قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الأعراف (الآية 199)
هذه الآية الكريمة ترسم منهجاً متكاملاً في التعامل مع الناس: عفوٌ لا يصدر عن ضعف، وأمرٌ بالمعروف لا ينفصل عن الإصلاح، وإعراضٌ عن الجاهلين لا يعني الاستسلام لهم، بل يعني الارتفاع عن الانفعال والانتقام.
ومن أعظم من جسّد هذا المنهج في حياته رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله). فقد جاء إلى مجتمعٍ أثقلته الثارات والعصبيات والانتقامات، فعمل على بناء إنسانٍ جديد ومجتمعٍ جديد، يقومان على الرحمة والإنصاف وصيانة الكرامة الإنسانية. ومن هنا لا يكون الحديث عن التسامح حديثاً أخلاقياً هامشياً، بل هو حديث عن ركنٍ من أركان بناء الأسرة والمجتمع.
التسامح ليس ضعفاً ولا تنازلاً عن الحق
كثيراً ما تختلط مفاهيم العفو والصفح والحلم والتسامح، مع أنها متقاربة وليست شيئاً واحداً.
فالعفو هو أن يتجاوز الإنسان عن إساءةٍ وقعت في حقه، مع قدرته على المؤاخذة. والصفح درجة أرفع؛ لأنه لا يقتصر على إسقاط العقوبة، بل يتجاوز إلى ترك اللوم والتعيير. أما الحلم فهو ضبط النفس عند الغضب، وأما التسامح فهو أن يقبل الإنسان وجود الاختلاف، وأن يتعامل مع الآخرين بالعدل والاحترام، ما دام ذلك لا يعني التخلي عن الدين أو الكرامة أو الحقوق.
ولهذا فإن التسامح في الإسلام ليس دعوة إلى الخضوع للظلم، ولا إلى تبرير الإساءة، ولا إلى ترك المعتدي يكرّر عدوانه. إنما هو تهذيب للنفس عن الانتقام الأعمى، مع بقاء الحق محفوظاً، وإقامة العدل قائما. فالإنسان قد يعفو عن حقه الشخصي ابتغاء مرضاة الله وإصلاحاً للعلاقة، لكنه لا يملك أن يتسامح في حقوق الآخرين، أو يضيّع حق مظلوم، أو يتغافل عن خطر يهدد أمن المجتمع.
وهذا المعنى يظهر بوضوح في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر حين قال:
«فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ» (2).
فالحاكم القوي، والأب القادر، وصاحب الموقف، هم أحوج الناس إلى خلق العفو؛ لأن القدرة إذا لم ترافقها الرحمة تحولت إلى قسوة، والرحمة إذا لم ترافقها حكمة تحولت إلى فوضى.
الرسول (صلى الله عليه وآله): رحمة في موضعها، وعدل في موضعه
لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعو إلى التسامح بالكلمات فقط، بل حوّله إلى واقعٍ حيّ في أشدّ المواقف ألماً. ففي الطائف، بعد أن لقي الأذى والسخرية والرمي بالحجارة، لم يكن همه أن ينتصر لجرحه الشخصي، بل أن يبقى باب الهداية مفتوحاً أمام قومه. لقد كان قلبه أكبر من الإساءة التي واجهها؛ لأن صاحب الرسالة ينظر إلى الإنسان لا إلى لحظة سقوطه فقط، بل إلى إمكان نهوضه وتوبته.
وفي فتح مكة تجلّى هذا الخلق بأجلى صوره. عاد الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة التي أخرجته وآذت أصحابه وحاربته سنوات طويلة، ولكنه دخلها منتصراً متواضعاً، ولم يجعل النصر مناسبة للانتقام الجماعي. لقد فتح باب الأمان، وأثبت أن الغاية من القوة ليست إذلال الخصم، بل إيقاف الظلم وفتح الطريق أمام الهداية والإصلاح.
وهنا تظهر عظمة المنهج النبوي: لم يكن عفوه (صلى الله عليه وآله) إلغاءً للمسؤولية، ولم تكن رحمته تهاوناً مع الخيانة أو العدوان، لكنه كان يفرّق بين من يصرّ على الظلم، ومن يرجع إلى الحق، وبين الحق الشخصي الذي يمكن أن يعفو عنه، والحق العام الذي يحتاج إلى عدلٍ يحفظ المجتمع.
