تتحول ذكريات الأب الراحل عند كل مفرق طُرقٍ صعب إلى مواجهة مباشرة مع عراء العالم. ففي البناء النفسي للإنسان، لا يُمثل الأب مجرد عنصرٍ في شجرة العائلة، بل هو السقف المتين الذي يقي من تقلبات الحياة، والوتد الذي تُشدّ إليه خيمة الأمان.
وعندما يغيب هذا السقف، تُصبح التنهيدة الصادرة من الصدر أكبر من مجرد زفير حزن عابر إنها صرخة روحيّة تؤكد أن بعض التنهيدات تحتاج أربع رئات أو أكثر كي تُستوعب.
وفي المساحة الفاصلة بين لوعة الفقد وسعي الروح لاستعادة توازنها، يتشكل هذا الحوار الوجداني الباطني بين ابنةٍ يُثقل الشوق كاهلها، وطيف والدها الذي يسكن ذاكرتها حياً لا يموت.
تجلس منار على مقعد خشبي تحت شجرة قديمة، تمسك ساعة يد والدها التي توقفت عقاربها، وبجوارها يجلس طيفه بهيبته الدافئة.
كانت منار، على الرغم من كونها أماً لأربعة أولاد، ترى في والدها المأوى الأول والأخير كان بالنسبة لها الأب، والزوج، والحبيب، والصديق، ورفيق الدرب، وكل شيء في حياتها.
وبعد رحيله، انكسر ظهرها حرفياً، وأصبح كل شيء في عينيها باهتاً بلا لون، حتى أصل الحياة نفسه فقد بريقه.
تهمس بصوت خافت تهزه تنهيدة عميقة متسائلة إن كانت الرئتان تكتفيان بحصة واحدة من الهواء وقد كان حنانه يمدها بأربع، مشيرة إلى أنها كلما مر طيفه تشعر بأن هذا الصدر أضيق من أن يتسع لزفير الشوق.
ينظر إليها الأب بعينين تطفحان بالسكينة، وبصوت يشبه هفيف النسيم يخبرها أنه لم يبتعد لكي تضيق أنفاسها، بل لتبحث عن السعة في كل ما تركه في روحها، موضحاً أن التنهيدة التي تتعبها هي صلاة الشوق التي لم تجد كلمات تكفيها.
ترفع منار عينيها المدمعتين نحو طيفه معاتبة وموضحة كيف صار العالم بعده عارياً، فقد كان ظله يسبقها في كل طريق، وحين تتعثر تجد جدار المنيع، متسائلة كيف لإنسان أن يكمل طريقه دون أن يستند إلى السند الذي يعلم أنه لن يميل.
يبتسم الأب برفق ويؤكد لها أن السند لا يختفي لمجرد أنه صار غير مرئي، فالوتد الذي غرسوه في الأرض لا يقتله غياب الجسد، والجدار الذي كانت تستند عليه لم يكن عظام رجل، بل كان تلك القيم والكرامة واليقين الذي أودعه في وجدانها، فهي ليست عارية من حمايته بل هي امتداده الحي.
تمسح منار دمعة انحدرت على خدها معربة عن حنينها لصوته وهو يطمئنها بألا تخاف، بينما أصبحت اليوم تبحث عن هاتيك الكلمة فلا تجد إلا صمت المكان. يحثها الأب بنبرة أكثر دفئاً وحزماً على أن تسمع كلماته بقلبها لا بأذنيها، فكلما حار عقلها ما عليها إلا أن تسأل نفسها عما كان سيفعله أبوها وستجد إجابته تتردد في أعماقها، فهو لم يتركها للتطاحن مع الحياة وحدها، بل ترك فيها رئة ثانية تتنفس بها وحكمة تبصر بها وظهراً لا ينحني.
تستنشق منار هواء الليل وتغمض عينيها متسائلة إن كان حزنها عليه لا ينبغي أن يكون كسرة لها، فينزوي الأب برفق ويزداد ضوؤه صفاءً مبيناً أن الحزن على الآباء حق إنساني أصيل وأن التنهيدة الثقيلة هي صمام أمان الروح، لكن الوفاء الحقيقي ليس في الوقوف عند أطلال الغياب، بل في الابتسام ومواجهة العالم بقوته وأن تكون الأثر الذي يُقال عنه حين يراه الناس رحم الله من أنجب وربى، داعياً إياها أن تملأ رئتيها به وتمشي.
تفتح منار عينيها لتجد أن الطيف قد يسر خيوطه في الفضاء، لكن يدها تشتد ثباتاً على الساعة القديمة، وتتنفس شهيقاً عميقاً لا ليُثقل صدرها هذه المرة، بل ليحمل معه أماناً قديماً أعاد رسم معالم الطريق، ويمنح ظهرها قوة كي تقف من جديد من أجل أولادها الأربعة الذين يرون فيها السند كما كانت تراه في أبيها.
إن الاستغراق في هذه التجربة الوجدانية يتطلب دراية بأن شرعية الحزن حقيقة لا تنفي القوة، وأن التنهيدة الصادقة تنفيس طبيعي عن حجم المحبة وعظم القدر، وليس دليلاً على الضعف أو الانكسار.
كما أن إعادة تمثل الغائب عبر تجسيد قيم الوالد وحكمته في القرارات اليومية يضمن استمرارية وجوده المعنوي كبوصلة أمان لا تغيب، ليكون الوفاء الأسمى في أن نكون الامتداد الطيب والناجح لآبائنا، مستمدين القوة من ذلك الإرث الحي ومستحضرين دائماً أن القوة التي كانوا يمنحونها لنا لم تكن خارج ذواتنا، بل كانت غراساً استقر في أعماقنا لنستند عليه كلما عصفت بنا الأيام.
وهنا تهمس هذه الذكرى برسالة حية وأخيرة لكل من لايزال والده على قيد الحياة، تتوسل إليهم ألا ينتظروا الغياب ليعرفوا حجم السقف الذي يظللهم.
استغلوا وجود هذه الأبواب المفتوحة للأمان، واشبعوا من أيديهم الداعمة وأصواتهم الدافئة قبل أن تضطروا للبحث عن أصداء أحاديثهم في صمت المكان، فالعناق اليوم والأب حاضر يقي الروح من تنهيدات ثقيلة قد لا تجد في المستقبل صدى يستوعب ثقلها.








اضافةتعليق
التعليقات