في زاوية دافئة من مقهى يعج بالحياة، جلست نور ترتشف قهوتها وعيناها ترقبان شاشة هاتفها الذكي، التقطت صورة لافتة لـ "فنجان القهوة" وبجانبه كتاب مفتوح، وقد تداخلت خيوط الشمس الذهبية مع حواف السيراميك الأبيض في لوحة تنطق بالسلام، كانت يدها معلقة فوق زر "نشر"، تتأرجح في تردد غريب، وتذكرت فجأة وعكة صحية ألمت بها الأسبوع الماضي بعد أن شاركت صورة لباقة ورد وصلتها من زوجها، انقبض قلبها، وهمس في أذنها صوتٌ خفي متوجس يرتدي ثوب الحذر: "احذري، العيون تترصدكِ".
وبحركة سريعة، مدفوعة بذعر غير مرئي، حذفت الصورة، وأغلقت الهاتف، ونظرت حولها بريبة كمن يخبئ كنزاً من اللصوص، في الحقيقة لم تكن نور تخاف اللصوص، بل كانت تخاف ما هو أعتى وأكثر خفاءً كانت تخاف "الحسد".
هذا المشهد اليومي ليس مجرد تصرف عابر، بل هو نافذة تطل على سيكولوجيا جماعية جديدة بدأت تتشكل في وعينا المعاصر "فوبيا العين"، أو هوس الحسد الذي تحول من عقيدة غيبية تهدف إلى الاستعاذة والتحصين، إلى جدار عازل يمنع الإنسان من عيش حياته فيلجأ إلى الهروب نحو الظل، فلقد تسرب الخوف من الحسد إلى تفاصيله الصغيرة حتى أفسد بهجتها.
ولم يعد الأمر مقتصرا على إخفاء النعم الكبرى تجملاً أو مراعاة لمشاعر الآخرين وهو مسلك نبيل بل تحول إلى حالة من "البارانويا" الاجتماعية، حيث نرى اليوم من يخفي نجاح أطفاله ليس تواضعاً، بل خوفاً من مرض يترصدهم وهناك من يعيش في بحبوحة من العيش لكنه يتعمد ارتداء سمل الثياب أو الشكوى المستمرة من قلة الرزق، في محاولة بائسة لـ "تمويه" العيون المنتظرة، وتحولت البيوت إلى قلاع مغلقة وصارت العلاقات الإنسانية حذرة، وتكاد الابتسامة تُخنق في مهدها خشية أن تُفسر على أنها إعلان سعادة يستوجب العقاب الغيبي.
لكن في الحقيقة إننا لا نحمي حياتنا بهذا الخوف، بل نحن ببساطة نتوقف عن عيشها، نتحول إلى شبان وشابات يعيشون في الظل، يراقبون الضوء من بعيد خوفاً من حرق أصابعهم.
الحسد شماعة العجز وإسقاط المسؤولية
إذا أردنا تفكيك هذا الهوس بأسلوب غير مألوف، فلننظر إلى "الحسد" ليس كقوة خارقة تسير الكون، بل كآلية دفاع نفسية يهرب إليها الإنسان المعاصر، فحين يفشل الطالب في امتحانه لأنه لم يدرس، أو ينتهي زواج بالانفصال بسبب سوء الاختيار وغياب التفاهم، يكون من المؤلم جداً مواجهة الذات والاعتراف بالخطأ، وهنا يأتي "الحسد" كمنقذ نرجسي مريح إنه يحول الضحية في عين نفسه من مخطئ أو مقصر إلى مستهدف وناجح ومحسود.
إنه الإسقاط المثالي لغسل اليد من المسؤولية الشخصية، كذلك عالم رقمي شاسع يشعر فيه الفرد بالضآلة، يمنح هوس الحسد صاحبه شعوراً زائفاً بالأهمية، فعندما تعتقد أن الجميع يراقبك، ويتمنى زوال ما في يدك، فأنك تضع نفسك شعورياً أو لا شعورياً في مركز الكون، تصبح أنت المحور الذي انشغل الناس بسببه، وهذا يغذي إيغو متضخماً يقتات على الخوف، وعندما تدير حياتك وفقًا لبوصلة الخوف من الآخرين، فإنك تسلمهم مفاتيح سلامك الداخلي، هذا الهوس يحفر خندقاً عميقاً في الخزان العاطفي للإنسان فبدلاً من أن يمتلئ هذا الخزان بالامتنان، والبهجة، والسكينة، تراه ينضح بالقلق، والريبة، وسوء الظن بالخلق، متناسياً ان الحياة بنيت على الحركة، والتفاعل، والعطاء.
والتحصين الحقيقي في الموروث الروحي لم يأتِ قط ليكون قيداً يشل حركة الإنسان، بل جاء ليكون درعاً يمنحه الطمأنينة لينطلق في الأرض، ويبني، ويفرح، ويشارك دفقات الحياة مع من حوله، أما تحويل الدرع إلى زنزانة، فهو تشويه لجوهر الطمأنينة، فالخوف المبالغ فيه من الحسد هو في حقيقته استسلام لـ "ثقافة الندرة"، حيث يظن الإنسان أن الخير محدود وأن عيون الناس قادرة على محو مشيئة الله والبديل ليس الاستعراض الأجوف ولا التباهي المستفز، بل هو "العيش الواعي السوي".
أن نعيش النعمة بامتنان، ونواجه الابتلاء بصبر، ونتعامل مع الآخرين بحسن ظن بكر وبقلب سليم، دعونا لا نسرق من أنفسنا لذة اللحظة الحاضرة مخافة غدٍ قد لا يأتي، فالحياة أقصر من أن نقضيها في التخفي، والبهجة التي نكتمها خوفاً من العين، قد تموت في قلوبنا من العتمة.








اضافةتعليق
التعليقات