لقد رحلت البضعة الطاهرة، بنت سيد الأولين والآخرين (ع)، رغم صغر سنها، إلى جوار ربها الرؤوف الكريم، وهي مجهولة القدر، ومخفية القبر، ومكسورة الضلع، ومُسقطة الجنين، مظلومة مغصوبة، مضطهدة مقهورة، مسوَّدة العينين، ملطومة الخد، مسوَّدة المتن، تحمل أحزانًا كثيرة.
نفتح صفحات قصة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، فاطمة الزهراء عليها السلام، ونستحضر بلسان حالها ما تشكوه من بثّها وحزنها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد رحيله.
أبتاه، يا رسول الله، أنا فاطمة بنت محمد، وروحك التي بين جنبيك… يا أبتاه، يا رسول الله، كيف أصف لك حالتي بعد فراقك؟ لقد تركتَ الدنيا بعدك مظلمةً…
يا رسول الله، أشكو إليك ما جرى عليَّ من القوم بعدك… أبتاه، لقد سلبوني فدك.
وعندما خرجتُ مع نساء قومي أطلب حقي في أرض فدك، وهي حقًّا من حقوقي كابنة رسول الله، لم ينصرني من أهل المدينة إلا ثلةٌ قليلة، ومع هذا لم أستسلم… ذهبتُ إلى المسجد مُذكِّرةً الناس بأني ابنتك وأني بِضْعَتك، عندها كان بعض الصحابة مجتمعين فيه، وخطبتُ خطبة أمام المسلمين، أقمتُ عليهم الحجة فيما جرى من غصب في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وبيَّنتُ ظلمهم لي في مصادرة أرض فدك…
لكن اللعين أخذ كتاب فدك من يدي، وتفل به ومزَّقه. فقلتُ له: مزَّق الله بطنك كما مزَّقت كتابي، فمزَّق الله بطنه كما دعوتُ عليه…
يا أبتاه، لقد ضربني اللعين أمام الناس، ولم يحترمني ويحترم حُرمة رسول الله…
رجعتُ في ثوب الحزن، وقلبي مثقل بالآلام، وأنا أرى حقوقي تُنتزع منّي دون أيِّ رحمة… وحقي قد سُلب مني… يا أبتاه، كيف أروي لك ما حلَّ ببعلي عليٍّ أمير المؤمنين بعد رحيلك؟
لقد اجتمعوا في السقيفة وقرروا أخذ الخلافة من علي، وطلبوا من علي أن يبايعهم، لكنه لم يبايعهم ولم يرضَ بقرارهم… واعتدوا على حقه في الخلافة، وعلى كلمته التي كانت دومًا تعبّر عن الحق والعدل…
هم أرادوا بغصب الخلافة من علي أن يمحوا ذكرك وذكر أهل بيتك… وقفتُ إلى جانب أمير المؤمنين علي، أدافع عنه لأنه إمام زماني، وأطالب بحقوقنا…
عندها قال اللعين: لو نعطي الزهراء اليوم حقها بفدك، سوف تطالبنا بحق علي بالخلافة غدًا، لذلك قرر اللعين مع أعوانه الظالمين أن يهجموا على داري، وعندها إما أن نُسلِّم لما أرادوا من غصب الخلافة أو يقتلوني…
نعم، هجموا على بيتي وتجرؤوا على حُرمة رسول الله… عندما هجموا على بيتي، كنتُ أقول لهم: «هذا علي، الذي فدى رسول الله بنفسه».
كيف يمكن أن ينسوا أنه وصيُّك عندما قلتَ لهم: «وإنّ عليًّا وصيّي ووارثي»؟
جاء بعض رجال الأنصار الذين رفضوا البيعة الباطلة الظالمة، يريدون نصرة علي، واجتمعوا مع علي في دارنا، فجاء اللعين مع بعض أعوانه وقال: اخرجوا وبايعوا، وإن لم تخرجوا سوف أُحرق الدار ومن فيها. فقيل له: إن في الدار فاطمة؟!
فقال اللعين غاضبًا: وإن كان في الدار فاطمة، سوف أحرقها… لقد هجموا على داري، وذلك بسبب مطالبتي بحقي بفدك ومطالبتي بحق علي بالخلافة…
ثم دعا اللعين بجمع الحطب، وأمر بإضرام النار في الباب، وقال اللعين: احرقوا البيت بمن فيه أو يُقاد علي إلى البيعة.
وهجم اللعين على الباب، فوضعتُ يديَّ على الباب أمنعه من فتح الباب، لكنّه ضرب كفّي بالسوط فألمني، فسمعوا لي زفيرًا وبكاءً من قسوة الضربة…
ومع بكائي وتألمي، لم يرحمني الظالم، واستمر في ضربي وضرب الباب برجله بكلّ قوته، فألصقَ أحشائي بالباب وكسر أضلاعي، فصرختُ صرخةً من الألم، كأنّ من قوة الصرخة أصبحَ أعلى المدينة أسفلها، وأنا أقول: يا أبتاه، يا رسول الله، هكذا يُفعل بحبيبتك وابنتك… آه يا فضة، إليكِ فخذيني، فقد والله قُتل جنيني… فزاد الألم على الألم…
لكن اللعين استمر في دفع الباب عليَّ أكثر، وصفعني على وجهي وضربني، وأنا أُسقط جنيني المُحسِن الذي كان عمره في بطني ستة أشهر. لقد قتلوه في بطني ولم يرحموه ولم يرحموني…
يا أبتاه، كيف أصف لك ما حدث عندما سقط المحسن من بطني؟ كانت لحظة قاسية لا توصف، وأنا أحمله بين يدي شهيدًا، وهو لم يرَ الدنيا بعد…
كلُّ هذه الأحداث جرت والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وعلي ينظرون إليَّ، فجمعتُ قواي كي لا يصيبهم الخوف ولا يدخل الانكسار إلى قلوبهم…
أبتاه، يا رسول الله، لقد بكيتُك ليل نهار، وأردتُ أن أقول للعالم من خلال بكائي عليك: «أنا فاطمة بنت محمد، وهذا هو حالي بعد فراق النبي، وقد تفننوا في إيذائي وإيذاء بعلي علي بن أبي طالب، فأحرقوا داري وأسقطوا جنيني وسلبوني ومنعوني حقي وحق أمير المؤمنين عليه السلام، وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه وولي المؤمنين من بعده».
