تُعدّ المنظومات البيئية المائية، وخاصة الأنهار، شبكات معقدة تعتمد على التوازن الدقيق بين مكوناتها الحية وغير الحية. وفي الآونة الأخيرة، أثارت المبادرات المجتمعية لإطلاق البط وأسماك الزينة أو الأسماك المستزرعة في الأنهار مثل نهر دجلة تساؤلات علمية جوهرية حول التأثير الحقيقي لهذه الكائنات على صحة المجاري المائية، وما إذا كان هذا التأثير إيجابياً أم يحمل في طياته مخاطر بيئية.
وأبطال هذا الترند عراقيين يحبون بلدهم، يتسابقون على شراء حيوانات واطلاقها مثل بنت تشتري الطيور وتخرجها من الأقفاص، إضافةً إلى إنزال مئات من أفراخ السمك وحتى سرب كامل من البط بالأنهار، وهدف هذا الترند إعاده الحياة لأنهارنا خصوصًا بعد ارتفاع مناسيب المياه، وينصح أصحاب الخبرة اطلاق أفراخ البط البري وليس المنزلي، لأن المنزلي فرص نجاته قليلة جدًا نظرًا لضعف بنيته واحتياجاته لأمه لكن البري سلوكه وغذاءه وتكوينه متكيف على الطبيعة بالتالي نسبة نجاته أعلى للنجاة.
أما بالنسبة لتأثير الأسماك على صحة الأنهار، فهي تؤدي دوراً محورياً كحجر زاوية في الحفاظ على صحة الأنهار، وتأثيرها يكون إيجابياً للغاية عندما تكون الأنواع محلية (Native Species)، بينما يتحول إلى سلبي وكارثي إذا كانت الأنواع دخيلة أو غازية (Exotic/Invasive Species).
ومن الآثار الإيجابية للأنواع المحلية فهي تساهم في ضبط التوازن البيولوجي؛ حيث تتغذى على الطحالب الزائدة والحشرات مثل يرقات البعوض، مما يمنع ظاهرة اليزق أو التثري الغذائي التي تؤدي إلى نقص الأكسجين وموت الأحياء المائية. كما تشكل فضلاتها مصدراً للمغذيات النباتية الطبيعية، وتحرك الرواسب القاعية مما يجدد أكسجين القاع.
والأثر السلبي للأنواع الغازية مثل الكارب الشائع في بعض البيئات، أو أسماك الزينة الشرهة يؤدي إلى تدمير السلسلة الغذائية، لأن هذه الأسماك تنافس الأنواع المحلية على الغذاء والمأوى، وتلتهم بيوضها، وتنقل أمراضاً وفطريات لم تكن موجودة في النهر سابقاً، مما يؤدي إلى تدهور التنوع البيولوجي.
وينطبق المبدأ نفسه على الطيور المائية كالطبيعة الإيكولوجية للبط، حيث يختلف التأثير بناءً على طبيعة الطائر بري أم منزلي وكثافته العددية، فالأثر الإيجابي في الحالات الطبيعية كالبط البري بمستويات متوازنة يساهم في تنظيف الأنهار من خلال التغذي على النباتات المائية الطفيلية، الحشرات، والحلزونات التي قد تنقل أمراضاً مثل البلهارسيا، كما تساعد حركة البط في المياه على تهوية الطبقات السطحية.
ويكمن الأثر السلبي في إطلاق البط المنزلي أو المستأنس بكثافة عالية في فضلاته الغنية جداً بمركبات الفسفور والنيتروجين وعندما تزداد هذه المركبات عن الحد الطبيعي، تسرّع من نمو الطحالب السامة وتستهلك الأكسجين المذاب، علاوة على ذلك، يفتقر البط المنزلي لمهارات البقاء الطبيعية، ويموت غالباً في النهر، مما يحول جثثه إلى مصدر للبكتيريا وتلوث المياه ويتسبب في نقل أمراض مثل إنفلونزا الطيور وكوليرا الطيور إلى الحياة البرية.
ختماً يعد تأثير إطلاق البط والأسماك مشروط؛ فهو إيجابي وبنّاء إذا تم التخطيط له علمياً عبر إطلاق أسماك برية محلية وبأعداد مدروسة تتناسب مع القدرة الاستيعابية للنهر، وهو سلبي وخطير إذا تم بطريقة عشوائية عبر إدخال أنواع مستأنسة أو غريبة، مما يهدد بتدمير النظام البيئي بدلاً من إحيائه.








اضافةتعليق
التعليقات