ومن المواقف الدالة على ذلك قبوله (صلى الله عليه وآله) توبة من عاد إليه نادماً، كعبد الله بن أبي أميّة، الذي كان من أشد الناس إنكاراً له قبل إسلامه، ثم جاء طالباً القبول، ففتح له الرسول (صلى الله عليه وآله) باب العودة. وهذا درس عظيم لنا: لا يجوز أن نحكم على الإنسان بأن يبقى أسيراً لماضيه إذا صدقت توبته وتغيّر سلوكه.
الأثر النفسي للتسامح
الإنسان الذي يحمل الحقد في قلبه يعيش في سجنٍ داخلي؛ يعيد الإساءة في ذاكرته، ويغذّي غضبه، ويستهلك طاقته في التفكير بالانتقام. أما العفو الواعي فيحرره من هذا الأسر، ويمنحه قدرةً أكبر على ضبط الانفعال، والنظر إلى المواقف بعقلٍ أهدأ.
ولا يعني ذلك أن يطلب الإنسان من نفسه أن تنسى الألم فوراً، أو أن يتظاهر بأن الإساءة لم تقع. فبعض الجراح تحتاج إلى وقت، وبعض العلاقات تحتاج إلى حدودٍ واضحة، وربما تحتاج إلى إصلاحٍ واعتذارٍ وضمانات حتى تعود الثقة. لكن المهم أن لا يسمح الإنسان للغضب أن يتحول إلى حقدٍ دائم يحكم نظرته إلى الحياة والناس.
والتسامح مع النفس أيضاً لا يعني تبرير الذنب أو التهوين منه؛ بل يعني أن يرفض الإنسان اليأس وجلد الذات. فإذا أخطأ تاب، وإذا قصّر استدرك، وإذا أساء أصلح ما استطاع، ثم يبدأ من جديد. فالمؤمن لا يقيم في خطئه، ولا يجعل خطأه سبباً للقنوط، بل يحوّله إلى طريقٍ للنضج والرجوع إلى الله.
الأثر الاجتماعي للتسامح
المجتمع الذي تتحكم فيه روح التشفي مجتمعٌ سريع التمزق؛ لأن كل خطأ فيه يولّد خطأً آخر، وكل إساءة تستدعي إساءةً مضادة. أما حين تسود ثقافة العفو المنضبط والاعتذار الصادق والإصلاح، فإن الأسرة تُحمى من القطيعة، وتُحفظ الصداقة من الانهيار، وتُمنح العلاقات فرصةً للنمو بعد الخطأ.
ومن هنا فإننا نحتاج إلى هذا الخلق في بيوتنا قبل أن نطالب به في المجتمع الكبير: بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء، وبين الإخوة والأرحام، وفي مجال العمل، وفي الاختلافات الفكرية والمذهبية. إن اختلافنا لا يبرر الإهانة، وخطأ الآخر لا يمنحنا الحق في التشهير به، وخصومتنا معه لا تبيح لنا ظلمه.
وقد علّمنا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن الناس لا يخلون من الخطأ والزلة، فقال في عهده لمالك الأشتر:
«يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإ» (3).
فليس المطلوب أن نبحث عن مجتمعٍ بلا أخطاء، فهذا غير ممكن، وإنما المطلوب أن نبني مجتمعاً يعرف كيف يعالج الخطأ من دون إذلال، ويحاسب من دون تشفٍّ، ويعفو عندما يكون العفو طريقاً للإصلاح.
وختاما إن ثقافة التسامح التي نشرها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ليست شعاراً عاطفياً، بل منهج حياة: رحمةٌ بلا ضعف، وعدلٌ بلا قسوة، وعفوٌ لا يضيّع الحقوق، وقوةٌ لا تتحول إلى انتقام.
فلنسأل أنفسنا: هل نعفو في أسرنا عند القدرة؟ هل نعرف الفرق بين حفظ الحق وحمل الحقد؟ هل نفتح باب الرجوع لمن يعتذر ويصلح؟ وهل نربي أبناءنا على أن الكرامة لا تعني القسوة، وأن القوة الحقيقية هي القدرة على السيطرة على النفس؟
إن الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) يبدأ من هذا الموضع: أن نحمل في قلوبنا رحمةً واعية، ونقيم في حياتنا عدلاً رحيماً، ونكون سبباً في إصلاح القلوب لا في زيادة جراحها.






اضافةتعليق
التعليقات