ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من اهتمّ لرزقه كُتِبت عليه خطيئة»(١).
ليس المقصود بالاهتمام هنا هو السعي والعمل وبذل الأسباب لتحصيل الرزق، وإنما المقصود هو التفكير السلبي الذي يلازمه الهلع، والهمّ، والغمّ، والقلق تجاه الرزق المقسوم والمعلوم عند الله تعالى؛ وقد جاء هذا الجزاء مناسباً لجنس الذنب؛ فالخطيئة هي ذنب ناتج عن انحراف فكري يتبعه سلوك لا يرضاه الله تعالى، ويكون عن قصد وتعمد؛ كما يتبين في قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:٥]، فالخطأ يقع من الإنسان بغير قصد ولا دراية، أما الخطيئة فهي -كما عبّرت الآية الكريم- {مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}.
إذ لا يوجد إنسان مسلم أو مؤمن يجهل حقيقة أن الله تعالى هو مقسم الأرزاق، فهو القائل سبحانه: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}[هود: ٦].
آية قرآنية تعالج هذا الهم ولكي لا تُكتب علينا خطيئة
قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚوَهُوَ السَّمِيعُ الْعليمُ} [العنكبوت: ٦٠].
تتضمن هذه الآية نوعاً من العتاب الإلهي لنا؛ فقد قدّمت ذكر (الدواب) -التي فضّلنا الله تعالى عليها بالعقل والكرامة وسخّرها لنا- مبيّنة أنها في مسألة الرزق أشد اطمئناناً وإيماناً بربها؛ فهي لا تحمل همّ رزقها بالمعنى المادي إذ تكتفي بقوت يومها ولا تدخره، وبالمعنى المعنوي فلا يدخل قلبها الخوف من الحصول على الرزق غداً أو في المستقبل.
والسبب في ذلك بسيط: أنها مرزوقة قد ضمن الله تعالى رزقها، وحصر وصوله إليها عن طريقه وحده لا شريك له، ولكن الكثير من البشر لم يصلوا بعد إلى هذه الدرجة من اليقين برازقية الله تعالى، ولا إلى هذا المستوى من التصديق بوعده وعدله!! إذ إن تقديم رزق الدواب على الإنسان جاء ليبين أنه إذا كان الله تعالى قد تكفل برزق هذه الكائنات ويسوقه إليها كل يوم، فمن باب أولى أن يتكفل بأرزاقكم ويوصلها إليكم.
ولذلك خُتمت الآية بإسمين من أسماءه الحسنى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فهو السميع: لكل أحوالكم، بما في ذلك شكوكم وظنونكم في الأرزاق، سواء ما ظهر منها بالقول أو ما خَفِي في الصدور من الهمّ والاهتمام، وهو العليم: بما تحتاجون إليه، وبمواضع ومقادير الأرزاق التي فيها نفعكم، وعليمٌ في الوقت نفسه بحسن ظنونكم أو سوئها.
إذن يكمن العلاج في تحقيق مقتضى هذين الاسمين الجليلين:
الأول: الاستحياء من سمع الله تعالى، أن نستحي من وساوس النفس وخوفها من فوات الرزق أو ضيقه أو العجز عن تحصيله، مع علمنا التام بأنه لن تخرج نفس من الدنيا حتى تستوفي رزقها المقدر لها. وفي الوقت ذاته، مواصلة الدعاء والطلب منه؛ فهو السميع المجيب، ومن مصاديق العبودية الإلحاح بالطلب على باب الرزاق.
الثاني: الاطمئنان لعلم الله تعالى، وبالثقة المطلقة أنه يعلم حوائجنا وما نحتاجه قبل أن نسأله، والتصديق التام بوعده الذي لا يُخلفه أبداً.








اضافةتعليق
التعليقات