قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
تفتح قضية الظِّهار، التي تناولتها سورة المجادلة، بابًا للحديث عن قدرة المرأة على المطالبة بحقوقها، ومعالجة مشكلاتها، وتعزيز مكانتها في المجتمع. ومن هذا المدخل، يمكن تناول سؤال دور المرأة في الحياة عبر محورين: عدم تضخيم الجانب الأنثوي على حساب الجانب الإنساني، ورفع مستواها العلمي والثقافي والفكري.
امرأة تطالب بحقها
تروي بداية سورة المجادلة حادثة تعكس دور المرأة في المطالبة بحقوقها في المجتمع الإسلامي الأول. فقد ظاهر أوس بن الصامت زوجته خولة بنت ثعلبة الخزرجية إثر خلاف بينهما، فقال لها: «أنتِ عليَّ كظهر أمي». وكان الظِّهار في الجاهلية يُبقي المرأة معلَّقة؛ فلا تُعامل معاملة الزوجة، ولا تستطيع الزواج بغيره.
وحين هدأ أوس ندم، ولم تكن خولة ترغب في الانفصال عنه حرصًا على أسرتها وأطفالها، فذهبت، بطلب منه، إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تسأله عن الحكم. فأخبرها بأنه لم ينزل عليه في الظِّهار شيء، وتذكر بعض الروايات أنه قال لها: «حرمتِ عليه». لكنها واصلت عرض قضيتها، مؤكدة أن زوجها لم يذكر طلاقًا، وقالت: «إن لي أطفالًا وصبية، إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا».
وظلت تراجع النبي وتشكو إلى الله، وتسأله الرحمة بها وبأطفالها، حتى نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
فبشَّرها النبي بنزول القرآن في شأنها، واستدعى زوجها، فأقرَّ بما قال، وعزاه إلى الغضب ونزغ الشيطان، وسأل عن سبيل للخلاص. فبيَّن له النبي كفارة الظِّهار قبل استئناف المعاشرة الزوجية: تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. ولما لم يكن أوس يملك مالًا للعتق، ولا يطيق الصيام لشدة حاجته إلى الطعام وتأثر بصره بتأخره، انتقل إلى الإطعام. وأخبر النبي بعجزه عن تكلفته، فأعانه بنصف ما يلزم، وتولى أوس النصف الآخر لإتمام إطعام ستين مسكينًا.
تمثل هذه القضية مدخلًا إلى النظر في وضع المرأة: كيف تعالج مشكلاتها وتلبي احتياجاتها؟ وكيف تنتزع حقوقها وتعزز مكانتها في المجتمع؟ وكيف يكون لها دور أفضل في الحياة، فتتجنب التهميش؟
إبراز الجانب الإنساني للمرأة
من المهم ألا تضخِّم المرأة الجانب الأنثوي في حياتها وحركتها الاجتماعية تكون على حساب جانبها الإنساني.
لقد شاءت حكمة الله تعالى أن يكون هناك انجذاب متبادل بين المرأة والرجل، لكن هذا الانجذاب وما يصاحبه من رغبات ينبغي أن يبقى ضمن إطار وضوابط؛ لأن خروجه عنهما يؤدي إلى الانفلات والضياع في المجتمع، ولكي تسود العفة، ينبغي أن يقوم التعامل بين الرجل والمرأة على النظر إلى كل منهما بوصفه إنسانًا. غير أن المشكلة، في كثير من الأحيان، تتمثل في حضور الجانب الغريزي والشهواني في اللقاءات والعلاقات بينهما. وتتحمل المرأة، في هذا الجانب، مسؤولية أكبر من الرجل؛ لما تمثله من جهة إغراء وجذب واستقطاب. فإذا لم تتقيد بالضوابط، غلب الطابع الشهواني على أجواء التعامل، وأصبح الجانب الأنثوي هو السائد في علاقتها بالرجل.
فالمرأة، حين تمشي، تمشي بوصفها إنسانًا، دون أن تستعرض أنوثتها أو تبرز مفاتنها أو تتسبب في إثارة الرجل. ولها أن تعمل وتذهب وتأتي وتتكلم، مع الحفاظ على العفاف؛ أي أن تتعامل بوصفها إنسانًا، وأن يتعامل معها الرجل على هذا الأساس، بعيدًا عن الاعتبارات الشهوانية.
لكن الحضارة المادية الغربية أجَّجت هذا الجانب، ودفعت المرأة وشجعتها على إبراز مفاتنها وإغراء الرجال. وهنا يبرز السؤال: لماذا أصبح لباس الرجل أكثر حشمة؟
يتناول الدكتور بلير داحو، رئيس مدرسة التحليل النفسي العلمي، هذه القضية في كتابه «المرأة: بحث في سيكولوجية الأعماق». ويرى أن أهم خدعة تعرضت لها المرأة في هذا العصر هي ما رُفع تحت عنوان التحرر والحرية؛ إذ لم تتحرر في الواقع، بل ازدادت خضوعًا للرجل. ويذهب إلى أن الحضارة المادية جنَّدت المرأة ضد المرأة، فأصبحت أكثر استعبادًا من الماضي، واختُزلت قيمتها في جسدها وجمالها.
