عندما يأتي القرآن الكريم على ذكر قوم عاد يقول في حقهم: {أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ}(١)، إذ نحن أمام قوم يعيشون في مكان وُصف بأنه لم يُخلق مثله في القوة والعظمة، فلنا أن نتصور قوة من قاموا بتشييدها؛ ولذا نجدهم -أي قوم عاد- يصفون أنفسهم بقوله تعالى: {وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً …} (٢).
ومع ذلك، وقفوا عاجزين عن القضاء على نبي الله هود (عليه السلام) رغم فارق القوة المادية، وجلّ ما قدروا عليه هو المحاجة الواهية، قال تعالى: {قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} (٣).
أما سرّ ضعفهم وعجزهم أمامه، فهو توكله المطلق على ربه، كما في قوله تعالى: {قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّـهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّـهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} (٤). فهذا التوكل هو الذي فتح له باب النجاة وقطع دابرهم، كما قال تعالى: {فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ قَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ} (٥).
ثلاث علامات وثمرة
يبين لنا نبي الله هود (عليه السلام) في هذه الآية: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّـهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، مصادر قوته، وهمته، واستمراريته، وهي ترتكز على ثلاثة أسس:
الأول: التوكل، قال تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّـهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ}، فمن توكل على الله كفاه، ولم يحتج بعدها أحداً.
الثاني: اليقين بالهيمنة الإلهية، قال تعالى: {ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها}، فمن يعلم أن مصيره ومصير غيره بيد الله وحده لن يخشى أذى أحد. وإن كثرة الذين يتبعون أهل الظلم ويرضون بجورهم، تعود بالأصل لضعف في التوكل وثغرة في إيمانهم، فيصبح المرء إما خائفاً من القتل فيتبع الظالم، أو خائفاً على الرزق فيداهن الفاسد.
الثالث: اليقين بحسن الختام، قال تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فمن يعلم أن نهاية الطريق هي النعيم والجنان والرضوان الإلهي، هل يعقل أن يختار غيره؟ ومن يوقن أنه الرابح إن ثبت في الدنيا، هل يتأسف أو يتحسر على تلك الطرق المعوجة التي يُرغَّب فيها؟
وثمرة هذه الثلاثة أن يكون الإنسان قوياً، فخوراً، ومبتهجاً بانتمائه للحق لا العكس؛ فمن يتوكل على غير الله يضيق عيشه، ومن يخشى غير الله يمتلئ قلبه خوفاً، ومن لا يرى جمال السير على صراط الله تعالى سيتعب ويتعثر بالصراط المعوج، وفي الختام يُحشر مع الأخسرين أعمالاً.
السيدة زينب (عليها السلام) أنموذجاً
هذا النموذج القرآني لمعتقد نبي من أنبياء الله، تجسد حرفياً في عقيلة بني هاشم، مولاتنا الحوراء (عليها السلام)؛ فقد وقفت أمام حاكم جائر كان من السهل عليه قتلها مادياً، ولكنه لم يفعل، بل وقف عاجزاً وضعيفاً رغم جبروته وقوته التي كان يهابها رجال قومه قبل نسائهم.
هنا نفهم سر قوة السيدة زينب (عليها السلام) من منطقها القرآني في خطبتها التاريخية؛ إذ تقول: "فَكِد كَيدَك، واسعَ سَعيَك، وناصِب جهدَك، فواللهِ لا تَمحو ذِكرَنا، ولا تُميتُ وَحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحَضُ عَنكَ عارَها... وهل رأيُك إلا فَنَد، وأيّامُك إلا عَدَد، وشَملُك إلا بَدَد، يَومَ يُنادي المُنادي: ألا لَعنَةُ اللهِ عَلى الظّالِمين" (٥).
وهكذا حاكت بتحديها لطاغية زمانها توكل نبي الله هود (عليه السلام) ويقينه بالله تعالى الذي قابل به قومه، وانعجنت به، فصاغت لنا حكاية شموخ وإباء؛ فهي لم تنجُ ببدنها من القتل في ذلك المجلس فحسب، بل حَيِيَت وأحيَت القلوب.








اضافةتعليق
التعليقات