في أروقة العلاج النفسي الحديث، ينشأ مفهوم النيروجرافيك (NeuroGraphica) أو العلاج العصبي بالفن، كجسره مبتكرة تدمج بين علم الأعصاب ومبادئ علم النفس الإيجابي والفن التعبيري. ابتكر هذا الأسلوب المعماري والعالم النفسي الروسي بافيل بيسكاريف عام 2014، ليكون أداة بصرية تهدف إلى إعادة تشكيل المسارات العصبية في الدماغ لمساعدة الأفراد على تجاوز التوتر ومواجهة التحديات النفسية.
يقوم النيروجرافيك على فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، أي تحويل التوتر والمشاعر الصامتة إلى خطوط حرة ومخططات بصرية على الورق، يبدأ ممارس هذه التقنية برسم خطوط عشوائية تُسمى الخطوط النيروجرافية، وهي خطوط عضوية انسيابية تشبه شكل الخلايا العصبية (النيورونات) وشبكات الشرايين في الجسم.
يكمن السر العلمي في خطوة جوهرية تُعرف بـ تدوير التقاطعات؛ إذ يطلب المنهج تحويل كافة الزوايا الحادة والتقاطعات المتشابكة على الورقة إلى منحنيات ناعمة ودائرية. تفسر النظرية النفسية هذه العملية بأن الدماغ يترجم الحواف الحادة كرموز للصراع أو الخطر، بينما تُترجم الأشكال المنحنية والملساء كرموز للسلام والتكامل. عند تدوير هذه التقاطعات يدويًا، يدخل العقل في حالة من التأمل النشط تساهم في تهدئة اللوزة الدماغية (Amygdala) وتخفيف استجابة التوتر.
ومن الفوائد النفسية لهذا التطبيق هو إعادة التشكيل العصبي من خلال المساهمة في تحفيز اليد عبر حركات غير مكررة مع نوايا مركزة في تحفيز المرونة العصبية للدماغ، مما يساعد على كسر أنماط التفكير السلبية القديمة، كما أنه يعمل على خفض مستويات الكورتيزول حيث تشير الدراسات السلوكية إلى أن الانخراط في الرسم التعبيري لمدة 45 دقيقة يخفض بشكل ملحوظ مستوى هرمون التوتر في الجسم، إضافةً إلى التعبير غير اللفظي إذ يتيح الأسلوب للممارسين معالجة الصدمات والمشاعر التائهة دون الحاجة لصياغتها في كلمات محددة، مما يجعله مثاليًا لمن يجدون صعوبة في العلاج الكلامي التقليدي.
قدمت الدراسة الموسومة بـ (The Effectiveness of Neurographic Art Media in Improving Emotion Regulation Among Final-Year University Students) في جامعة Maharani Devi Puspitasari شرحت هذه الدراسة عن تأثير النيروجرافيك على التنظيم الانفعالي للطلاب الجامعيين، خلال السنة الدراسية الأخيرة في الجامعة وهي شريحة تعاني بشكل خاص من مستويات مرتفعة من القلق والضغط النفسي الناتج عن متطلبات التخرج والتخطيط للمستقبل المجهول. شملت العينة 16 طالبًا وطالبة تم اختيارهم استنادًا إلى حصولهم على درجات منخفضة في مقياس التنظيم الانفعالي. قُسّم المشاركون لمتابعة أثر الجلسات التدخلية القائمة على تقنية النيروجرافيك للتحقق من مدى قدرة هذا الفن العصبي على إحداث فارق ملموس في صحتهم النفسية.
قبل البدء بالجلسات، أظهرت القياسات المبدئية باستخدام مقياس صعوبات التنظيم الانفعالي (DERS-16) وجود عجز واضح لدى الطلاب في التعامل مع المشاعر السلبية وتوجيه السلوك نحو الأهداف عند التعرض للضغط. بعد خضوع المشاركين لجلسات رسم النيروجرافيك الموجهة، أظهرت التحليلات الإحصائية (Paired Sample t-Test و Wilcoxon Signed Rank Test) انخفاضًا حادًا ودالًا إحصائيًا في مشاعر الاضطراب ارتفعت قدرة الطلاب بشكل ملحوظ على استيعاب مشاعرهم وتقبلها وتعديل استجاباتهم النفسية للضغوط، أوضحت النتائج أن التحسن في الاستقرار الانفعالي ألقى بظلاله مباشرة على الإنتاجية الأكاديمية واليومية للطلاب؛ فبينما كان التوتر يعيق قدرة العينة على إنجاز مشاريع التخرج ويؤدي إلى التسويف الإدراكي، أتاح لهم تصفية الذهن عبر الرسم استعادة التركيز الإيجابي، والقدرة على إعادة تنظيم الوقت، وتجاوز العقبات الذهنية التي كانت تعطّل إنتاجهم العلمي.
أما الدراسة الثانية (Reduction of Cortisol Levels and Responses to Stress Through Art Making) الاستجابة البيولوجية العصبية وانخفاض هرمون التوتر عبر الفن، استهدفت هذه الدراسة الإمبيريقية فئة البالغين في بيئة العمل والحياة اليومية للتحقق من التأثير الفسيولوجي المباشر لصناعة الفنون التعبيرية والعصبية. تكونت العينة من 39 بالغًا تراوحت أعمارهم بين 18 و59 عامًا. تمت مراعاة تنوع المهارات الفنية داخل المجموعة، حيث شملت العينة أفرادًا لا يملكون أي خبرة سابقة في الرسم أو الفن، إلى جانب آخرين لديهم ممارسة متوسطة، وذلك لضمان أن التأثير ناتج عن العملية العلاجية نفسها وليس المهارة الفنية.
حيث تم قياس مستويات هرمون الكورتيزول أو هرمون التوتر الأساسي في الجسم عبر أخذ عينات من اللعاب فورًا قبل البدء بجلسة صنع الفن التعبيري والنيروجرافي وبعد 45 دقيقة من الممارسة المستمرة. كشفت النتائج عن انخفاض بيولوجي ملحوظ ومفاجئ في مستويات الكورتيزول لدى 75% من المشاركين بعد الجلسة مباشرة. وأشارت التحليلات الإحصائية إلى أن هذا الانخفاض حدث بشكل مستقل عن المهارة الفنية السابقة أو الجندر، مما يثبت أن الانخراط في التشكيل البصري يُحدث استجابة استرخاء فسيولوجية سريعة داخل الجهاز العصبي، إذ يرتبط انخفاض مستوى الكورتيزول بنسبة 75% بشكل مباشر برفع الكفاءة والإنتاجية الذهنية. ينقل هذا التغير الفسيولوجي الدماغ من حالة الكر والفر (Flight or Fight) التي تستهلك الطاقة في القلق المفرط وتشتت الانتباه إلى حالة الصفاء الذهني. انعكس ذلك على المشاركين في صورة زيادة القدرة على حل المشكلات الكبيرة، وارتفاع مستوى الإبداع، وتقليل الاحتراق النفسي (Burnout)، مما يمنح الأفراد طاقة أكبر للاستمرار في أداء مهامهم اليومية بكفاءة عالية.








اضافةتعليق
التعليقات