لعل أقصى طموح تصل إليه المرأة في عالم الدنيا هو ما يعبرون عنه بأن تنال لقب (السيدة الأولى)، وعادة هذا اللقب يُحصَل باقترانها برجل يكون هو الرجل الأول في ذلك البلد، كقائدها أو حاكمها، ولكن القرآن الكريم يعطي للمرأة هذا اللقب بشكل مستقل، أي يمكنها أن تكون سيدة عالمها في الدنيا والآخرة على حد سواء، ويعطيها السبيل الذي يوصلها لذلك، ألا وهو العبادة.
فكما ذكر أحد الفضلاء بأنه "لا يوجد سبيل أفضل وأكمل وأضمن للمرأة في بناء ذاتها وصناعة شخصيتها مثل العبادة"؛ إذ العبادة هي حلقة وصل بينها وبين مصدر كل شيء تريد أن تكونه؛ لأنه المصدر الأصل لكل شيء، فهي تنقلها من الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمان، ومن الحاجة إلى الاكتفاء الذاتي، ومن ضيق الأفق إلى سعته، ومن المحدودية المادية إلى البصيرة التي تجعلها صاحبة نظرة بعيدة، تخرجها من حدود الأنا والأنانية، ومن التعلق بكل ما هو فاني إلى السعي الحثيث لطلب الباقيات.
بلى! العبادة مرآتها لترى أنها أمة لله تعالى، لا مخلوق مستقل بذاته، فتعيش أدواراً غير أدوارها، وتبحث عن نفسها وعن احتياجاتها في مصادر أخرى لا تغني، ولا تنفع من حيث الدوام والأثر الأبقى في وجودها الآن وبعد رحيلها.
السيدتان: فاطمة الزهراء ومريم العذراء انموذجاََ
ولمعرفة أكثر عن هذا السبيل نجد القرآن الكريم يقدم لنا نموذجاً لسيدة كانت اسماً على مسمى؛ سيدة أسمها مريم ومن معاني إسمها "العابدة"، فكانت نِعم الأمة لربها، فأول معالم صناعة شخصيتها كانت هي تعبدها في المحراب، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ثم: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، ثم جاء النداء لها: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ…﴾، وفي تراتبية هذه الآيات الثلاث إشارات تربوية مهمة لمن تريد أن تبني وجودها بالعبادة:
أولاً: العبادة حاجة دائمة وملازمة للإنسان في كل أحواله وحالاته، فالتي تريد أن تكون أمة صالحة وولية من أولياء الله تعالى ولها شأن ومقام، فإن بداية بناء ذاتها لذلك هي بالعبادة، وعندما تصل لذلك تحتاج العبادة أكثر لدوام هذا البناء وحفظه من الهدم أو التلف، فهي (عليها السلام) قبل أن يتم اصطفاؤها، كانت هي من أهل العبادة، ثم بعد أن تم اصطفاؤها أتى الأمر الإلهي لها بأن تكون أكثر عبادة لله تعالى.
ثانياً: العبد الحقيقي هو من يعبد الله تعالى لا لأجل مقام أو شرفية، فكلما كانت العبادة خالصة لله تعالى بالمعنى الخاص -أي لا تريد من تعبدها شيئاً سوى رضا الله تعالى- ستنال ما يختاره الله لها من الاصطفاء الخاص، فالسيدة مريم (عليها السلام) كانت تتعبد في المحراب لأنها أمة لله تعالى، وإخلاصها هو الذي أوصلها لهذه المنزلة الخاصة.
ثالثاً: التركيز على محورية العبادة في حياة العبد، قبل بناء وجوده الإنساني، وبعد أن يصبح نموذجاً للإنسان الكامل، كاشفة عن حقيقة ما ذكرناه بأن العبادة هي السبيل الأول والأضمن لبلوغ ذلك، ولهذا نجد أن السيدة مريم (عليها السلام) عندما كُلّفت بأصعب مهمة يمكن أن تُكلّف بها فتاة نجحت وأدّت مهمتها، حفظت المُرْسَل الذي حملته من غير أب، وبلّغت الرسالة التي أُرسلت من خلالها.
وهذا ما كان للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي وصفها الخاتم بـ "مريم الكبرى" بقوله (صلى الله عليه وآله): «يَا عَلِيُّ، هَذِهِ وَاللهِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، هَذِهِ وَاللهِ مَرْيَمُ الكُبْرَى...» (١)؛ فهي كما جاء في وصفها: "ما كان في الدنيا أعبد من فاطمة (عليها السلام)، كانت تقوم حتى تتورم قدماها" (٢).
