عندما نتأمل في سورة مريم نجد عنوان (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) مذكور بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، إلا أن الجزاء فيها دنيوي -لا كما وجدنا في السورة السابقة- وعندما نبحث في نفس السورة عن مصداق لهذا الإيمان والعمل الصالح، نجده أيضاً مرتبطاً بالحياة الدنيا - وذلك تطبيقََا لتلك القاعدة التي أشرنا لها سابقََا "إن الجزاء دائما يكون من سنخ العمل"، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٤ - ٦٥].
إذ يتمثل الإيمان هنا في الاعتقاد الجازم بأنه سبحانه رب السماوات والأرض وما بينهما ولا سميّ له ﴿رَبُّكَ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا... هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي إننا نؤمن أن ربنا لا ينسانا من تدبيره؛ لأننا جزء من مخلوقات هذا العالم الذي بأمره أُوجِد وبتدبيره يستمر؛ فإن كان الإنسان بلا أناس — مثلاً وفقاً لهذه الآية — يلمس فيهم المحبة الخالصة، فسيجعل له سبحانه وُدّاً منه وأُنْساً، وسيدبّر له مَن وما يأنس به.
أما العمل الصالح، فهو يتجلى في عبارتين: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: الامتثال للمعبود فيما يدبره لك؛ فقد تجد نفسك وحيداً في زمن من الأزمان، مَنْسيّاً، بلا أخلاء وإخوة أصفياء؛ لأن هذا جزء من تدبيره لك؛ لذا، فإن من العبودية الحقيقية أن تصبر على هذه الحقيقة والمشيئة الإلهية، فإن كنت كذلك، ستجد أنه يكرمك بأن يملأ وحدتك بطاعته، ويشغل قلبك بمحبته؛ بالنتيجة من آمن أن الله تعالى لا ينسى أحداً، سيكون جزاؤه بأن يُجعَل له وُدٌّ من الواحد الأحد.
مصاديق ستة ذكرت في السورة تبين لنا هذا العنوان وجزاءه
عند تتبع كلمة (وأذكر) نجد إنها تتحدث عن مصاديق ستة عند التأمل بها نجدها مصداق لهذا الجزاء، إذ أن الودّ الذي وُعد به المؤمنون في سورة مريم ليس محبة مجردة، بل هي هبة إلهية تتجلى تارة بمحبة الخالق عَبر الذكر الجميل والرفعة، وتارة بمحبة من المخلوقين يهبهم تعالى لهؤلاء.
المصداق الأول: النبي زكريا (عليه السلام)
قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا* إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا* قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٢-٦].
فالإيمان والعمل الصالح قد تجلّى في الإخلاص والالتجاء التام عبر (الدعاء الخفي)، والتواضع المطلق لله تعالى رغم انقطاع الأسباب المادية كـ (وهن العظم، اشتعال الرأس، عقر الزوجة)، والمتبوعة بحسن الظن المطلق ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤].
فكان الجزاء بقوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾، فهو لم يُعطَ أنيسًا عاديًا بل بصفات ومميزات تفرد بها بقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾، ثم قوله تعالى في وصف يحيى لاحقًا: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾، حيث المحبة الاستثنائية، فالحنان هو أرق صور الود.
المصداق الثاني: السيدة مريم (عليها السلام)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٦-١٧]، إذ تجلى الإيمان والعمل الصالح في الاعتزال والعبادة والانقطاع لله تعالى، ثم التسليم المطلق والتزام الصوم والصمت امتثالًا لأمر الله.
وأما تحقق الجزاء الموعود، فهو بالإيناس واللطف الإلهي في أشد لحظات الخوف والوحدة بما خوطبت به، بقوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، وبقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١].
ففي اللحظة التي فوجئت فيها مريم بالبشر السويّ، وأصابها الخوف البشري من جلال الموقف وتبعاته الاجتماعية، جاءها الخطاب الإلهي ليُزيل عنها وحشة الخوف؛ إذ إن تذكيرها بقدرة الله وسهولة الأمر عليه بقوله﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ هو من قبيل الإيناس واللطف والتربيت على قلبها لتهدأ وتطمئن، وبإعطائها آية من آياته وهو النبي عيسى (عليه السلام) الذي كان المؤنس لها بعد هذه العزلة والمدافع عنها بعد كل ما صدر من اتهامات باطلة بحقها، فهو رحمة إلهية لها وللمجتمع الذي أُرسل إليه، ثم خُتمت الآية: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾، وهذا القول لا يأنس به إلا من استقر الإيمان بالرحمن في قلبه.
المصداق الثالث: النبي إبراهيم (عليه السلام)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * ... قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا* وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١-٤٨].
