• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الذات العلوية في غدير خم

هدى المفرجي / الأثنين 01 حزيران 2026 / ثقافة / 740
شارك الموضوع :

إذا أردنا صياغة الغدير بلغة العصر، فهو تجسيد لـ "ميثاق الإنسانية الأسمى"، حيث تلتقي القيادة بالزهد، وتجتمع القوة بالرحمة

تخيل معي وادياً مقفراً، تتناوح فيه الرياح بين شجيرات "الخُم" العجوزة، الآلاف من الأقدام المتعبة تسير في إيقاع رتيب، غبار الرحل يلون الثياب بالبياض الشاحب، والقلوب معلقة بآخر كلمات النبي الذي أوشك أن يودع الأرض، فجأة يرتد الصدى في المدى: "ارتدوا.. ليلحق مَن أدبر، وينتظر مَن تأخّر".

​في تلك اللحظة يتجمد الوقت، حُطت الرحال فوق الرمضاء، ونُسجت من أقتاب الإبل منصة لم تكن لخطيب عادي، بل كانت معراجاً لإعلان يربط السماء بالأرض إلى أبد الآبدين، ذاك الذي ربط قلوبنا بالذات العلوية فورثناها فخرا لانخشى أن نُقتل لأجله، فهناك وسط هجير الصحراء، صعد النبي وبصحبته رجلٌ كان يختزل في عينيه طمأنينة اليقين، رفع كفه فترقرت الشمس على الساعدين، وانطلقت الكلمة اللغز، الكلمة الفصل: "مَن كنتُ مولاه، فهذا عليٌّ مولاه"، ليصبح ​الغدير أكثر من مجرد ماء، أكثر من مجرد بيعة، هو ذلك الحدث الذي ​غالباً ما يُقرأ كحدث سياسي أو نقطة تحول فقهية في كُتب التاريخ ، لكن القراءة الأعمق تراه ثورة جمالية في مفهوم الولاء ​الجميل في الغدير فأنه لم يكن مجرد تعيينٍ لخليفة، بل كان عملية "حقنٍ للروح" في جسد الأمة الذي أوشك أن ييتم غياباً لرسولها، لم يكن الأمر مجرد نقلٍ للسلطة، بل كان تسليماً لراية "المعنى" في ذلك اليوم، ليتحول الغدير من واحة ماءٍ عابرة في جغرافيا الصحراء، إلى "نهر ممتد" في جغرافيا الروح الإنسانية.

​فلسفة الاختيار: لماذا علي؟

إن اختيار عليٍ (عليه السلام) في ذلك المحفل التاريخي المشهود لم يكن مجرد عبورٍ عابر في سجلات الخلافة، بل كان تجلياً لناموس كوني انحازت فيه السماء والأرض لقيم تجسدت رجلاً، فعلي لم يكن وريثاً لنسب وحسب، بل كان وارثاً للمجد الإنساني في أبهى صور كماله:

1- ​عدالةٌ صارمة: ميزانٌ لا يميل ولو كلف الروح، فلم تكن العدالة عند علي مجرد شعار سياسي أو حكم قضائي، بل كانت عقيدةً يتنفسها، ونبضاً يتحرك به، ففي قاموسه يسقط الحسب والنسب، وتتلاشى فوارق الطبقات أمام جلال الحق، كانت عدالته شفرة حادة تقطع حبال المحسوبية وتجتث عروق المحاباة، لم يكن يرى في السلطة مغنماً، بل عبئاً وأمانة تزلزل الرواسي، وفي حضرة عدله، يقف الأخ كالغريب إن طلب وِتراً ليس له، ولعل جمرة "عقيل" شاهدةٌ عبر العصور حين طلب أخوه يسيراً من بيت المال يفوق حقه، فأدنى منه علياً جمرةً ملتهبة ليعلمه أن نار الآخرة أشد وأبقى، ​إنها العدالة التي لا تساوم، ولا تبيع المبادئ بذهب الأرض، عدالةٌ تجعل من الفقير المُهمش قسيماً للملك في الحقوق، ومن الخليفة خصماً شريفاً أمام القضاء دون أدنى تمييز.

​2. فكرٌ سيال: عبقريةٌ تمخر عباب الزمن فعلي لم يعش في جلباب عصره فحسب، بل كان مستقبلاً يمشي على قدمين، عقله نهراً دافقاً من الحكمة، يغرف من نبع النبوة الصافي ويسكبه وعياً يسبق القرون، حتى أصبح ​ترجمان القرآن فلم يكن يرتل الآيات تلاوة ساكنة، بل كان يحول عمق النص القرآني إلى منهج حياة، ونبض يتحرك في الأسواق، ومواساة تمسح جراح المحتاجين، وإذا تكلم في التوحيد، تهاوت الفلسفات الباردة أمام فيض بيانه، وإذا خطب في السياسة والاجتماع، وضع دستوراً إنسانياً تنهل منه الأمم، كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، يأخذ بمجامع القلوب ويهز العقول بنظرات استشرافية جعلت من كلماته منارات تضيء دروب الفكر الإنساني حتى يومنا هذا.

