اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة موجة رقمية جديدة تُعرف بـ "تريند الثمانينات"، حيث تحولت صور المستخدمين العادية إلى بورتريهات ذات طابع عتيق تحاكي الحقبة الماضية بملابسها، وألوانها، وتسريحات شعرها الشهيرة، وذلك باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ورغم الطابع الترفيهي البحت الذي يغلف هذه المشاركات، إلا أنها تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات خطيرة حول أمن المعلومات والخصوصية الرقمية.
وتتزامن هذه الموجات الرقمية مع تطور متسارع في قدرات التوليد البصري عبر الذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت تتيح للمستخدمين إنتاج صور عالية الجودة بدقة متناهية وفي ثوانٍ معدودة وقد استغل المطورون والمنصات التقنية هذا الشغف لإطلاق فلاتر وقوالب جاهزة تحاكي حقبة زمنية غنية بصرياً وفنياً كـ الثمانينية بألوانها الصارخة وأجوائها السينمائية المميزة، مما يجعلها مادة خصبة وسهلة الانتشار لجذب الانتباه والتفاعل السريع.
سبب المشاركة الواسعة وحنين الناس إلى تلك الفترة أو كما يُعرف بمصطلح (النوستالجيا) إذ يعاني الكثيرون في العصر الحالي من ضغوط الحياة الرقمية المتسارعة والأزمات اليومية، مما يخلق حاجة نفسية ملحة للهروب نحو الماضي وهي ظاهرة تُعرف بـ "النوستالجيا"، وتمثل حقبة الثمانينات في وجدان الكثيرين رمزاً للبساطة والدفء الإنساني والفني الأصيل، يمنح هذا التريند المستخدمين فرصة تخيل أنفسهم في زمن آخر، مما يحقق إشباعاً عاطفياً مؤقتاً عبر استدعاء ذكريات طفولة أو صور عائلية قديمة بصيغة عصرية مبهجة.
المفارقة اللافتة هي إقبال مواليد جيل زد الذين لم يعاصروا حقبة الثمانينات من الأساس على المشاركة بكثافة، ويعود ذلك إلى طبيعة هذا الجيل المتفاعلة مع الترندات البصرية السريعة على منصات مثل تيك توك وإنستغرام بالنسبة لهم، لا تتعلق المشاركة بالاستحياء من الماضي، بل بالمحاكاة الساخرة والتجربة البصرية المبتكرة، والرغبة في الاندماج الاجتماعي الرقمي والانتماء للمجتمع الافتراضي الذي يتفاعل مع نفس الحدث في نفس اللحظة.
خطورة هذه التقنية على البيانات الشخصية
الخطورة الكبرى تكمن في كون الصور الشخصية المعالجة رقمياً تحوّلت من مجرد لقطة عابرة إلى بيانات بيومترية دقيقة، لأن الوجه البشري ليس كلمة مرور يمكن تغييرها عند التسريب بل هو هوية فريدة وثابتة، تخزين هذه الصور في قواعد بيانات شركات غير معروفة يعرض المستخدمين لمخاطر انتحال الهوية، واستخدام صورهم في توليد محتوى مزيف (Deepfake)، أو تسهيل عمليات الاحتيال المتقدمة التي تستهدف أفراد العائلة مستقبلاً.
تتم عملية اختراق بياناتنا خلال مشاركة صورنا عبر آليات عدة خفية:
• استخراج الخصائص الحيوية: تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بمسح ملامح وجهك، أبعاد عينيك، زوايا فكك، وتخزينها كبصمة رقمية.
• بيانات البيانات (Metadata): غالباً ما تحوي الصورة المرفوعة معلومات خفية تفضح موقع التقاطها، توقيتها، ونوع الجهاز المستخدم.
• الصلاحيات الخفية: تطلب بعض التطبيقات الوهمية صلاحيات واسعة للوصول إلى استوديو الصور بالكامل، قائمة الأصدقاء، أو جهات الاتصال بمجرد الموافقة على شروط الاستخدام الطويلة التي لا يقرؤها أحد.
