في هذه الأيام، نلاحظ كثافة المنشورات عن الليالي الفاطمية؛ فئة تنشر الأحاديث، وأخرى تدعو إلى حضور المجالس، وثالثة تستذكر مصائب مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وكلٌّ يعبّر عن حبّه بطريقته.
ولكن، ماذا لو كنّا نعيش أجواء الفاطمية، دون أن نسمح لها بأن تغيّر شيئًا في داخلنا؟
ماذا لو سألنا أنفسنا السؤال الأهم: أين نحن من سيدة نساء العالمين؟ ماذا تعلّمنا منها؟ وهل نحن فاطميون حقًّا، أم أنّنا نكتفي بمشاعر تحرّكها المواسم ثم تهدأ بانتهائها؟
إنّ تفاصيل حياتنا الصغيرة هي التي تجيب عن هذه الأسئلة؛ تلك اللحظات التي لا يرانا فيها أحد، ولا يعلم بما في قلوبنا إلا الله، حين يتسلّل الغضب إلى نفوسنا، فنفقد قدرتنا على ضبط ألسنتنا، أو حين نجد أنفسنا نميل إلى سماع الغيبة، وتستدرجنا الأحاديث التي تنتقص من الآخرين، أو حين نمنح أوقاتنا لما يبعدنا عن الله، ونحن نعلم أنّنا نستطيع أن نكون أفضل.
هناك، في تلك اللحظات الخفية، يظهر شيء من حقيقتنا، ويُختبر صدق ما تعلّمناه من أهل البيت عليهم السلام. نحن مقصّرون في حق أم أبیها فاطمة سلام الله علیها، ولا يمكننا أن نفيها حقّها، ولا أن نردّ دمعة الیتامی لفقد أمّهم الطاهرة، أو شوقهم إلى صدرها الحنون. ولكن، ألا نستطيع أن نجعل من حبّنا لها بدايةً لإصلاح أنفسنا؟ ألا نستطيع أن نخرج من هذه الليالي بخلق جديد، أو عادة سيئة نتخلّى عنها، أو قلب يصبح أرحم بالناس؟
ومن بين المنشورات الجميلة التي مرّت بي في هذه الأيام، استوقفني حديث مبارك لمولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها، شعرت أنّه لا يدعونا إلى مجرد القراءة، بل إلى الوقوف طويلًا أمام أنفسنا:
قالت مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها:
"إيّاك والبخل، فإنه شجرة في النار، وأغصانها في الدنيا، فمن تعلّق بغصن من أغصانها أدخله النار".
تأمّلت هذا الحديث، وتساءلت: كيف يمكن لشجرة أن تكون في النار، بينما تمتدّ أغصانها إلى دنيانا؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتعلّق بغصن منها دون أن يشعر أنّه يسير نحو الهلاك؟
لعلّ الأمر يبدأ حين يصبح ما نملكه أحبّ إلى قلوبنا مما نستطيع أن نقدّمه، وحين نخاف أن ينقص ما في أيدينا، فننسى أنّ الذي رزقنا قادر على أن يرزقنا، وأنّ المال الذي نحرص على جمعه لن يصحبنا إلى قبورنا، لكنّ أثر ما بذلناه قد يبقى لنا بعد الرحيل.
وليس البخل حكاية إنسان فقير يخشى أن يجوع، بل قد يسكن قلب إنسان يمتلك من الدنيا الكثير، ومع ذلك يشعر أنّ كلّ ما عنده قليل، وأنّ كلّ عطاء خسارة، وأن كل مساعدة انتقاص من ماله، قارون خير مثال على ذلك فقد آتاه الله من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ومع ذلك لم يكن ما امتلكه سبيلًا إلى نجاته. فكم من إنسان يملك الكثير، لكنه يظلّ فقيرًا في داخله، لأنّه لم يتعلّم كيف يتحرّر من أسر ما يملك.
إنّ المشكلة ليست في المال، ولا في امتلاك الأشياء الجميلة، ولا في السعي إلى الرزق، بل في أن يمتلك المال قلوبنا، فنصبح أسرى له بدل أن نجعله وسيلة للخير.
ليس كل البخل يُقاس بما نُبقيه في جيوبنا؛ فهناك من يبخل بدرهم، وهناك من يبخل بابتسامة، وهناك من يبخل بكلمة تواسي قلبًا مكسورًا، أو بوقت ينقذ علاقة، أو بعلم ينير طريقًا وأحيانا بصفح عن اساءة الآخرين أو طاعة ويقصر في بذل الجهد وللعبادة وفعل الخير.
وقد يكون أفقر الناس ليس من قلّ ما يملك، بل من قل ما يستطيع الآخرون أن يأخذوه من خيره وهناك من يبخل في نشر علوم أهل البيت عليهم السلام ونشر خيرهم إلى العالم وهذا أسوء أنواع البخل "فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَبَعُونَا" كما ورد عن مولانا الرضا عليه السلام .
وهنا يضعنا القرآن أمام حقيقة تهزّ أعماق النفس، فيقول الله تعالى:
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ).
