كم مرّة لامست قدماك الثرى وأنت في مهدك تحاول استراق خطواتك الأولى؟
وكم تكرّر عثارك، وتعدّدت كبواتك، حتى استقام لك المسير وأصبحتَ تمشي على الأرض بتمكّن وثبات؟
أكان طموحك ذاك جنوناً؟ بل كان فطرة بشرية، سار على نهجها كلُّ من دبَّ على هذهِ الأرض من أجيال لا يحصى عدّها. فكل طفل ينهض بعد كلّ سقوط، مصمماً على المضيّ قُدُماً حتى يُتقن فنّ المشي.
ولكن، عجباً لحال الكبار! فما إنْ يتعثر الواحد منهم في طموح، أو يخبو بريق محاولة أو اثنتين، حتى ينكفئ على نفسه زاهداً، متوقفاً، ومتخلّياً عن حلمه في منتصف الطريق. قلةٌ فقط أولئكَ الذين يمتلكون عزم الطفولة، ويصرّون على المضيّ حتى بلوغ غاياتهم.
حقيقة الأزمة ومعناها
يمرّ الإنسان في دروب الحياة بأزمات لا تنفكّ تباغته؛ فقدُ عزيز يعتصر القلب، أو كبوة مالية تعصف بالاستقرار، أو زوال منصب كان مصدر فخر. والأزمة في لغتنا هي الشِّدّةُ والقحطُ، وهي المأزق؛ ذلك الممرّ الضّيق بين جبلين شاهقين، حيث تضيق الرؤية ويحتدم الصراع.
إنَّ الأزمة حالة من اللاحتواء وعدم الاستقرار، تداهم المرء بغتة دون نذير، فتحدث صدمة نفسية وتوترا يربك ردود الأفعال.
وتتنوع مشاربها بين صحية، واجتماعية، ومادية، قد تصيب الفرد أو تعمّ الأسرة.
فمن الأزماتِ الصحية: مرض عضال يحلّ بأحد الأفراد، فيتحول منزل الأسرة إلى بؤرة من التوتّر والقلق.
ومن الأزمات المادية: كخسارة ربّ الأسرة في صفقة كبرى، حين يشعر أنّ مجهوده يتلاشى أمام اتّساع الخسارة.
إدارةُ الأزمات: مفتاح النَّجاة
الحياة في جوهرها ميزان؛ نكسب فيها ونخسر، نأخذ ونعطي، وتأخذ منّا في مسارها زهرة العمر وتفاصيل ثمينة. والناجحون -أفراداً كانوا أو أُسراً- هم الذين لا يستسلمون لثقل الأزمة، بل يديرونها بحكمة ليحوّلوها من محنة إلى منحة.
يؤكدُ علماء النَّفس أنّ نسبة كبيرة - تصل إلى سبعين بالمئة- من طالبي العلاج، يكمن عجزهم في عدم قدرتهم على تجاوز أزماتهم الشَخصية. لذا، فإنَّ الإدارة الرّشيدة للأزمة هي خطوتك الأولى نحو التّعافي. وكما قال أحد حكماء الطبّ الحاصلين على جائزة نوبل: إنَّ الذين يعجزون عن مواجهة الأزمات، إنَّما يموتون كمداً في ريعان شبابِهم.
لماذا تعجز الأسر عن مواجهة أَزماتها؟
إنَّ صمود الأسرة في مهبّ رياح الأزمات ليس أمراً مقدوراً عليه بالصدفة، بل هو نتاج تماسك بنيويّ ومهارات مكتسبة. وحين تتساءل: لم تتداعى بعض الأسر أمام النّوائب؟ فستجدُ الإجابةَ في خمس ثغورٍ تَفتكُ بكيانِها:
١. غياب لغة التّواصل البنّاء:
إنّ الحوار هو شريان حياة الأسرة، وحين ينقطع أو يتوارى خلف جدران الصّمت أو التّجاهل، تفقد الأسرة بوصلتها. فكثير من الأفراد يفتقرون إلى مهارة الإنصات الواعي الذي يتجاوز حروف الكلمات إلى فهم مقاصد الأفعال ولغة النّفوس، مما يحوّل مائدة الحوار إلى ساحة من الغربة الروحية.
