لا شيء يؤذي روح الإنسان ويعصرها ألماً أكثر من إحساسه بأنه يعيش في ظل قدرة قاهرة قوية مسلطة تسلطاً مطلقاً على كل شيء في وجوده تتحكم فيه بما تشاء.
ذلك أن الحرية — كما يقال — أغلى النعم، والإحساس بالعبودية أمرُ الآلام، إذ يرى الإنسان نفسه مسحوق الشخصية ممزق الإرادة تجاه تلك القوة المستبدة. فما هو إلا كخروف يجره الراعي الذي بيده نومه وطعامه وموته وحياته. وهذا الشعور يولد في أعماقه جمراً يتلظى وألماً عارماً... إلا أنه الألم المستسلم لقبضة الأسد الغضوب المتوحش حيث لا يجد أمامه سبيلاً للخلاص من تلك القبضة الجبارة التي تمسك بزمام أموره.
إلى هنا ونحن نفترض القوة المسيطرة تتمثل في إنسان جبار أو حيوان مفترس. أما لو افترضناها قوة غيبية هائلة تحكم الإنسان وتتحكم في مصيره من وراء الغيب المبهم، فإن الأمر سيتفاقم قطعاً، إذ تموت هنالك كل أحلام الخلاص.
هكذا إذن ولد هذا السؤال المتحير في ذهن كل إنسان امتلك الحد الأدنى من الإدراك الإنساني.
ترى هل أن هذه الحوادث الكونية تسير وفق مخطط صارم رسم لها من قبل دون أن يتطرق إليه أي تخلف أو استثناء؟
وهل هناك قوة خفية مطلقة تدعى (القضاء والقدر) تتحكم في كل الحوادث ومنها الإنسان وخصائصه وأعماله. أم أن الأمر على العكس من ذلك تماماً، فلا يوجد أي معنى من معاني السيطرة للماضي على الحاضر والمستقبل، فللإنسان حريته التامة في صياغة أنحاء سلوكه وتقرير مصيره، أم أن هناك احتمالاً ثالثاً في البين يجمع بين الاعتقاد بالقضاء كقوة مطلقة مسلطة على جميع الكائنات وبلا استثناء، والاعتقاد بحرية الإنسان فيما يعمل؟ ولو كان الأمر كذلك فكيف يمكن توضيحه وتوجيهه؟
ومسألة (القضاء والقدر) أو (تقرير المصير) من أشد المسائل الفلسفية غموضاً. وقد طرحت للبحث بين المفكرين الإسلاميين — لعلل خاصة سنذكرها — منذ القرن الهجري الأول. وكان للعقائد المختلفة التي أُبديت في هذا المجال دورها في النزاعات والتحزب وحصول الفرق والجماعات في العالم الإسلامي، مما كان لذلك — أي لحصول العقائد المختلفة والفرق المتعددة المبنية على أساسها — آثاره العجيبة خلال القرون الأربعة عشر.
الجانب العملي العام للمشكلة
ومع أن هذه المسألة ترتبط بعالم ما وراء الطبيعة، والفلسفة الإلهية، إلا أنها تندرج ضمن أهم المسائل العملية الاجتماعية لأمرين هما:
أ — التأثير البديهي لنوع التفكير الشخصي للباحث في هذه المشكلة على حياته العملية، ونوعية تعامله مع الأحداث.
بديهي أن الذي يعتقد أنه وجود مكبل، لا يملك من أمره شيئاً؛ يختلف روحية وسلوكاً عن الآخر الذي يعتقد أنه التحكم في مستقبله ومصيره.
فللمشكلة آثارها العملية والاجتماعية في حين لا نرى لكثير من المسائل الفلسفية مثل هذا التأثير في مثل مسائل: (حدوث العالم وقدمه) و (تناهي أبعاد العالم وعدم تناهيها) و (نظام العلة والمعلول وامتناع صدور الكثير من الواحد) و(مسألة عينية الذات الصفات في المبدأ الأول سبحانه وتعالى) وغيرها من المسائل التي ليس لها أثر عملي على سلوك الأفراد وشخصيتهم الاجتماعية.