أنت المحور أيها الانسان وكل شيء لسعادتك وترفيع درجاتك ولكنك تختار الأسوء وتنزل من قدرك (فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ).
كم هي عميقة! فالبخيل يظنّ أنّه حين يمنع المال عن غيره، يحفظ ماله لنفسه، بينما تكشف الآية أنّه قد يحرم نفسه قبل أن يحرم الآخرين. إنّه يظنّ أنّ العطاء ينقصه، ولا ينتبه إلى أنّه قد يكون سببًا في زيادة أجره وتطهير قلبه ونيل رضا ربّه.
والله سبحانه غنيّ عن إنفاقنا لا تزيده صدقاتنا غنى، ولا ينقص من ملكه امتناعنا عن العطاء. نحن الفقراء إليه، ونحن الذين نحتاج إلى أبواب الخير التي يفتحها لنا فحين يدعونا إلى الإنفاق، لا يدعونا لحاجةٍ منه إلى أموالنا، بل لحاجتنا نحن إلى رحمته وثوابه.
وفي تفسير علي بن إبراهيم القمي لهذه الآية، ورد ربط قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ بالإعراض عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّ الله يُدخل قومًا آخرين في هذا الأمر، لا يكونون مثلهم في معاداة آل محمد عليهم السلام وظلمهم.
وهذا المعنى، كما ورد في النص التفسيري المنقول، يفتح أمامنا بابًا آخر للتأمّل: إنّ الانتساب إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام ليس مجرّد عنوان نحمله، ولا كلمات نردّدها، بل مسؤولية ينبغي أن يظهر أثرها في مواقفنا وأخلاقنا.
فكيف نُحيي ذكر فاطمة سلام الله عليها ، ونحن لا نسمح لأخلاقها أن تحيي شيئًا فينا؟ كيف نبكي لمصابها، ثم نبخل بمال نستطيع أن نُعين به محتاجًا؟ كيف نتحدّث عن مظلوميتها، ثم نتجاهل ألم إنسان ينتظر منّا كلمةً طيّبة أو يدًا تمتدّ إليه؟ وكيف نرجو شفاعتها، ولا نحاول أن نتخلّق بما نستطيع من أخلاقها؟
لا يعني ذلك أنّ كلّ من عجز عن الإنفاق بخيل، فهناك من لا يملك ما يعطيه، وهناك من له حقوق والتزامات لا يجوز أن يضيّعها. إنّما الحديث عن قلبٍ يستطيع أن يبذل، لكنّه يمتنع خوفًا على ما يملك، وينسى أنّ قيمة الإنسان ليست فيما يجمعه، بل فيما يصنعه بما أُعطي.
ولعلّ الفاطمية الحقيقية تبدأ من هنا؛ من يدٍ لا تتردّد في مساعدة محتاج، ومن لسانٍ يكفّ عن الغيبة، ومن قلبٍ يتّسع للناس، ومن نفسٍ تتعلّم أن تتخلّى عمّا يبعدها عن الله و من قول حق في وجه باطل، نحن مطالبون بأن نكون صادقين في حبّها، وأن نسمح لهذا الحبّ بأن يغيّرنا، ولو خطوةً واحدة نحو الأفضل.
فإذا انتهت الليالي الفاطمية، وبقيت فينا رحمةٌ لم تكن، وصدقةٌ اعتدناها، وبخلٌ تخلّصنا منه، وذنبٌ قاومناه، وخلقٌ أصلحناه، فقد حملنا من هذه الأيام شيئًا يتجاوز حدود المنشورات.
إن نصرة الإمام الحجة عجل الله فرجه لا تكون بالشعارات وحدها، بل بتربية أنفسنا على الكرم والإيثار وحب الخير للآخرين. فلنسأل أنفسنا: هل نبني في أخلاقنا ما يليق بدولة إمامنا، أم أن البخل في نفوسنا يناقض ما ندّعيه.
ورد في رسالة مولانا الحجة أرواحنا له الفداء إلى الشيخ المفيد:
ولو أن أشياعنا ـ وفقهم الله لطاعته ـ على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا، على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم.
هل يليق بمن ينتظره أن يبخل بماله أو مشاعره أو معروفه؟ إن البخل يضيّق القلب، بينما الانتظار الصادق يربّي الإنسان على العطاء والإيثار.
فمن يبخل فهو متمسك بأغصان شجرة ملعونة فسوف ينتهي إلى أسفل السافلين، فلنراجع أنفسنا: هل أخلاقنا تقرّبنا من إمامنا، أم تصنع بيننا وبينه حجابًا؟
هل نبخل في نشر مظلومية ساداتنا الأطهار، ونتحلّى بأخلاقهم، أم أن حياتنا لا تزال أسيرة علوم نظرية لم تتحوّل إلى سلوك وعمل؟ فما قيمة أن نعرف فضائلهم ولا نتخلّق بها، ونروي مظلوميتهم.
فاطمة سلام الله عليها قدمت كل شيء لأجل امام زمانها ماذا نقدم نحن؟








اضافةتعليق
التعليقات