ويظهر ذلك في الإعلانات على شاشات التلفاز والمجلات ومواقع التواصل؛ فحين يُراد الترويج لطعام أو شراب أو سجائر أو حتى إطارات سيارات، لا تُستخدم صورة رجل أو عامل أو فلاح كادح، بل صورة امرأة تبرز مفاتنها وجمالها.
وترى رئيسة اللجنة الإعلانية في جمعية حقوق الإنسان في لبنان أن استخدام المرأة في الإعلان لا يمثل إهانة لها وحدها، بل إهانة للرجل أيضًا؛ لأن الإعلان يخاطبه من خلال غريزته.
ويقول أحد رؤساء شركات الإعلان إن استخدام امرأة جميلة في الإعلان عن السلعة يضمن زيادة قدرها ٤٠٪ في الاستهلاك والبيع والتصدير والانتشار. وهكذا تتحول المرأة وجسدها إلى وسيلة للدعاية والإعلان، فكيف ترضى لنفسها بذلك؟
ومن المظاهر الأخرى مسابقات انتخاب ملكات الجمال، التي يسعى الغرب إلى تصديرها إلى المجتمعات المحافظة، بالترغيب والإكراه، في إطار فرض ثقافته عليها.
إن إبراز المفاتن واتخاذ الإغراء وسيلة للحضور في الحياة مسلك خاطئ؛ فالمرأة مدعوة إلى أن تتصرف بوصفها إنسانًا يثق بنفسه، ويحفظ كرامته، ويتمتع بشخصية قوية، وأن تثبت ذاتها بكفاءتها وجدارتها وعملها. أما جعل المفاتن وسيلتها لإثبات حضورها، فيوحي بأن جمالها وجسدها هما مصدر قوتها الوحيد، وهذا ليس في صالحها لأنه يهبطها من الانسانية إلى التشيء.
ولهذا يفرض الإسلام الحجاب والستر في حدودهما الشرعية، صيانةً للمرأة وحفظًا لكرامة شخصيتها، حتى تعيش إنسانًا، ولا تُختزل في جانب أنثوي يستفيد منه الرجل لإشباع شهواته ورغباته. كما يحرِّم ما يسبب الإثارة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
ويدخل في ذلك استعمال الروائح والعطور عند الخروج بين الرجال الأجانب، إذا كانت سببًا للإثارة. وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أيما امرأة تعطرت وخرجت من منزلها فعليها لعنة حتى تعود إلى منزلها».
ولا بد من التأكيد أن اهتمام المرأة بأنوثتها وجمالها في موضعهما الصحيح، وإظهارهما أمام زوجها، أمر لابأس فيه وممدوح. إنما موضع التحذير هو المبالغة في توجيه اهتمامها إلى هذه الأمور، كما يُشاهد اليوم، وكما تروِّج له شركات الدعاية العالمية، حتى أصبحت أنوثة المرأة سلعة في وسائل الإعلام، وموردًا للتجارة والربح.
وتتحدث بعض التقارير عن توزيع مصروفات الراتب الشهري، فتشير إلى أن الرجل ينفق راتبه غالبًا على إيجار الشقة، وفواتير المنزل، ونفقات أبنائه وأسرته، ومستلزمات السيارة، بينما يُستهلك راتب المرأة في فساتين المناسبات، ومستحضرات التجميل، وتصفيف الشعر، والعطور، وغيرها من الاهتمامات النسائية.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تدرك المرأة أن المبالغة في هذا التوجه تنتقص من إنسانيتها ودورها، وكأن قيمتها تتمثل في الجمال والمفاتن؟
رفع المستوى الثقافي والفكري والعلمي
لكي تأخذ المرأة دورها الحقيقي في المجتمع، ينبغي أن تنمِّي كفاءاتها الفكرية والعلمية، وترفع مستواها الثقافي؛ فمن أسباب تهميشها وتراجع مكانتها في كثير من المجتمعات الجهل وضعف المستوى الفكري والثقافي.
والمرأة في مجتمعاتنا مدعوة إلى التعلم والارتقاء بمعرفتها. وقد ورد في إحدى صيغ الحديث المشهور: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، وفي روايات أخرى: «على كل مسلم»، وهو تعبير يشمل المرأة أيضًا.
وتروي الأخبار أن امرأة جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومعها مجموعة من النساء، فقالت: «يا رسول الله، لقد غلبنا عليك الرجال»، وفي رواية أخرى: «لقد ذهب بحديثك الرجال»، وطلبت منه أن يحدد لهن يومًا يأتينه فيه ليعلمهن مما علمه الله. فاستجاب لطلبهن، وحدد لهن يومًا ومكانًا يجتمعن فيه أسبوعيًا للتعلم منه.
ينبغي للمرأة أن تتعلم دينها، وتتثقف في شؤونه، وفي شؤون مجتمعها والحياة عامة. ولا يكفي أن تكتفي بالمناهج الدراسية. ومن دواعي الحمد أن اهتمام بناتنا بالدراسة جيد، بل يفوق اهتمام الأولاد في كثير من الأحيان، لكن المطلوب يتجاوز حدود البرامج الدراسية ونيل الشهادة إلى رفع مستوى الوعي والعلم والمعرفة.