ب — إتساع نطاق الاهتمام بالمسألة في الأذهان بمعنى أنها وإن كانت من المسائل المعقدة والمتطلبة حلولاً دقيقة لكنها تعد من المسائل العامة التي تطرح نفسها حتى في أذهان من لا حظّ لهم من التفكير في المسائل الكلية، إذ كل إنسان يتوق طبعاً لأن يشعر بدوره في صياغة مستقبله.
وهل أنه محكوم بقدر محتوم لا يمكنه أن يتخلف عنه في مسيره في الحياة فلا اختيار له مطلقاً مثله مثل قشة في عاصفة، أم أن الأمر ليس كذلك وأنه يستطيع أن يعين مسيره في الحياة؟
ولهذين الجانبين يمكن ضم هذه المسألة إلى المسائل العملية والاجتماعية...
ولكن الذين بحثوا المسألة قديماً لم يهتموا بهذا الجانب إلا قليلاً وصبوا اهتمامهم على الجانب الفلسفي والكلامي منها فقط في حين خالفهم الباحثون اليوم فصبوا اهتمامهم الكبير على الجانب العملي الاجتماعي منها.
وها نحن نلمح بعض المنتقدين للإسلام يعتبرون مسألة القضاء والقدر ورأي الإسلام فيها — كما فهموه — من أكبر عوامل انحطاط المسلمين.
وهنا يمكن أن يثور سؤال على هذا الأساس فيقول:
إن كان الاعتقاد بالقضاء والقدر سبباً للركود والانحطاط الفردي والاجتماعي فلماذا لم يكن واقع المسلمين الأوائل كذلك؟ ولم تكن هذه المسألة مطروحة في التعاليم الإسلامية الأولى وفي أصل العقيدة — كما يدعي بعض الأوروبيين — أم أن شكل اعتقادهم بالقضاء لم يكن يتنافى مع حرية الإنسان ومسؤوليته تجاه ما يعمله؟ بمعنى أنهم في نفس الوقت الذي اعتقدوا فيه بالقدر وعموميته اعتقدوا أيضاً بأن المصير يمكن تغييره وتبديله وأن الإنسان قادر على ذلك ولو كان لديهم مثل هذا النمط من التفكير فكيف يمكن توضيحه؟
وإذا قطعنا النظر عن نوع الاجتهاد الذي أُعمل في فهم المشكلة قديماً وجب أن نلتفت.
أولاً: إلى منطق القرآن الكريم في هذه المسألة.
ثانياً: إلى ما وصلنا من الرسول الأعظم (ص) وأهل البيت (ع).
ثم: نحاول التعرف على نوعية الرأي المنطقي الذي ينبغي اختياره.
الآيات القرآنية
تصرح بعض الآيات الكريمة بالقضاء والقدر ونفوذه المطلق، وأن أية حادثة كونية لا بد أن تكون مسبوقة بمشيئة إلهية، وأنها قد رسمت من قبل في كتاب مبين وهي من قبيل:
«ما أصاب من مصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفُسِكُم إلا في كتابٍ من قبلِ أن نبَرأَها إنَّ ذلكَ على اللهِ يسيرٌ». (الحديد)
«وعندَهُ مفاتِحُ الغيبِ لا يعلَمُها إلا هوَ ويعلَمُ ما في البرِّ والبحرِ وما تسقُطُ من ورقةٍ إلا يعلَمُها ولا حبةٍ في ظُلماتِ الأرضِ ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبينٍ». (الأنعام)
«يقولونَ هل لنا من الأمرِ من شيءٍ قل إنَّ الأمرَ كُلَّهُ للهِ يخفونَ في أنفُسِهِم مالا يبدونَ لكَ يقولونَ لو كانَ لنا من الأمرِ شيءٌ ما قُتلنا ههُنا قل لو كُنتم في بيوتِكُم لبرزَ الذينَ كُتبَ عليهِم القتلُ إلى مضاجِعِهِم». (آل عمران)
«وإن من شيءٍ إلا عندَنا خزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بقدرٍ معلومٍ». (الحجر)
«قد جعلَ اللهُ لكلِّ شيءٍ قدراً». (الطلاق)
«إنا كلَّ شيءٍ خلقناهُ بقدرٍ». (القمر)
«فيُضِلُّ اللهُ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ». (إبراهيم)