ولم يكتفوا بذلك، بل منعوني من البكاء عليك يا أبي، كما لو أن دموعي تشكل تهديدًا لهم.
كانوا يخافون من صرخاتي، من حزني الذي لا يمكن احتواؤه، وطردوني خارج المدينة حتى أبكي، وقطعوا شجرة الأراكة التي كنتُ أبكي تحت ظلها، ولكن أمير المؤمنين عوَّضني خيرًا عن شجرة الأراك… وحاول أن يجبر كسر قلبي، فبنى لي بيتًا لأبكي فيه خارج المدينة في البقيع، وأسماه بيت الأحزان.
فاشتدت عليَّ العِلَّة من العصرة القاسية وكسر الضلع بين الحائط والباب وإسقاط حملي، وأصبحتُ مريضة عليلة حزينة، ولزمتُ فراش المرض، ونحل جسمي، وذاب لحمي، وصرتُ كالخيال، ومرضتُ مرضًا شديدًا…
آه من ألم ضلعي المكسور! ففي كل شهيق كأن سكينًا يُغرس في صدري… كان الألم لا يُحتمل، كنتُ كلما تنفستُ تألمتُ… ما أقسى لحظاتي الأخيرة وأنا أنظر إلى وجوه أحبتي، وأنا أعلم أنني سأتركهم خلفي للمصائب… ومع كل شهيق كانت روحي تستعد للقاء بارئها…
كنتُ في ذلك اليوم الذي توفيتُ فيه طريحة الفراش، وقد أخذ مني الهُزال كلّ مأخذ… عندها أوصيتُ أمير المؤمنين بوصايا كثيرة، ومنها أن قلتُ له: أريد أن أُدفن ليلًا وسرًّا… وبعدها رحلتُ وغادرتُ الدنيا وأنا شهيدة…
وهنا صمتَ الصوت، وفاضت الروحُ إلى بارئها، ليُرفعَ الستارُ عن ألمِ عليٍّ وأبنائي، وعندها رأيتُ ابني الحسن ألقى نفسه على جسدي يقبّلني وهو يقول: «يا أُمّاه، كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني».
أمّا ابني الحسين، فكان يقبّل رجلي ويقول: «أنا ابنك الحسين، كلّميني قبل أن يتصدّع قلبي فأموت».
وبعدها بدأ علي بتجهيزي… ها هو علي عليه السلام مع أسماء في الليل قد أكملا تغسيلي وتكفيني… ثم نادى علي بصوت مخنوق مكسور يملؤه الألم: يا حسن، يا حسين، يا زينب، يا أُمّ كلثوم… هلمّوا فتزوّدوا من أُمّكم… فهذا الفراق واللقاء في الجنّة…
فأقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما يناديان… وا حسرتاه، لا تنطفئ أبدًا من فقد جدنا محمد المصطفى… وأمنا فاطمة الزهراء… يا أم الحسن، يا أم الحسين… إذا لقيتِ جدنا محمد المصطفى، فاقرئيه منا السلام، وقولي له: إنّا قد بقينا بعدكِ يتيمين في دار الدنيا.
عندها قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إني أُشهد الله أنها قد حنَّت وأنَّت ومدَّت يديها وضمتهما إلى صدرها مليًّا، وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن، ارفعهما عنها، فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات.
وعندما أراد علي حمل جنازتي قال: «أعينوني».
يتعبُ قلب الإنسان حين يتعلّق الأمر بمن يُحب! وتثقُل خُطواته.
هل تعلمون من هو علي بن أبي طالب؟ هو من اقتلع باب خيبر بيد واحدة دون أيّ مساعدة… لكنّه عندما أراد حمل جنازتي قال: «أعينوني».
سيدي علي، على ماذا نُعينُك؟!… على ماذا؟!… والزهراء قد نحل جسمها، وذاب لحمها، وصارت كالخيال، وأنت قالع باب خيبر الذي عجز عن حمله أربعون رجلًا…
إنّ فراق الزهراء كان ثقيلًا على أمير المؤمنين عليه السلام كثقل الجبال… لقد وقف أمير المؤمنين علي عليه السلام عند قبري وهو يخاطب رسول الله بقلب حزين…
«السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك. قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورقَّ عنها تجلدي… فلقد استُرجِعَت الوديعة… وأُخذت الرهينة… أما حزني فسرمد… وأما ليلي فمسهَّد… وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها… فأحفها السؤال واستخبرها الحال».








اضافةتعليق
التعليقات