هل أكلتك الحيرة؟ هل تشعر أن عقلك أعجز من أن يحدد لك الصواب؟ هل عُرضت عليك وظيفتان لا تدري أيهما أنسب؟ هل تزاحمت في عقلك مميزات فتاتين لا تدري أيهما تتزوج؟ بل هل تعبت من درب الضياع وتريد أن يمن الله عليك بأن يدلك إلى طريق النور؟ أنت إذن مهيأ لبداية عهد جديد مع اسم الله «الهادي».
أنت تحتاج أن تتعرف إلى هذا الاسم العظيم، أن تسترشد الهادي سبحانه ليوقف في نفسك جيوش الحيرة، ويهديك إلى الصراط المستقيم، فإن الهداية أصلها اللغوي يدل على الميل، وكأن الهداية ميل عن الخطأ إلى الصواب وعن الضلالة إلى الرشد وعن التيه إلى الجادة، فهو سبحانه يهديك فيحرف مسارك عن الضلالة إلى الرشد، وعن الغواية إلى الطريق الأقوم، وكما أنه يهديك، فكذلك يهدي إليك، فيوصل الأشياء التي بها قوام حياتك إليك: يوصل الماء إلى الأرض التي تقطنها، ويوصل الغذاء إلى المكان الذي تعيش فيه، ويوصل الهواء إلى رئتيك، وهو يهدي جميع خلقه هدايات متعددة بحسبهم وبحسب أحوالهم:
فالأعمى هدايته أن يسير على الطريق، وهداية الأصم أن يفهم ما يقال، وهداية العاجز أن يصل إلى مبتغاه، وهداية الطفل أن يبعده عما يضره، وهداية العجماوات أن يغرز في نفوسها ما فيه قوام حياتها، فتعلم مصالحها فتأتيها، وتعلم مضارها فتتجنبها، وتعلم المخاطر فتقاومها، يهدي التائهين في الصحاري، ويهدي القارئ إلى موضع المعلومة، ويهدي المكتشف إلى الاختراع، ويهدي المجتهد إلى دليل المسألة، ويهدي الداعية إلى الأسلوب الأسلم، ويهدي الأب إلى الطريقة المثلى في نصح ابنه.
وهذه ليست صدفة!
يهديك بما تظنه صدفة: يهديك بآية تسمعها في صلاة، ويهديك برؤيا تراها، ويهديك بنصيحة عابرة، ويهديك بكلمة تقع عينك عليها في كتاب، ويهديك بتأمل، ويهديك بومضة غير مسبوقة بتفكير، ويهديك بظروف تدفعك إلى الصواب، ويهديك بالخوف، ويهديك بالحب، ويهديك بالموت، أما سماع القرآن فأصل الهدايات، ومن أعظم ما جعله الله سبباً لهداية عباده، فقد ضمن فيه كل أسباب الهداية والرشد، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، فيستحيل على عالم عامل بما في القرآن أن يصاب بزيغ أو انحراف أو نكوص!
ومن أشكال الهداية أن ترى رؤيا فيها شفاؤك أو تحذير لك أو إرشاد. يقال إن أحدهم كان مريضاً فرأى في منامه أن علاجه في «لا» و«لا»، فذهب إلى شيخ يسأله فقال: لا أدري ولكني أختم القرآن كل يومين، فأمهلني لعلي أجد شيئاً في القرآن أعبر به رؤياك. وبعد يومين جاءه وقال له: شفاؤك في زيت الزيتون، قال تعالى في سورة النور: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾، فهذه هداية برؤيا.
ومن أنواع الهداية التي تشبه الهداية بالرؤى الاستشفاء بعمل طاعات لها صفة قريبة من حال المرض! جاء رجل إلى أحد العلماء يشتكي الاستسقاء وهو مرض تتجمع بسببه السوائل في جسم الإنسان، فأوصاه أن يحفر بئراً ويوقفها، فحفر البئر فبرئ بإذن الله! رأى هذا العالم تشابهاً بين انحباس السوائل في الجسد وانحباس الماء في الأرض، فظن أن هذه الطاعة مشابهة لحال المرض، وأن الشفاء قد يكون فيها.
