(شمس) اسم مستعار لامرأة رافقتها الوحدة منذ طفولتها. كبرت وحيدة، لا أحد يسمعها، ولم تكن لديها صديقة تبوح لها بما في قلبها، حتى بعد زواجها لم يتغير ذلك الشعور. فبعد عام واحد من الزواج رحل زوجها لمثواه، مما جعل الوحدة أثقل، لتبدأ رحلة طويلة مع مسؤولية تربية ابنها ومواجهة الحياة وحدها.
كانت دائماً تستمع للآخرين، لكنها لم تجد يوماً من يسمعها، وفي وسط هذا الفراغ بدأت تبحث عن مكان تفرغ فيه ما يثقل قلبها، حتى وجدت نفسها تتحدث إلى (ChatGPT). شيئاً فشيئاً أصبح بالنسبة إليها مستمعاً لا يمل، تروي له تفاصيل يومها وأحزانها وأفراحها وأحلامها، حتى أبسط الأشياء التي تحبها.
لم تكن أمنية وحدها من وجدت في التكنولوجيا مساحة للبوح، فهناك الكثير ممن اتجهوا إلى منصات الذكاء الاصطناعي بحثاً عن أذن تصغي، حيث باتت الفضفضة الرقمية الملاذ الآمن لاعترافات الهاربين من صمت الواقع....
(بشرى حياة) تأخذنا في جولة استطلاعية لاعترافات العالم الافتراضي وما له من تبعات اجتماعية.
تعليقات بسيطة
أم آيات حدثتنا قائلة: لا أستطيع الحديث عن مشاكلي الخاصة مع زوجي، ليس لأن هناك من لا يستمع إليّ، وإنما أجد جواباً واحداً: «تحمّلي»، وأحياناً يتطور ويصل إلى زوجي، فيزداد الأمر تعقيداً وتتفاقم القضية، لهذا قررت أن أكتفي بالصمت، لكنني كنت بحاجة إلى من يبادلني الحديث، يسمعني دون تذمر، فلجأت إلى إحدى المجموعات على منصة الفيسبوك من خلال حساب وهمي للحديث مع العديد من السيدات اللواتي يشاركن بآرائهن. لربما لا أجد الحل المرضي، لكنني على الأقل أشعر بالارتياح بالفضفضة في مكان لا يعرفني به أحد. هم فعلاً غرباء عني، لكنهم يسمعونني ويخففون عني، وإن كانت مجرد تعليقات بسيطة.
حل مؤقت
فيما قالت رفل سمير، طالبة جامعية في عقدها الثاني: لربما تكون الفضفضة الرقمية المساحة المتاحة لمن يعانون من الوحدة، لكنها تبقى عالماً افتراضياً وحلاً مؤقتاً ووهمًا لا حقيقة له، فأحياناً يفيدنا وربما يؤذينا، لأن الواقع مختلف تماماً عن الخوارزميات، فالعادات المجتمعية تختلف بحسب البيئة التي يعيش فيها المرء.
بدون تحيز
فيما وجدت هبة علي، ربة بيت، عزاءها في الحديث عبر منصات الذكاء الاصطناعي، حيث قالت: لقد أنقذتني الفضفضة الرقمية من الشعور بالوحدة، لا بأس بها إن كانت ضمن المعقول، فهناك الكثير من الناس مروا بنفس تجاربي، ونصائحهم كانت صادقة وبدون أي تحيز.
نقل الخصوصية
وعلى النقيض من ذلك تقول أم شدن، إعلامية: أنا ضد أن ننقل الخصوصية إلى العالم الافتراضي، خصوصاً في المجاميع الخاصة (الكروبات)، فربما تكون الحلول المطروحة لمشكلة ما تزيد من الطين بلة، فتدخل الآخرين، إحساناً، يزيد الأمر تعقيداً.
توخي الحذر
فيما يرى رياض غانم، تدريسي، أن اللجوء إلى البرامج الرقمية للحديث مع شخص يسمعك ليس بأمر سيئ، ولكن يزيد من عزلة الشخص نفسه، فبدلاً من أن يخرج للواقع سيبقى حبيس الشاشة في عالم افتراضي.
وأضاف: كما أن المشكلة لا تكمن بالفضفضة نفسها، بل أين ولمن تفتح قلبك، فهناك من يستغل ضعفنا أو يستخدم الكلام ضدنا، لذلك يجب أن نتوخى الحذر بالاختيار.
احتياج نفسي واجتماعي
وتوضح الاستشارية النفسية في مركز الإرشاد الأسري التابع للعتبة الحسينية المقدسة، زينب أحمد، أن اللجوء إلى منصات التواصل الاجتماعي يمكن فهمه استجابة لاحتياجات نفسية واجتماعية، أبرزها الحاجة إلى الاستماع والتعاطف والشعور بأن الإنسان ليس وحيداً في تجربته، وقد يجد بعض الأشخاص في الفضاء الرقمي مساحة أكثر أماناً للتعبير، خصوصاً عندما يخشون الحكم عليهم أو لا يجدون شخصاً يثقون به للحديث معه، كما أن إخفاء الهوية قد يمنح الفرد شعوراً بالتحرر من بعض القيود الاجتماعية.