لقد عرف تاريخنا فقيهات ومجتهدات وراويات ومؤلفات، في الماضي وفي العصر الحديث. ومن أمثلة التأليف في بريطانيا باربرا كارتلاند، التي بلغ عمرها، آنذاك، سبعة وتسعين عامًا، وألَّفت ستمئة وسبعًا وثمانين رواية. وكانت تكتب سبعة آلاف كلمة يوميًا، بما يعادل فصلًا أو أكثر، وتنجز رواية كاملة كل أسبوعين. وقد تُرجمت رواياتها إلى أربعين لغة، وتجاوز عدد قرائها سبعمئة مليون إنسان.
ونحن بحاجة إلى أن تبرز في مجتمعاتنا نساء عالمات ومفكرات وفاضلات، يكتبن ويؤلفن، ويتثقفن ويثقِّفن غيرهن. وتزداد أهمية ذلك في المجال الديني؛ إذ لا مانع من أن تبلغ المرأة مرتبة الفقاهة والاجتهاد.
وقد نشرت مجلة «حوزه»، الصادرة بالفارسية في الحوزة العلمية المقدسة بقم، موضوعًا يؤكد ضرورة وصول المرأة إلى هذا المستوى؛ لأن بعض الحالات والأحكام الخاصة قد تكون المرأة الفقيهة أقدر على معالجتها، بحكم فهمها لظروفها وواقعها ومحيطها.
إن مجتمعاتنا تحتاج إلى أديبات وكاتبات ومفكرات وعالمات، وينبغي أن تتاح الفرص والمجالات لمن ترغب في ذلك، وأن تسعى المرأة بنفسها إلى انتزاع هذا الدور، وبلوغ المستوى والمكانة اللذين تطمح إليهما.
فكلما امتلكت المرأة وعيًا أكبر، وثقافة أوسع، ومعرفة أكمل، استطاعت أن تأخذ مكانتها وتؤدي دورها. فالمعرفة تشق الطريق أمامها لتكون كاتبة أو خطيبة أو عالمة مؤثرة، وهذا لا يتنافى مع الواقع الذي تعيشه. وفي حين تحتاج بعض المجالات إلى ظروف أفضل، تستطيع المرأة أن تتقدم في العمل المعرفي والثقافي، وتثبت جدارتها ومكانتها، وتمارس تأثيرها في المجتمع من خلال أفكارها وآرائها.
من حياة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
فاطمة العالمة
ورد في علم فاطمة الزهراء (عليها السلام) بما كان وما يكون، عن عمار، أنه شهد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد دخل عليها، فلما رأته نادته: «ادنُ لأحدثك بما كان، وبما هو كائن، وبما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة».
وقالت أم سلمة: «تزوجني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفوَّض أمر ابنته فاطمة إليَّ، فكنت أدلُّها وأؤدِّبها، وكانت والله آدب مني وأعرف بالأشياء كلها».
وأشرف العلوم علم التوحيد، وقد كانت الصديقة فاطمة (عليها السلام) أعلم الناس به بعد أبيها وبعلها، وقال لها علي (عليه السلام): «أنتِ أعلم بالله...».
وكانت تهتم بنشر العلم والثقافة، وتعقد مجالس العلم وحلقات البحث للنساء والفتيات، فتعلِّمهن القرآن وعلومه، والفقه وأحكامه. وكانت النساء والفتيات يأتينها ويسألنها عن أحكامهن، فتجيب برحابة صدر، وتشجعهن على السؤال والتعلم. وكانت فضة من تلميذاتها.
فاطمة الكاتبة
يُذكر المصحف الفاطمي بوصفه كتابًا من تأليف فاطمة الزهراء (عليها السلام)، يتضمن علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وهو اليوم عند ولدها الإمام المهدي (عجل الله فرجه).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما فيه شيء من كتاب الله، وإنما هو شيء أُلقي عليها بعد موت أبيها، صلى الله عليهما».
فاطمة الخطيبة
تجلَّت بلاغة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها في المسجد، وفي خطبة الدار التي ألقتها أمام نساء المهاجرين والأنصار حين جئن لعيادتها. فقد كانت تستخدم سلاح الكلمة في مواجهة أعدائها.
إن الدور الأفضل للمرأة يبدأ من وعيها بقيمتها الإنسانية، وحرصها على كرامتها، وسعيها إلى تنمية علمها وثقافتها؛ فبذلك تبني مكانتها وتترك أثرها في المجتمع. وفي سيرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام تتجلى قدوة تجمع العلم والعفاف، وقوة الكلمة والثبات على الموقف. والاقتداء بها يقتضي أن يتحول حبها إلى سعي وعمل، وأن تجعل المرأة من معرفتها وكفاءتها سبيلًا لخدمة أسرتها ومجتمعها، فتكون حاضرة بفكرها، مؤثرة بعطائها، معتزة بإيمانها وكرامتها.


اضافةتعليق
التعليقات