٢. التعثر في طيّ صفحات الخلاف:
تتفاقم المشكلات وتتعقد حين تعجز الأسرة عن معالجة نزاعاتها القديمة؛ فبدلاً من الحوار المثمر، يلجأ الأفراد إلى التّحاشي أو التّراشق، مما يبني تراكمات من مشاعر القهر. والخطر الحقيقيّ يكمن في التوارث السلوكي؛ إذ ينشأ الأبناء على نهج آبائهم في كبْت المشاعر وتجنّب المواجهة، فترتطم الأسرة بجدار صلد من الجمود يعصف بإنتاجها ويقوض طموح أفرادها.
٣. القصور في مهارات معالجة الطّوارئ:
تغدو الأزمة عصيّة على الحلّ حين ينعدم الاتفاق حول هويّتها وحجم خطورتها. فخلاف أفراد الأسرة على تحديد أولوياتِهم وتعيين مواطن الخلل، يجعلهم كسفينة بلا قبطان، يجهلون مصدر العاصفة وكيفية الإبحار بريشها إلى برِ الأمانِ.
٤. جوع النّفوس إلى الدعم العاطفيّ:
الأسرة هي الملاذ الأول والأساس الذي يستمد منه الفرد قوّته لمواجهة الحياة. وحين تفتقر إلى هذا الملاذ، يشعر الأطفال والكبار بالتّيه، إذ ليس من السّهل على المرء أن يستجدي السّكينة والدعم من خارجِ داره. هذا الافتقار ينعكس ضعفاً في التَّحصيل الدراسيِّ وانهياراً في الاستقرار النَّفسي.
٥. الفوضى في توزيع المسؤولياتِ:
حين تغيب الشّفافية في تحديد مهامّ كلّ فرد، تعمّ الفوضى، ويحلّ مسلسل تبادل الاتّهامات محلّ التّعاون. وتستبدل روح الفريق بالتحالفات والصّراعات الداخلية، مما يفرز بيئة مسمومة تقضي على قدرة الطفل على بناء صورة ذاتية إيجابية، وتنتزع منه اعتزازه بنفسه، وتعطل تطوّر مهاراته الاجتماعية التي بها يعبر إلى المستقبل.
في مدرسة عاشوراء: كيف تدار الأزمات؟
حين تدلهمّ الخطوب وتحاصر الأزمات كيان الأسرة، ينقسم النّاس في ردّات فعلِهم إلى منهجين: فئة تختار الإنكار هروباً من واقع مرير، وفئة تنتصب للمواجهة المنهجية، واعية بأنّ ركون الإنسان إلى السّكينة لا يكون إلا بقبول التّحديات ومجابهتها بوعي وبصيرة.
١. النظرة الايجابية.. ما رأيت إلا جميلاً:
يتساءل المتأمّل في كلمات السيدة زينب (عليها السلام) يوم عاشوراء: أين يكمن الجمال في ركام المآسي؟ والحقُّ أن هذا القول لم يصدر عن عدم، بل عن بصيرة نافذة لم تر في كربلاء سلبية القتل، بل رأتْ فيها:
- سموَّ الغاية: لم تر السيدة زينب خيانة أهل الكوفة فحسب، بل أبصرت في المقابل معادن الرّجال الأوفياءِ كحبيب وزهير، وأرواحاً تعالت نحو ملكوت السَّماء.
- نور الشهادة: لم تكن مشاهد الدماء تحجب عن نظرها ريح الجنّة، ونياشين الخلود التي تتوّج بها الشُهداء.
- عزّة الموقف: كانت ترى ملحمة الوفاء من إخوتها، وتضحيات أُمّ البنين، وصبر الحرائر في مواجهة أعتى العواصف؛ إيماناً منها بأنّها في مهمة رِسالية مقدَّسة، لا في طلب لمغنم دنيويّ أو منصب زائل.
