كيف يسمو الانسان ليصل الى مرحلة أن يخاطبه الامام المعصوم (عليه السلام) وينسبه إلى نفسه ويقول: شيخي، ومعتمدي و فقيهي؟
بالتأكيد وراء هذه الكلمات آلاف المواقف من سحق الأنا و الإطاعة والتسليم عند غض البصر عن المحرمات و ترويض النفس على التقوى و الابتعاد عن الشبهات والأمانة والوفاء بالعهد من قبل ابن بابويه لتخرج هذه الكلمات من ثنايا امامنا العسكري عليه أفضل الصلاة و السلام أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن الحسين ابن بابويه القمي ـ وفقك الله لمرضاته، وجعل من ولدك أولادا صالحين برحمته ـ بتقوى الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة…فاعمل بوصيتي، وأمر جميع شيعتي بما أمرتك به حتى يعملوا عليه.
وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبي صلى الله عليه وآله قال:
«أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج».
ولا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله، أنه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
فاصبر يا شيخي ومعتمدي أبا الحسن، وأمر جميع شيعتي بالصبر، فإن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء، والعاقبة للمتقين. والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته.
ولعل أعمق ما يستوقفنا في هذا التوقيع ليس كثرة الوصايا، وإنما تلك الكلمات التي سبقت الوصية: يا شيخي ومعتمدي وفقيهي، فكيف يبلغ الإنسان منزلة يخاطبه فيها إمامه بهذه اللغة؟
وكيف تصبح نفسه موضع اعتماد إمام معصوم؟
ومن هنا نصل إلى معنى أعمق في زيارة الجامعة الكبيرة؛ تلك الزيارة التي تعلّمنا كيف ننظر إلى أهل البيت عليهم السلام، وكيف نقف بين أيديهم بقلوبٍ عارفة بمقامهم. فنقرأ:
بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم ينزل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فإذا كان الإمام هو باب الهداية، والحجة على الخلق، والواسطة في إيصال أمر الله إلى عباده، فإن السؤال لا يعود: هل أعرف الإمام؟ بل يصبح: هل أنا أهلٌ لأن أكون من شيعته؟ وهل بلغ بي التسليم أن أكون موضع ثقةٍ في طريقه؟
وهنا يلتقي توقيع الإمام العسكري عليه السلام مع زيارة الجامعة في نقطة واحدة: الإمام لا يُعرف باللسان وحده، وإنما تُترجم معرفته في سلوك الإنسان وتسليمه وطاعته.
ولذلك لم يقل الإمام العسكري لابن بابويه: أنت عالمٌ فحسب، بل قال: شيخي ومعتمدي وفقيهي، ثم حمّله مسؤولية تتجاوز نفسه: وأمر جميع شيعتي بما أمرتك به حتى يعملوا عليه
فالعلم الذي لا يصنع طاعة للموالي لا يبلغ غايته، والمعرفة التي لا تغيّر صاحبها تبقى في حدود الكلمات.
ولعل هذا هو أحد أسرار الانتقال من معرفة الإمام إلى الانتماء إلى الإمام أن تتحول محبة أهل البيت عليهم السلام من شعورٍ في القلب إلى عهدٍ في السلوك، ومن كلماتٍ نتغنى بها إلى أوامر نمتثل لها.
ثم يأتي ختام التوقيع ليضعنا أمام الغاية الكبرى:
وعليك بالصبر وانتظار الفرج
وهنا تفتح لنا كلمات الإمام العسكري نافذةً على الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؛ فكأن الإمام العسكري لا يربي ابن بابويه على الصبر لمرحلةٍ عابرة، وإنما يربي شيعته على أن يكونوا أهلًا لعصر الغيبة والانتظار.
وهذا بالضبط ما يجعل زيارة الجامعة أكثر من زيارةٍ نقرأها؛ إنها مدرسة في معرفة الإمام، ومدرسة في معرفة أنفسنا أمام الإمام.
فبعد أن نقول: بكم فتح الله وبكم يختم
ينبغي أن نسأل أنفسنا: إذا كان هؤلاء أئمتنا، فأين أثر إمامتهم فينا؟
وإذا كنا ندّعي انتظار آخرهم، فهل ربينا في أنفسنا ما يجعلنا أهلًا لهذا الانتظار؟
فربما كان أعظم درس يتركه لنا الإمام العسكري عليه السلام أن الانتظار لا يبدأ من الغيبة، بل يبدأ من تهذيب النفس؛ وأن الطريق إلى الإمام الغائب يمر أولًا من باب الطاعة والتسليم وفي النهاية ندرك كم نحن أغنياء لأننا نملك هذه الكنوز العظيمة وننتمي إلى هؤلاء العظماء أهل بيتنا عليهم السلام معادن العلم والرحمة وتتضح لنا معنى التضحيات خلال هذه العقبات وكيف كانوا يقدمون أرواحهم في طبق الإخلاص للدفاع عن الدين أو لأجل زيارة سيد الشهداء عليه السلام مثلا أو في مواقف أخرى و لا زالت الشيعة تتحمل أنواع التعذيب و الجروح و الآلام لأجل الدفاع عن الكلمة فقد ينورنا كلام مولانا العسكري عليه السلام ويظهر الحقيقة التي نبحث عنها : الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا والقتل معنا خير من الحياة مع عدونا، ونحن كهف لمن التجأ إلينا ونور لمن استبصر بنا وعصمة لمن اعتصم بنا، من أحبّنا كان معنا في السنام الأعلى ومن انحرف عنا فإلى النار، فإذا كانوا كهفًا ونورًا وعصمةً، فهل صنعنا من أنفسنا قلبًا يستحق أن يكون من أهلهم، ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسكن في أعماقنا: إذا قال إمامنا يومًا: «شيخي ومعتمدي»… فهل يجد فينا أهلًا لهذه الكلمة؟








اضافةتعليق
التعليقات