أما الإيمان ففي وصفه ﴿صِدِّيقًا﴾، والعمل الصالح قد تجلّى في السلام مع المقربين بقوله:﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، وفي الاعتزال من أجل عقيدته، بقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وأما تحقق الجزاء، فقد كان من خلال التعويض والإيناس بالذرية المباركة، إذ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا*وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩-٥٠]، فهو معنى صريح للودّ الذي تجسّد في ختام الآية من رحمة ورفعة.
المصداق الرابع: النبي موسى (عليه السلام)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١].
أما الإيمان والعمل الصالح فقد تجلّى في الإخلاص المطلق ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ [مريم: 51]؛ فهو ذو إيمان خالص من أي شرك، وعمله كان خالصًا لربه، فكان ذاتًا وعملًا تجليًا للإخلاص.
فكان تحقق الجزاء له بأن وُهب العضد والمؤنس، بقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وهذا من أعظم مظاهر الودّ؛ أن يهب الله لك من يعينك على أمر دينك ودنياك برحمة منه. أما تجلي الود الإلهي له فهو ما ذُكر في سورة طه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، فالإخلاص أثمر حبًّا الهيََا، وإيناساً بأخيه هارون.
المصداق الخامس: النبي إسماعيل (عليه السلام)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا* وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤-٥٥].
أما الإيمان والعمل الصالح فقد تجسّد في صفتين بارزتين ذكرهما النص، فمن أتم مراتب صدق الوعد هي تسليم نفسه للذبح وفاءً لرؤيا أبيه، وهو قمة الإيمان والعمل الصالح الخالص، كذلك الأمر بالصلاة والزكاة، فالحرص على هداية أهله من مصاديق الإيمان النافذ للآخرين دون الاقتصار على نجاة النفس فقط.
أما تحقق الود والمكانة فهو في ثمرتين، في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾؛ والرضا الإلهي هو أصل كلّ ودٍّ ومحبة، والذكر الباقي: جعل الله له ولأبيه لسان صدقٍ وودًّا محفورًا في قلوب المؤمنين إلى يوم القيامة، حيث يُذكر ويُصلّى عليه في كل صلاة، فكان استجابة لدعاء أبيه في قوله تعالى:{ رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ…}[ابراهيم: ٣٧].
المصداق السادس: النبي إدريس (عليه السلام)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦].
أما الإيمان والعمل الصالح فهو بوصفه ﴿صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾، فقد كان مصدقًا بآيات ربه، ومصداقًا لآيات ربه، فكان ذاتًا وعملًا من الصادقين المصدقين.
أما تحقق الجزاء، ففي قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾؛ وهذه الرفعة هي المحصلة المباشرة للودّ الإلهي، سواء كانت رفعة مكانة ومنزلة عند الله تعالى أو ما ناله من رفعة في قلوب عباده.
فوائد ثلاث من المصاديق الستة
الفائدة الأولى: هذا الجزاء يوصلنا إلى مفتاح مهم جدًا ينفع كل مؤمن يريد الحفاظ على إيمانه واستمرار صلاحه، وهو أن كلّ عزلة أو بلاء أو ثبات في سبيل الله من أجل أن يبقى الإيمان راسخًا في القلب، والقدم ثابتة في الميدان تتزود بالعمل الصالح، سيُعوّضها الرحمن بوُدٍّ وقربٍ وإيناسٍ لا ينقطع، طالما أنها عن ذكر ربها لم تنقطع. فنحن في زمن يحتاج فيه الإنسان أن يملك قلبًا مليئًا بالأنس بالله تعالى حتى يستطيع أن يقاوم الأنس بكل ما في هذه الدنيا من فانيات، ومن علائق وعلاقات.
الفائدة الثانية: أن السورة كلها تبدأ بـ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ وتختم بـ ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ لتقول لنا: إن طريق الإيمان والعمل الصالح لا يثمر إلا رحمةً، وودًّا، وأُنسًا، وذكرًا عليًّا؛ فما ذُكرت هذه النماذج الإنسانية المتكاملة الإيمان إلا لنسير على خطاها إن أردنا بلوغ الجزاء الذي أُعطيت إياه، ولنستهين ونستصغر كل ما سواه.
الفائدة الثالثة: الملفت أن كل مصاديق الود الإلهي التي وهبها الله تعالى لهؤلاء الحجج الإلهيين كانوا ذريتهم وليس أحدًا بعيدًا، حتى النبي موسى (عليه السلام) كان المؤنس له أخاه، وهذا درس عظيم في أهمية العلاقات النسبية والروابط الأسرية. فمن يبحث عن أنيس ومعين خارج أهله فهو ممن ضيع حظه فيما وُهب له دون جهد أو بحث، وهو ممن قد كُسر ظهره إن لم يهبه ربه هذا الأنيس القريب.








اضافةتعليق
التعليقات