«قل اللّهمَّ مالِكَ الملكِ تُؤتي الملكَ من تشاءُ وتنزِعُ الملكَ ممّن تشاءُ وتُعِزُّ من تشاءُ وتُذِلُّ من تشاءُ بيدِكَ الخيرُ إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ». (آل عمران)
أما الآيات الدالة على كون الإنسان مختاراً في عمله ومؤثراً في مستقبله ومصيره، وله أن يغيره، فهي من قبيل:
«إنَّ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسِهم». (الرعد)
«وضربَ اللهُ مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقُها رغداً من كلِّ مكانٍ فكفرت بأنعُمِ اللهِ فأذاقَها اللهُ لباسَ الجوعِ والخوفِ». (النحل)
«وما كانَ اللهُ ليظلِمَهُم ولكن كانوا أنفُسَهُم يظلِمونَ». (العنكبوت)
«وما ربُّكَ بظلامٍ للعبيدِ». (فصلت)
«إنا هديناهُ السَّبيلَ إما شاكراً وإما كفوراً». (الدهر)
«فمن شاءَ فليُؤمن ومن شاءَ فليكفُر». (الكهف)
«ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحرِ بما كسبت أيدي الناسِ». (الروم)
«ومن كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها». (الشورى)
«من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً». (الإسراء)
وهناك آيات أخرى يمكن أن تضم إلى الطائفة الأولى أو الثانية.
وقد اعتبرت هاتان الطائفتان متعارضتين في نظر غالب علماء التفسير والكلام فنحن لا نملك إلا أن نؤول احداهما بحيث تنسجم مع مفاد الأخرى فنقبل النتيجة.
ومنذ منتصف القرن الأول حيث وجد المسلكان الفكريان في هذه المسألة نهضت جماعة تؤيد حرية الإنسان واختياره فأولت آيات الطائفة الأولى وعرفت بـ (القدرية) في حين أيدت جماعة أخرى جانب التقدير الغيبي الصارم المتحكم فأولت آيات الطائفة الثانية وعرفت بـ (الجبرية).
ولكن هاتين الجماعتين اندكتا في فرقتين كلاميتين كبيرتين هما (الأشاعرة والمعتزلة) وقد تبنت كل فرقة — ضمن ماتبنت من آراء كثيرة — أحد المسلكين، فأيَّد الأشاعرة الجبرية، في حين احتضن المعتزلة (القدرية).
كلمة «القدرية»
ويجب أن نلفت الأنظار هنا إلى أننا استعملنا مصطلح (القدرية) لأولئك الناصرين لحرية الإنسان اتباعاً لما هو المعروف في اصطلاح علماء الكلام، ولما هو المراد عند اطلاق هذه الكلمة في الروايات — غالباً — . وإلا فإن كلمة (القدرية) قد تطلق ويراد بها — على ألسنة المتكلمين وفي بعض الروايات — الجبريين.
والواقع أن كلاً من أولئك المؤيدين للجبر، القائلين بالتقدير العام، وأولئك المؤيدين للحرية، النافين لدور القدر في الأفعال الإنسانية؛ كانوا يتجنبون هذه الكلمة؛ ويسمون الطرف الآخر بها. وسرُّ ذلك أنه روي عن الرسول الأكرم (ص) ما مضمونه «القدرية مجوس هذه الأمة» ولذا فالجبريون يقولون: إنَّ (القدرية) هم منكروا التقدير الإلهي في حين يَرُدُّ مخالفوهم قائلين: إن (القدرية) هم أولئك الذين يردون كل شيء حتى أعمال الإنسان للقضاء والقدر.
وربما كان السبب في شيوع اطلاق كلمة (القدرية) على منكري التقدير هو:
أولاً — رواج وشيوع المذهب الأشعري بحيث صَيَّر المعتزلة أقلية تجاه الأكثرية الأشعرية.
ثانياً — تشبيه القدرية بالمجوس. والمعروف عن المجوس أنهم يحددون التقدير الإلهي بما يسمونه (الخير) أما الشر فخارج عن التقدير الإلهي، وأن فاعله هو مبدأ شيطاني أسموه (أهرمن).








اضافةتعليق
التعليقات