يعلّمنا هذا أنّ جمال وايجابية الرؤية مهارة نفسية؛ فالمؤمن الحقيقيُّ هو من يبحث عن نقاط الضّوء في ظلام النوازل، ويدرك أنَّ من استطاع حفظ رباطة جأشه وسط المحن، تحوّل إلى إنسانٍ أكثر تسامحاً، وأعمق حبّاً، وأصدق رجاء.
٢. الإدارة الواعيةُ للأزماتِ:
إنَّ من شيم المروءة ألّا نجعل من الأزمة مقصاً نقصّ به كلّ جميل في حياتنا، بل علينا أن ننظر إلى الموقف بنظرة الكأس الممتلئ. ومن أهمّ ركائز الإدارة الأسرية الواعية:
- خلق فضاء آمِن للحِوار: حين يلجأُ الابن إليكِ بمشكلة، فإنّ سيل اللوم والتّوبيخ (ألم أَقُل لك..؟ سأخبر والدَكَ..!) يعدُ حكماً بالإعدام على الثّقة. إنَّ الموقف الصّحيح هو أن استقبال قلقه بفرحٍ، واشعاره بلسان الحال والمقال: أنا هنا لأجلك، فأنت الأهمّ، وهذه العاصفة ستمضي.
- فصل السُّلوك عن الشخص: قد يقع الابن في خطأ جسيم، كضعف التّحصيلِ أو الانجراف نحو مغريات ضارّة، وهنا تكمن الحكمة في بيان الرفض للفعل، مع الحفاظ على مكانته في القلب؛ مؤكّدة له أنّ الحياة محطات، وأنّ مطباتِها لا تعني نهاية الطّريق.
إنَّ الإيمان برحيل الأزمات، والسّعي الدَّؤوب لترميم النّفوس بدل الانشغالِ بـتبادل اللوم، هو سرُ صمود الأسر النّاجحة
السيدة زينب والدعم النفسي
في ذروة المواجع، وحين كانت الأرواح تتفطر كمدا، نهضت السيدة زينب (عليها السلام) بمهمة جسيمة، لا يقوى على حملها إلا أولوا العزم من النفوس؛ فقد كانت هي الملاذ، وهي السكينة، وهي الركن الذي تأوي إليه النفوس المنكسرة. لم تكن تكتفي بالدعوات العامة، بل كانت تمارس فقه المواساة الفردي؛ تجمع الصغار، وتضم النساء، وتمسح على القلوب بكلماتها التي كان لها وقع البلسم الشافي.
لقد تجلى هذا الدور الرفيع في خطابها للإمام السجاد (عليه السلام) في غداة الحادي عشر من محرم، حين رأته يكاد يقضي نحبه من شدة الحزن والانكسار. فحين نطقت: (لَا يُجْزِعَنَّكَ مَا تَرَى فَوَ اللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) إِلَى جَدِّكَ وَ أَبِيكَ وَ عَمِّكَ...) لم تكن تلقي كلمات للعزاء، بل كانت تسكب اليقين في روحه، وتذكره بالميثاق الإلهي العظيم، وتستشرف له خلود منار الحسين (عليه السلام) الذي لن تمحو السنون أثره. لقد كان هذا التسكين الزينبي درعا وقائيا نفسيا، يقول بعض العلماء إنه كان بمثابة طوق النجاة الذي منع انطفاء روح الإمام (عليه السلام) أمام ثقل المصاب الجلل.
الحكمة في الرعاية:
لم تغفل حكمتها وادارتها عن أدق التفاصيل، ففي مشاهد السبي الأليمة، حيث القيود والارتحال القسري، كانت تدير أمور النساء والأطفال ببصيرة القائد المحنك، إذ كانت تنصحهم بصوت مليء بالحب والحرص: "إذا بكيتم، فابكوا بهدوء كي لا تقعوا عن مطاياكم". لم تكن تنهاهم عن البكاء، فالبكاء منفذ للفطرة، ولكنها كانت تعلمهم فن الحفاظ على الذات وسط المأساة، محذرة من فقدان التوازن الذي قد يؤدي بهم إلى السقوط أو الهلاك.
