يُعدّ نقص الحديد من أكثر حالات نقص العناصر الغذائية الدقيقة انتشارًا في العالم، وفقًا للجمعية الأمريكية لأمراض الدم. ورغم شيوعه، قد يعيش بعض الأشخاص أشهرًا أو سنوات دون اكتشاف إصابتهم به، بسبب تشابه أعراضه مع حالات صحية أخرى، مثل التعب المستمر وضعف التركيز والإرهاق الذهني.
وأشارت دراسة نُشرت عام 2024 إلى أن نحو ثلث البالغين في الولايات المتحدة قد يعانون نقص الحديد، فيما أظهرت أبحاث أخرى أن إجراءات الفحص المتبعة قد لا تكشف نسبة كبيرة من الحالات لدى الأطفال والحوامل، وهما من الفئات الأكثر عرضة للإصابة.
هل يوجد ما يُسمّى «وجه الفيريتين»؟
انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مصطلح «وجه الفيريتين»، في إشارة إلى مجموعة من المظاهر التي يربطها بعض المستخدمين بنقص مخزون الحديد، ومنها شحوب الجلد، والهالات السوداء، وجفاف البشرة، وتساقط الشعر.
والفيريتين بروتين مسؤول عن تخزين الحديد داخل الجسم، ويُستخدم قياس مستواه في الدم لتقييم مخزون هذا العنصر الضروري.
لكن الدكتورة جاكلين باورز، رئيسة قسم أمراض الدم في مستشفى تكساس للأطفال، والدكتورة أرييلا مارشال، الأستاذة المشاركة في الطب بجامعة مينيسوتا، تؤكدان أن الاعتماد على صورة شخصية أو ملامح الوجه لتشخيص نقص الحديد ليس أسلوبًا طبيًا موثوقًا.
فقد ترتبط هذه التغيرات بعوامل أخرى، مثل قلة النوم، أو العوامل الوراثية، أو اضطرابات صحية مختلفة، ما يجعل الفحوصات المخبرية ضرورية للوصول إلى تشخيص دقيق.
ما الفرق بين نقص الحديد وفقر الدم؟
يخلط كثيرون بين نقص الحديد وفقر الدم، رغم وجود اختلاف بين الحالتين.
فالحديد عنصر أساسي لإنتاج الهيموغلوبين، وهو البروتين الموجود داخل خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين إلى أنسجة الجسم وأعضائه.
وعندما ينخفض مخزون الحديد، قد تتراجع قدرة الجسم على إنتاج الهيموغلوبين تدريجيًا، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بفقر الدم الناجم عن نقص الحديد.
غير أن نقص الحديد قد يسبق ظهور فقر الدم بمدة طويلة، وقد يعاني المصاب أعراضًا واضحة رغم بقاء مستويات الهيموغلوبين ضمن الحدود الطبيعية.
وتشمل الأعراض المحتملة الإرهاق والدوار وضعف التركيز وضيق التنفس وخفقان القلب وبرودة الأطراف، فضلًا عن هشاشة الأظافر وتساقط الشعر وشحوب البشرة.
وقد تظهر أيضًا أعراض أقل شيوعًا، مثل متلازمة تململ الساقين، أو اشتهاء تناول مواد غير غذائية، كالطين، أو الرغبة المتكررة في مضغ الثلج. ولا تزال الآليات التي تربط نقص الحديد بهذه الرغبات غير مفهومة بصورة كاملة.
تحليل الفيريتين.. مؤشر مهم للكشف المبكر
نظرًا إلى تأثر مستوى الحديد في الدم بعوامل متعددة، بينها نوعية الغذاء وتوقيت تناوله، يُعدّ قياس الفيريتين من الفحوص المهمة لتقييم مخزون الحديد.
وتوصي منظمة الصحة العالمية باعتبار انخفاض مستوى الفيريتين عن 15 نانوغرامًا لكل مليلتر مؤشرًا على نقص الحديد لدى البالغين والأطفال في سن الدراسة، في ظروف لا توجد فيها التهابات تؤثر في نتيجة الفحص.