أحد الزملاء يخبرني أنه دهس ابنة أخيه ذات العامين بسيارته وهو ذاهب إلى الصلاة دون أن يدري، فهرع بها والدها إلى المستشفى والموت يلوح بين عينيها، والأطباء يخبرونه بأن نسبة موتها ثمانون في المئة! فاتصل ابن عم لهم بزميلي ناصحاً، وأوصاه بسرعة ذبح شاة والتصدق بلحمها بنية الشفاء، ففعل ما أوصاه به، فلم يأت الفجر إلا وقد أخرجت تلك الطفلة من العناية الفائقة! هدى الله سبحانه ابن العم إلى تناسب ما بين اللحم المتصدق به ولحم الطفلة المتهتك، فكان الشفاء من الله أصدق من توقعات الأطباء!
أما الهداية بنصيحة عابرة فيقال إن مغنياً كان حسن الصوت مر به أحد الصالحين فقال له: ما أجمل صوتك، يا ليته تغنى بالقرآن، فتاب ذلك الرجل من حينه! والهداية بالنصيحة أوسع وأوضح من أن تمثل لها.
وقد يهديك بالتأمل، ومن أوضح شواهد هذه الهداية قصة سيدنا إبراهيم والذي عندما جن عليه الليل رأى كوكباً، فهنا تأملات في آيات الكون كانت سبب هداية ويقين له عليه الصلاة والسلام.
يبصر من عليائه التائهين، يرى هضاب الضياع وقد التفت من حول أرواحهم، فيشعل لهم في الليل قبساً من نوره، فيرون به الطريق ويصلون إلى الجادة، لا يهديك لأنك فلان ابن فلان بل لأنه شاء أن يهديك: ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فتعرض بإصلاحك قلبك إلى تلك المشيئة الغالية، قد يهديك ثم لا تقوم بواجب تلك الهداية من شكر وعمل بمقتضاها فيسلبها منك مثل ذلك الرجل الذي آتاه الله آياته: ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وقد يهديك فتشكره وتعمل بمقتضى الهداية فيمن عليك بهداية أخرى فتشكره وتعمل بمقتضاها ثم يفضل عليك بهداية ثالثة ورابعة، ويجعل حياتك هدايات يمسك بعضها ببعض... فهؤلاء فتية الكهف هداهم بأن جعلهم مؤمنين، ثم هداهم أيضاً بأن جعلهم صابرين على إيمانهم، ثم هداهم بأن دلهم على طريق النجاة، ثم هداهم بأن هيأ لهم حالاً أنجاهم بها بأن ضرب على آذانهم في الكهف سنين عدداً، قال عنهم سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
في وسط الصحراء المظلمة لا تعلم أين تتوجه، وعدم معرفتك هذه تعني الموت المحتم، وفجأة تجد شعوراً ملحاً يأمرك أن تتجه إلى اتجاه معين، وليس لديك معرفة بالنجوم، وبوصلتك ضائعة، فتتجه إلى ذلك الاتجاه، وإذ بعينيك تلمحان بصيص نور، إنهم رفاقك هناك!
الآن حدثني عن ذلك الشعور؟ ما هي المعادلة التي جعلته يبزغ في تلك اللحظة؟ ولماذا جاء؟ وكيف كان دقيقاً إلى هذه الدرجة؟
لقد كان الله في تلك اللحظة يبصر اضطراب الرعب في قلبك، ويسمع وجيف فؤادك، فعلم تمثل الموت في نفسك، فأذن للوميض داخلك أن يشتعل لتحس بالطريق وتصل بسلام، والسؤال الأهم من جميع التفاصيل: من الذي قذف الهداية في روح قلقة، محتاجة إلى بصيص؟ إنه الهادي سبحانه، وفي وسط تلاعب الموج بسفينتك، يأمر الريح فتكون شمالية في تلك الساعة لأن جزيرة النجاة في الجنوب منك، ستتمزق أشرعة سفينتك لولا تلك الرياح التي قدرها الهادي سبحانه.








اضافةتعليق
التعليقات