حيث لا تقدم الشركات هذه الخدمات مجاناً للترفيه العبثي؛ فالهدف الأساسي هو التدريب والتطوير، تُستخدم ملايين الصور الحقيقية والمتنوعة للبشر لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التعرف على الوجوه بدقة أكبر، وتطوير خوارزميات محاكاة الواقع. كما تهدف الشركات لتكوين ملفات تعريفية دقيقة (Digital Profiles) عن المستخدمين والتي تُعد كنزاً اقتصادياً يُستفاد منه تجارياً أو يُباع لأطراف ثالثة لأغراض التسويق والإعلانات الموجهة.
والسؤال هل تؤثر هذه البيانات المسربة على الإعلانات التي تظهر لنا؟
نعم، بشكل مباشر ومؤثر لأن البيانات التي تُستخلص من صورك وتفضيلاتك الرقمية (مثل اهتماماتك، فئتك العمرية المستنتجة، وحتى تفاصيل بيئتك المحيطة الظاهرة في خلفية الصورة) تُغذّي خوارزميات الإعلانات المستهدفة، هذا ما يفسر ظهور إعلانات دقيقة للغاية لمنتجات أو خدمات كنت تحدثت عنها أو بحثت عن شبيهاتها بصرياً، حيث تصبح صفحتك الشخصية مساحة إعلانية مصممة خصيصاً لنمط حياتك النفسي والبصري.
إن الترفيه الرقمي والترندات البريئة الظاهر تبدو ممتعة وسريعة، لكن الثمن الحقيقي غالباً ما يُدفع من خصوصيتك، لذا قبل أن تضغط على زر التحميل والمشاركة في المرة القادمة، تذكر أن وجهك هو أغلى ما تملك، وحمايته تبدأ بلحظة وعي قصيرة قبل مشاركته مع العالم الرقمي المفتوح.
ما هي التدابير الاحترازية التي تتبعها عادةً قبل منح أي تطبيق جديد صلاحيات الوصول إلى صورك الشخصية؟
لحماية الخصوصية الرقمية وتأمين البيانات الشخصية من مخاطر الاستغلال التقني واختراق الخصائص الحيوية، يُنصح دائماً باتباع منظومة متكاملة من التدابير والخطوات الاحترازية الصارمة قبل منح أي تطبيق جديد إذن الوصول إلى الصور أو الملفات:
1. قراءة شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية والابتعاد عن سياسة الموافقة العمياء الناتجة عن التسرع.
2. مراجعة وتعديل صلاحيات التطبيق (Permissions) من خلال اعتماد مبدأ الوصول المحدود بدلاً من منح التطبيق صلاحية الوصول الكامل والكامل (Full Access) إلى معرض الصور بالكامل، واستثمار ميزات أنظمة التشغيل الحديثة (مثل اختيار صور محددة فقط يسمح للتطبيق برؤيتها، وحجب باقي الاستوديو تماماً).
3. التحقق من موثوقية جهة التطوير والجهة الناشرة: التأكد من أن التطبيق صادر عن شركة تقنية رسمية ومعروفة ولها سمعة موثوقة في حماية البيانات، وتجنب التطبيقات المجهولة التي تظهر فجأة وتزول بسرعة مع انتشار الترندات، مراجعة تقييمات المستخدمين الآخرين والتعليقات التقنية لكشف أي شكاوى تتعلق بانتهاك الخصوصية أو جمع بيانات مريبة.
4. تجنب مشاركة البيانات الحساسة والمعلومات الوصفية (Metadata) تفادي رفع الصور التي تظهر فيها تفاصيل شخصية دقيقة، أو وثائق، أو خلفيات تكشف مكان السكن أو العمل، والحرص أحياناً على إزالة البيانات الوصفية (مثل الموقع الجغرافي ووقت التقاط الصورة) باستخدام أدوات تنظيف البيانات البسيطة قبل مشاركتها خارجيًا.
5. الاستفادة من أدوات الحماية وإلغاء التثبيت الفوري من خلال الاعتماد على التطبيقات التي تتم معالجة الصور فيها محلياً على الجهاز (On-Device Processing) دون إرسالها إلى خوادم خارجية سحابية، والتخلص السريع من التطبيق وحذف الحساب المرتبط به فور انتهاء الغرض الترفيهي المؤقت (مثل تجربة الترند)، مع سحب كافة الصلاحيات الممنوحة له من إعدادات الهاتف.








اضافةتعليق
التعليقات