فما قامت به السيدة الزهراء (عليها السلام) من أدوار وتكاليف كان كاشفاً عن معالم شخصيتها التي جمعت بين القوة في البيان والقوة في الجنان، الزهد في الفاني والبحث عن تحصيل ما هو بَاقٍ، بين الصبر على المكاره والخذلان ومواصلة الجهاد في سبيل إعلاء كلمة "لا إله إلا الله"، حتى ضحّت بنفسها لأجل حفظ مشروع الله في هذه الأرض؛ لذا تعالى اصطفاها وأصبحت سيدة على كل النساء.
حديث نبوي فيه إشارة وتنبيه وبشارة
عن النبي (صلى الله عليه وآله): "فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ صَلَّتْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَصَامَتْ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَحَجَّتْ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ، وَزَكَّتْ مَالَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، وَوَالَتْ عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدِي، دَخَلَتِ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ ابْنَتِي فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَإِنَّهَا لَسَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: ذَاكَ لِمَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، فَأَمَّا ابْنَتِي فَاطِمَةُ فَهِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَإِنَّهَا لَتَقُومُ فِي مِحْرَابِهَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَيُنَادُونَهَا بِمَا نَادَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا فَاطِمَةُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾" (٣)
أما الإشارة فهي إلى هذا السبيل الذي تُصنع فيه شخصية كل امرأة تريد أن تقتدي بسيدة نساء العالمين؛ إذ إن أربعة من أصل ستة أمور مفتاحية أوصى بها النبي كل امرأة هي مرتبطة بالعبادة، والباقي هي آثار مترتبة على العبادة أيضاً، فهو مفتاح نبوي (صلوات الله عليه) يوصل كل امرأة لتكون سيدة حقيقية كما يريد منها خالقها في هذا الوجود.
وأما التنبيه، فقد يُفهم موضوع السيادة بمعنى الاستقلالية خاصة في علاقتها واحتياجها الطبيعي الفطري للرجل، وهذا ما ينبّه له النبي؛ إذ ربط العبادات مباشرة بطاعة الزوج؛ لأنها وجه من وجوه طاعة الله تعالى، وجزء من كمالها وجمالها الأنثوي، فكون المرأة لها شخصيتها وقرارها ومواقفها لا ينفي أن تكون زوجة مطيعة وخاضعة للزوج بما يرضي الله تعالى.
وأما البشارة فهي نوال شفاعة سيدة الوجود، وهنا أيضاً علينا أن ننظر للوجه الآخر من فرصة الشفاعة، وهو أهمية هذه الأمور الستة؛ فنحن نعيش في زمن تعيش فيه المرأة بثلاث أصناف:
الصنف الأول: ترى هذه الأمور هامشية في حياتها، فلا تهتم بصلواتها وصيامها وطاعتها لزوجها وتزكية أموالها ومعرفة عقيدتها، فهذه ممن أضاعت فرصة الشفاعة الفاطمية التي بشرها بها النبي (صلى الله عليه وآله).
الصنف الثاني: من تقوم بهذه الأعمال وتراها وكأنها تحصيل حاصل، فتؤديها كيفما كان وبأي حال، بمعنى أنها مقصرة ومتعمدة كسلاً أو انشغالاً بالدنيا، فهي ممن قدمت الدنيا على الآخرة، فلم تجتهد في تطوير عباداتها ولا هي ممن تراقب حالتها الروحية، وليست ممن تطور معارفها الدينية، فهي أفضل حالاً من الصنف الأول ولكن ممن يُخشى عليها بأن لا تحصيل على هذه الشفاعة، وقد تعيش الحسرة يوم القيامة؛ لأنها لم تكن من المنتفعات من عباداتهم.
الصنف الثالث: وهو الصنف الذي يسعى للالتزام بما أوصى به النبي، فهي ممن تسعى وتطور وتجتهد لتكون أفضل في علاقتها مع ربها، وفي تزكية نفسها، ومعرفة إمامها، فهذه ممن ستنال ما بَشّر به النبي (صلى الله عليه وآله) نساء أمته.








اضافةتعليق
التعليقات