لكن بعض الباحثين يرون أن الاعتماد على هذا الحد وحده قد يؤدي إلى إغفال حالات تعاني نقصًا في المخزون عند مستويات أعلى منه.
وبحسب ما أوردته شبكة CNN عن إرشادات الجمعية الأمريكية لأمراض الدم لعام 2026، تتفاوت الحدود التشخيصية المقترحة وفقًا للعمر والحالة الصحية وعوامل الخطورة؛ إذ تبلغ 20 نانوغرامًا لكل مليلتر لدى الأطفال، و30 لدى معظم البالغين، وقد تصل إلى 50 لدى من يعانون غزارة الطمث أو عوامل خطر أخرى، وإلى 100 لدى بعض البالغين المصابين بحالات التهابية.
وتبرز أهمية هذه الفروق في أن الالتهابات قد ترفع مستوى الفيريتين في الدم، حتى عندما يكون مخزون الحديد غير كافٍ، ولذلك يحتاج الطبيب أحيانًا إلى فحوص إضافية لتفسير النتائج بصورة صحيحة.
من الأكثر عرضة للإصابة بنقص الحديد؟
تزداد احتمالات نقص الحديد لدى النساء في سن الإنجاب نتيجة فقدان الدم خلال الدورة الشهرية، ولا سيما عند الإصابة بغزارة الطمث.
كما ترتفع الحاجة إلى الحديد لدى الحوامل والأطفال خلال مراحل النمو، ما يجعلهم أكثر عرضة لنقصه عند عدم الحصول على الكميات الكافية.
وتشمل الفئات المعرضة للخطر أيضًا الأشخاص المصابين بأمراض تؤثر في امتصاص العناصر الغذائية، مثل الداء البطني «السيلياك»، وبعض أمراض الأمعاء الالتهابية.
وقد يرتبط نقص الحديد بفقدان الدم من الجهاز الهضمي، وهو سبب يستدعي التقييم الطبي، خصوصًا لدى الرجال والنساء بعد انقطاع الطمث، لأن النزيف قد يكون أحيانًا علامة مبكرة على أمراض خطيرة، منها سرطان القولون.
أما رياضيو التحمّل، فقد تزداد احتياجاتهم إلى الحديد نتيجة طبيعة النشاط البدني المكثف، ويمكن أن يؤثر انخفاض مستوياته في قدرتهم على ممارسة التمارين وتحقيق الأداء المعتاد.
متى ينبغي إجراء الفحص؟
تشير الدكتورة أرييلا مارشال إلى أن نقص الحديد لا يظهر بالطريقة نفسها لدى جميع المصابين؛ فقد يعاني البعض عدة أعراض متزامنة، بينما تظهر لدى آخرين علامة واحدة فقط، وقد لا يلاحظ بعض الأشخاص أي أعراض.
وتنصح الدكتورة جاكلين باورز بالنظر في إجراء فحص الفيريتين عند استمرار الشعور بالتعب رغم الحصول على نوم كافٍ واتباع نظام غذائي متوازن وممارسة عادات صحية.
وفي حال تأكيد النقص، قد تساعد مكملات الحديد الفموية على تحسين الأعراض تدريجيًا خلال أسابيع أو أشهر، إلا أن استخدامها ينبغي أن يكون وفق التوجيه الطبي، لأن تناول الحديد دون حاجة قد يؤدي إلى آثار جانبية ومضاعفات صحية.
والخلاصة أن الوجه قد يُظهر مؤشرات تستحق الانتباه، لكنه لا يستطيع الكشف بصورة قاطعة عن نقص الحديد. فالتشخيص الصحيح يعتمد على تقييم الأعراض، وتحديد عوامل الخطورة، وإجراء الفحوص المناسبة، مع البحث عن السبب الأساسي للنقص بدل الاكتفاء بعلاج مظاهره.








اضافةتعليق
التعليقات