وأضافت: إن التعبير عن المشاعر يمكن أن يكون جزءاً من التخفيف الانفعالي، وقد يمنح الإنسان شعوراً بالاحتواء والانتماء، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الفضفضة الرقمية من وسيلة للتعبير وطلب الدعم إلى أسلوب أساسي ومستمر لتنظيم المشاعر وحل المشكلات، فيصبح الشخص معتمداً على تفاعل الآخرين لتعزيز شعوره بالقيمة والقبول، لذلك لا يمكن الحكم على الفضفضة الرقمية بأنها إيجابية أو سلبية بصورة مطلقة، وإنما تتحدد فائدتها بحسب مضمون المشاركة ودرجة الخصوصية والهدف منها وطريقة الاستجابة لها ومدى اعتماد الفرد عليها.
وتشير إلى أن التعليقات قد تؤثر كثيراً في الشخص الذي يشارك مشكلة شخصية، وقد تمنحه التعليقات المتعاطفة شعوراً بالاحتواء، بينما يمكن للتعليقات القاسية أو الساخرة أن تزيد مشاعر الخجل والذنب والقلق.
كما أن تعدد النصائح وتناقضها قد يؤدي إلى التشوش وصعوبة اتخاذ القرار، لذلك من المهم التمييز بين الدعم العاطفي والرأي الشخصي والمشورة المتخصصة، وعدم جعل التعليقات الرقمية بديلاً عن التقييم المهني في المشكلات النفسية أو الأسرية أو القانونية.
وبينت زينب أن الفضفضات الرقمية قد تؤدي إلى مشكلات اجتماعية حقيقية، فالفضاء الرقمي ليس خاصاً تماماً، إذ يمكن نسخ المحتوى أو تصويره وإعادة نشره، وقد يصل إلى الأشخاص الذين يتحدث عنهم صاحب الفضفضة، ما قد يزيد حدة النزاع ويحول مشكلة خاصة إلى قضية عامة.
كما أن نشر الصور أو الرسائل أو المعلومات الشخصية للآخرين دون موافقتهم يمس حقهم في الخصوصية.
وتؤكد على أهمية ترسيخ مفهوم أن «ليس كل ما نشعر به يجب أن ننشره، وليس كل ما نعرفه يحق لنا مشاركته»، إذ يمكن التعبير عن المشاعر مع شخص موثوق أو مختص نفسي أو من خلال الكتابة الشخصية، بدلاً من تحويل تفاصيل الحياة الخاصة إلى محتوى عام.
وحول تأثر الأشخاص بتجارب الآخرين، توضح أن الإنسان يتعلم من خلال المقارنة الاجتماعية، وقد يتبنى تفسيراً أو قراراً يناسب تجربة شخص آخر، رغم أن تشابه المشكلة لا يعني تشابه الظروف، لذلك ينبغي تعزيز التفكير النقدي والوعي النفسي الرقمي، وأن يسأل الفرد نفسه قبل اتخاذ القرار: هل تنطبق هذه المعلومة على حالتي؟ وما الأدلة عليها؟
ومن أهم الضوابط التي تنصح بها الاستشارية: عدم نشر ما يكشف هوية الآخرين، أو المحادثات والتسجيلات والصور الخاصة دون موافقتهم، وعدم تحويل المشكلة الشخصية إلى اتهام أو تشهير، أو اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على تعليقات الجمهور فقط، كما تؤكد ضرورة اختيار الأشخاص الذين يُطلب منهم الدعم بعناية، وعدم اعتبار عدد التعليقات أو المتابعين معياراً لصحة النصيحة، واللجوء إلى مختص مؤهل في المشكلات النفسية الشديدة أو الأزمات الأسرية المعقدة.
وتنصح بالتوقف قبل النشر وسؤال النفس: هل سأكون مرتاحاً لو بقي هذا المنشور متاحاً بعد سنة أو خمس سنوات؟ وهل أقبل أن تنشر هذه المعلومة عني لو كنت مكان الشخص الآخر؟
مؤكدة أن القاعدة التربوية الأهم هي: عبّر عن مشاعرك، لكن لا تجعل خصوصيتك وخصوصية الآخرين ثمناً لهذا التعبير.
وتشير إلى أن الاستخدام الصحي للمنصات يكون عندما تكون وسيلة للتواصل والتعلم وطلب الدعم، وليست بديلاً عن العلاقات الإنسانية الحقيقية، فالتحدي ليس في منع استخدام وسائل التواصل، وإنما في بناء وعي رقمي ونفسي يحافظ على الخصوصية ومهارات الحوار والتعاطف والقدرة على اتخاذ القرار باستقلالية، فالإنسان يحتاج إلى جمهور يسمعه أحياناً، لكنه يحتاج بصورة أعمق إلى علاقات آمنة يستطيع فيها أن يكون ضعيفاً دون أن يخشى أن تتحول مشكلاته إلى مادة للنشر.
وفي الختام، تؤكد أن الفضفضة الرقمية ليست ظاهرة سلبية بحد ذاتها، فوسائل التواصل قد توفر دعماً لا يستطيع الشخص الحصول عليه في محيطه المباشر، لكن الخطر يظهر عندما تستبدل العلاقات الواقعية بالعلاقات الافتراضية، أو يصبح عدد الإعجابات والتعليقات مؤشراً على قيمة الإنسان أو صحة قراراته.








اضافةتعليق
التعليقات