3. التسليم لله والرضا بقضائه
إن ركن الإيمان الأقوى الذي يستند إليه الفرد والأسرة في لظى الأزمات، هو التسليم المطلق لله تعالى. فالتسليم ليس استسلاما لليأس، بل هو أعظم مهدئ نفسي يبدد مخاوف النفوس؛ إذ يشعر المرء -كطفل يضع ثقته في أبيه- بأن زمام أمره بيد رب رحيم لا يخيب من لاذ به.
لقد ضرب لنا بيت النبوة أروع الأمثلة في هذا المقام؛ فكان الإمام الحسين (عليه السلام) يلهج في طريق التضحية بكلمات التفويض: "صبرا على قضائك يا رب، لا إله سواك". وكذا كان قول الإمام الباقر (عليه السلام) بعد وفاة ابن له: إنا أهل بيت نسأل الله عز وجل فيعطينا، فإذا أراد ما نكره فيما يحب رضينا.
أسرة وهب والتسليم
تتجلى روعة هذا التسليم في قصة أسرة وهب بن حباب الكلبي. حين التقى الإمام الحسين (عليه السلام) بتلك العائلة البسيطة في صحراء الثعلبية، زرع في روحها بذرة الهداية، فما كان منهم إلا أن سارعوا بقلوب مسلمة لتلبية النداء.
كانت أم وهب نموذجا للتسليم الصادق؛ فبدلا من أن تستوقف ابنها عن الجهاد، دفعته نحو خلود الشهادة بين يدي إمام زمانه، مؤكدة أن المقام أعلى من حب البقاء.
وعلى المنوال ذاته، كان موقف زوجته هانية؛ التي انتقلت من مقام الشفقة الشخصية إلى مقام النصرة الرسالية، فما إن سمعت نداء الحسين (عليه السلام): أما من ناصر ينصرنا؟ حتى تزلزلت أعماقها، وتحولت من مشجعة على البقاء إلى مطالبة بالبذل والفداء، معلنة بصوت الثبات: لن أعود حتى أموت معك.
ما أحوج أسرنا اليوم إلى هذا التسليم! فكم من انفعالات حادة، وتوترات لا طائل منها، تدمر سكينة البيت لعدم القدرة على قبول أقدار الله بقلب راض. إن التسليم هو المظلة التي تقينا من حرارة الغضب والاحتراق النفسي، وهو القوة التي تمكننا من تجاوز الأزمات لا بالتذمر، بل بالرضا والعمل الصالح الذي يقربنا من مرضات الله.
4. الإيمان واليقين والتسليم
في شخصية السيدة زينب كان الإيمان واليقين هو المستوى الراقي لهذه الشخصية في مقام المستوى الكبير للأولياء، فهي البذرة الصالحة الكبيرة التي جسدت في كربلاء السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بقوتها وعظمتها وهيبتها، وجسدت في كربلاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ببلاغتها وخطابها وشجاعتها وصمودها.
والإيمان هو المؤشر الأول والبداية الأولى كي يكون الإنسان شخصية جيدة، وبعد الإيمان تصل إلى اليقين الذي هو قمة الإيمان، فالإنسان الذي يكون على مراتب في شخصيته وفي نموه، يكون أعلى مستويات الإيمان هو اليقين، ومن اليقين ينبثق التسليم المطلق لله سبحانه وتعالى والرضى بقضائه، حيث واجهت السيدة زينب (عليها السلام) في كربلاء تلك المواقف الجليلة المأساوية.
وقفت حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وابنة أمير المؤمنين العقيلة زينب على جثمان أخيها الحسين (عليه السلام) الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها إلى السماء وهي تدعو بحرارة قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان)، وهذا هو الإيمان واليقين والتسليم المطلق لأمر الله سبحانه وتعالى، ففي هكذا موقف جليل ويسلم انسان نفسه لله سبحانه وتعالى، فهذا يعبر عن عظمة هذه الشخصية وقوتها.
بعض الناس عندما يواجه مواقف صعبة في حياته ينهار ويستسلم، ولا يبقى على قوته وصموده، إلا الصالحين والأولياء، والأئمة والرسل، لذلك وقفت السيدة زينب بقوة وتماسك وهذا الإيمان والتماسك يقف خلفه اليقين وقوة التسليم.




اضافةتعليق
التعليقات