​3. شجاعةٌ مستكينة: بركان في الميدان، وبلسم في الأزقة ​هنا يكمن السر الأعظم لعلي في ذلك التناقض الإعجازي الذي لا يجتمع إلا في الأنبياء والأوصياء إنه الجمع بين منتهى القوة والمنعة، ومنتهى الرقة والعطف، في الميدان كان علي الموت الزؤام لأعداء الحق، شجاعته لم تكن تهوراً، بل ثباتاً راسخاً تنكسر أمامه جحافل الأبطال، فكان قلعة حصينة يلوذ بها الخائفون، وهذا البطل الذي تفر فرسان العرب من هيبته، هو نفسه الذي تجده ليلًا يتسلل في عتمة أزقة الكوفة، ينحني ليركع أمام طفل يتيم، يمسح دموعه بكمه، ​تراه في الحرب كالجبل الأشم لا تحركه العواصف، وتراه في محراب العبادة كالغصن الرطيب يبكي خوفاً شوقاً لله، وتراه مع الضعفاء أباً رحيماً يذوب حناناً، إنها "الشجاعة المستكينة" التي لا تبغي علواً في الأرض، بل تضع قوتها في خدمة الضعيف حتى يسترد حقه .

​لقد كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) نسيجاً وحده، صاغته العناية الإلهية ليكون معياراً للإنسانية الحقة لذلك حين انحازت له القلوب فإنها لم تنحز لشخصه فقط، بل انحازت للحق الذي دار معه حيثما دار، هو ذلك علي الذي اختاره الباري قبل أن يقدمه النبي هو الحب متجسدا بانسان ولو تسائلنا اليوم كيف نحيي ذلك الفخر ونعيش الغدير خارج القوالب الجاهزة، سيكون الجواب موضحا أن الاحتفال بالغدير ليس مجرد استعادة لحدث وقع قبل قرون، أو تعليق للزينة والأنوار بل هو سؤال يومي يُطرح على الضمير ويجيبه الوجدان: ​"أن تلوذ بالعدالة في زمن الظلم، أن تختار الحق وإن كنتَ وحدك في الطريق، وأن تكون 'موالياً' يعني أن تمثل سلوك الغدير في صدقك، وفي نصرتك للمظلوم، وفي عفتك وترفعك عن الدنايا".

​إذا أردنا صياغة الغدير بلغة العصر، فهو تجسيد لـ "ميثاق الإنسانية الأسمى"، حيث تلتقي القيادة بالزهد، وتجتمع القوة بالرحمة، فحين انفضت الجموع في ذلك اليوم البعيد، غادرت القوافل وبقيت الصحراء وحيدة لكن "خم" لم تعد قاحلة لقد غُرست فيها شجرةُ ولاية لا تزال تورق في قلب كل من يرفض الظلم ويسعى خلف النور، فعيد الغدير ليس تاريخاً يُقرأ، بل هو بوصلةٌ تُضبط عليها القلوب كلما تاهت في دروب الحياة العاصفة، إنه النداء المستمر بأن الحق وإن بدا وحيداً وسط الرمال، سينتصر في النهاية ويعلو كما علت كف علي في جوف الصحراء.

الشيعة
الامام علي
الوعي
عيد الغدير
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الأحد 01 تشرين الثاني 2026/
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    السبت 10 تشرين الاول 2026/
    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)

    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا

    كيف نتعامل مع الكمالية؟

    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام

    لماذا تهرب الزوجات من "الاختصار الذكوري" إلى أحضان الذكاء الاصطناعي؟

    الصاحب ساحب... حين تصنع الصداقة مصير الإنسان

    التعلّم النشط: أساليب تصنع المشاركة والإبداع

    هل تكشف ملامح الوجه عن نقص الحديد في الجسم؟

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    الشخص العدواني: كيف يمكن أن نتعامل مع سلبية هذه الشخصية؟

    النشر : الثلاثاء 30 تشرين الثاني 2021
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    إملأ الفراغات التالية...

    النشر : الثلاثاء 02 نيسان 2019
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    ما هي كمية الخبز المسموح بتناولها يوميا؟

    النشر : الثلاثاء 12 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    نصائح لإدارة الوقت بشكل منظم وفعال

    النشر : السبت 21 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    أهم النشاطات التي تزيد من قدرات طفلك العقلية

    النشر : الأحد 02 كانون الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    من يملك وقتك؟

    • 532 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 492 مشاهدات

    تورّم القدمين وانتفاخ الجسم.. متى يصبح احتباس السوائل مؤشراً للخطر؟

    • 333 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. الشاهد الأول والضحية الأولى لأحداث السقيفة

    • 330 مشاهدات

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    • 329 مشاهدات

    السيدة الزهراء.. رائدة الثورة وشهيدة الولاية

    • 324 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1573 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1173 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1027 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 801 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 719 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 554 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (٢)
    • منذ 6 ساعة
    بين المصعد والسلالم… اختيار يومي يصنع فرقًا
    • منذ 6 ساعة
    كيف نتعامل مع الكمالية؟
    • منذ 6 ساعة
    بعد النجاة من سرطان الثدي.. نساء يحوّلن الألم إلى قصص نجاح وإلهام
    • منذ 6 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة