأثير على المجتمع

    الكمأة.. ثروة طبيعية تجمع بين القيمة الغذائية والفخامة

    دمى تشبه أصحابها... حين تبقى الطفولة بين يديك

    الإدارة والقيادة الذاتية وأثرهما في حياة الفرد

    آخر القراءات

    كيف تتعاملين مع طفلك العبقري؟

    النشر : السبت 04 شباط 2023
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    للمحرمات وجه آخر.. تعرّف عليها

    النشر : الأحد 10 شباط 2019
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    الخوف بين الغريزة والتجربة الإنسانية

    النشر : الخميس 08 كانون الثاني 2026
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    ماراثون القراءة: يجمع 100 متنافس على القراءة

    النشر : الأحد 11 تشرين الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    كيف نستخرج الجمال من قبح الأفعال؟

    النشر : الخميس 03 آذار 2022
    اخر قراءة : منذ 58 دقيقة

    المفاهيم الأساسية للتفويض

    النشر : الثلاثاء 29 نيسان 2025
    اخر قراءة : منذ 59 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في رحاب اسم الله الهادي

    • 330 مشاهدات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    • 326 مشاهدات

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    • 317 مشاهدات

    حين تتحول رياضة الأطفال من وسيلة للمتعة إلى مصدر للضغط والقلق

    • 314 مشاهدات

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    • 303 مشاهدات

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    • 301 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1136 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1104 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1044 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 987 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 750 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 656 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات
    • منذ 20 ساعة
    كيف يتحقق السلام الداخلي؟
    • منذ 20 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يرصد مؤشرات دقيقة داخل أورام الثدي للتنبؤ بتطور المرض
    • منذ 20 ساعة
    هندسة الاختيار.. كيف تُوجَّه سلوكياتنا وقراراتنا اليومية دون أن نشعر؟
    • الأربعاء 16 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة