• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

منار قاسم / منذ 13 ساعة / تربية / 392
شارك الموضوع :

عندما يغيب هذا السقف، تُصبح التنهيدة الصادرة من الصدر أكبر من مجرد زفير حزن عابر

تتحول ذكريات الأب الراحل عند كل مفرق طُرقٍ صعب إلى مواجهة مباشرة مع عراء العالم. ففي البناء النفسي للإنسان، لا يُمثل الأب مجرد عنصرٍ في شجرة العائلة، بل هو السقف المتين الذي يقي من تقلبات الحياة، والوتد الذي تُشدّ إليه خيمة الأمان.

وعندما يغيب هذا السقف، تُصبح التنهيدة الصادرة من الصدر أكبر من مجرد زفير حزن عابر إنها صرخة روحيّة تؤكد أن بعض التنهيدات تحتاج أربع رئات أو أكثر كي تُستوعب.

وفي المساحة الفاصلة بين لوعة الفقد وسعي الروح لاستعادة توازنها، يتشكل هذا الحوار الوجداني الباطني بين ابنةٍ يُثقل الشوق كاهلها، وطيف والدها الذي يسكن ذاكرتها حياً لا يموت.

​تجلس منار على مقعد خشبي تحت شجرة قديمة، تمسك ساعة يد والدها التي توقفت عقاربها، وبجوارها يجلس طيفه بهيبته الدافئة.

كانت منار، على الرغم من كونها أماً لأربعة أولاد، ترى في والدها المأوى الأول والأخير كان بالنسبة لها الأب، والزوج، والحبيب، والصديق، ورفيق الدرب، وكل شيء في حياتها.

وبعد رحيله، انكسر ظهرها حرفياً، وأصبح كل شيء في عينيها باهتاً بلا لون، حتى أصل الحياة نفسه فقد بريقه.

تهمس بصوت خافت تهزه تنهيدة عميقة متسائلة إن كانت الرئتان تكتفيان بحصة واحدة من الهواء وقد كان حنانه يمدها بأربع، مشيرة إلى أنها كلما مر طيفه تشعر بأن هذا الصدر أضيق من أن يتسع لزفير الشوق.

ينظر إليها الأب بعينين تطفحان بالسكينة، وبصوت يشبه هفيف النسيم يخبرها أنه لم يبتعد لكي تضيق أنفاسها، بل لتبحث عن السعة في كل ما تركه في روحها، موضحاً أن التنهيدة التي تتعبها هي صلاة الشوق التي لم تجد كلمات تكفيها.

​ترفع منار عينيها المدمعتين نحو طيفه معاتبة وموضحة كيف صار العالم بعده عارياً، فقد كان ظله يسبقها في كل طريق، وحين تتعثر تجد جدار المنيع، متسائلة كيف لإنسان أن يكمل طريقه دون أن يستند إلى السند الذي يعلم أنه لن يميل.

 يبتسم الأب برفق ويؤكد لها أن السند لا يختفي لمجرد أنه صار غير مرئي، فالوتد الذي غرسوه في الأرض لا يقتله غياب الجسد، والجدار الذي كانت تستند عليه لم يكن عظام رجل، بل كان تلك القيم والكرامة واليقين الذي أودعه في وجدانها، فهي ليست عارية من حمايته بل هي امتداده الحي.

​تمسح منار دمعة انحدرت على خدها معربة عن حنينها لصوته وهو يطمئنها بألا تخاف، بينما أصبحت اليوم تبحث عن هاتيك الكلمة فلا تجد إلا صمت المكان. يحثها الأب بنبرة أكثر دفئاً وحزماً على أن تسمع كلماته بقلبها لا بأذنيها، فكلما حار عقلها ما عليها إلا أن تسأل نفسها عما كان سيفعله أبوها وستجد إجابته تتردد في أعماقها، فهو لم يتركها للتطاحن مع الحياة وحدها، بل ترك فيها رئة ثانية تتنفس بها وحكمة تبصر بها وظهراً لا ينحني.

​تستنشق منار هواء الليل وتغمض عينيها متسائلة إن كان حزنها عليه لا ينبغي أن يكون كسرة لها، فينزوي الأب برفق ويزداد ضوؤه صفاءً مبيناً أن الحزن على الآباء حق إنساني أصيل وأن التنهيدة الثقيلة هي صمام أمان الروح، لكن الوفاء الحقيقي ليس في الوقوف عند أطلال الغياب، بل في الابتسام ومواجهة العالم بقوته وأن تكون الأثر الذي يُقال عنه حين يراه الناس رحم الله من أنجب وربى، داعياً إياها أن تملأ رئتيها به وتمشي.

​تفتح منار عينيها لتجد أن الطيف قد يسر خيوطه في الفضاء، لكن يدها تشتد ثباتاً على الساعة القديمة، وتتنفس شهيقاً عميقاً لا ليُثقل صدرها هذه المرة، بل ليحمل معه أماناً قديماً أعاد رسم معالم الطريق، ويمنح ظهرها قوة كي تقف من جديد من أجل أولادها الأربعة الذين يرون فيها السند كما كانت تراه في أبيها.

​إن الاستغراق في هذه التجربة الوجدانية يتطلب دراية بأن شرعية الحزن حقيقة لا تنفي القوة، وأن التنهيدة الصادقة تنفيس طبيعي عن حجم المحبة وعظم القدر، وليس دليلاً على الضعف أو الانكسار.

 كما أن إعادة تمثل الغائب عبر تجسيد قيم الوالد وحكمته في القرارات اليومية يضمن استمرارية وجوده المعنوي كبوصلة أمان لا تغيب، ليكون الوفاء الأسمى في أن نكون الامتداد الطيب والناجح لآبائنا، مستمدين القوة من ذلك الإرث الحي ومستحضرين دائماً أن القوة التي كانوا يمنحونها لنا لم تكن خارج ذواتنا، بل كانت غراساً استقر في أعماقنا لنستند عليه كلما عصفت بنا الأيام.

​وهنا تهمس هذه الذكرى برسالة حية وأخيرة لكل من لايزال والده على قيد الحياة، تتوسل إليهم ألا ينتظروا الغياب ليعرفوا حجم السقف الذي يظللهم.

استغلوا وجود هذه الأبواب المفتوحة للأمان، واشبعوا من أيديهم الداعمة وأصواتهم الدافئة قبل أن تضطروا للبحث عن أصداء أحاديثهم في صمت المكان، فالعناق اليوم والأب حاضر يقي الروح من تنهيدات ثقيلة قد لا تجد في المستقبل صدى يستوعب ثقلها.

الموت
الايمان
القوة
الحزن
الأب
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    الأربعاء 02 ايلول 2026/
    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    الأثنين 31 آب 2026/
    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    الخميس 27 آب 2026/
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    السبت 22 آب 2026/
    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    الخميس 13 آب 2026/
    طريق الأربعين... حكايةُ وفاءٍ لا تنتهي

    طريق الأربعين... حكايةُ وفاءٍ لا تنتهي

    الأربعاء 05 آب 2026/

    آخر الاضافات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    حين يصبح الصمت موقفًا

    رغم تسببها في الانتفاخ.. لماذا لا يجب حذف الأطعمة المسببة للغازات من نظامك الغذائي؟

    قراءة في كتاب: من حياة الإمام العسكري (عليه السلام)

    حين يكون الردّ الأخلاقي أقوى من الانتقام

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    لا تشربها فور إعدادها.. دراسة تربط حرارة الشاي والقهوة بسرطان المريء

    للورد الأحمر حكاية

    آخر القراءات

    انتظار أمنية

    النشر : السبت 18 شباط 2017
    اخر قراءة : منذ 25 دقيقة

    الآباء أكثر عاطفية بعد احتضان أبنائهم.. "هرمون العناق" يقوي علاقة الوالد بأطفاله

    النشر : الأربعاء 15 آذار 2017
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    حضارة الهاتف.. إلى أين؟

    النشر : الأثنين 30 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    الإمام الجواد ومواريث الأنبياء وعلم النفس

    النشر : الأثنين 22 كانون الثاني 2024
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    فن الطبخ وهوس النساء على مواقع التواصل الإجتماعي

    النشر : الأثنين 21 حزيران 2021
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    المرأة بين الالتزام الديني ومتطلبات الحياة المعاصرة في فكر الامام الشيرازي

    النشر : الأثنين 18 حزيران 2018
    اخر قراءة : منذ 26 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 471 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 470 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 413 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 392 مشاهدات

    كيف تصبحين السيدة الأولى قرآنياً؟ سيدة نساء العالمين تجيبكِ

    • 309 مشاهدات

    نجمة في سماء قمّ

    • 294 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1236 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 789 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 691 مشاهدات

    ميلادُ الرحمة… حين وُلد أبٌ لهذه الأمة

    • 585 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 580 مشاهدات

    في رحاب الاحتواء: قيمة الإنسان حين يصبح وطناً

    • 569 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند
    • منذ 13 ساعة
    حين يصبح الصمت موقفًا
    • منذ 13 ساعة
    رغم تسببها في الانتفاخ.. لماذا لا يجب حذف الأطعمة المسببة للغازات من نظامك الغذائي؟
    • منذ 13 ساعة
    قراءة في كتاب: من حياة الإمام العسكري (عليه السلام)
    • الخميس 24 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة