عندما ننظر إلى الملايين من المؤمنين وهي تزحف لزيارة الأربعين، يخطر في ذهننا سؤال أمام هذا الحدث العظيم: ما السر الذي جعل زيارة الأربعين تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتبقى شعيرةً حاضرةً في قلوب المؤمنين المتوجهين لزيارة سيد الشهداء، كسيولٍ بشريةٍ متدفقةٍ من جميع أصقاع العالم؟
هنا يأتي الجواب، ونتأكد بأن كربلاء لم تنتهِ باستشهاد الإمام الحسين، بل كانت بدايةً لرسالةٍ جديدة، فالصوت الذي أراد الأعداء أن يُخمد بقي حاضرًا عبر القرون، وتحولت واقعة الطف من حدثٍ في التاريخ إلى قضيةٍ تحمل معاني الحق والكرامة. وهذه القيم هي من الأمور التي أعطت هذه الزيارة مكانةً خاصة؛ لأنها تمثل ارتباطًا روحيًا بالإمام الحسين عليه السلام، واستحضارًا لقيم التضحية والثبات في مواجهة الظلم، إضافةً إلى بعدها التاريخي بوصفها امتدادًا لرسالة كربلاء الخالدة.
وإن هذا الحضور المليوني في زيارة الأربعين ليس نابعًا من العاطفة وحدها، بل يستند إلى أساسٍ ديني دلت عليه النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، لهذا حظيت هذه الزيارة بمكانةٍ خاصة بين سائر الزيارات.
فزيارة الإمام الحسين من المستحبات المؤكدة في كل وقتٍ وحين، ويتأكد استحبابها في بعض المناسبات كزيارة عاشوراء، والنصف من شعبان، وليلة الجمعة.
وزيارة الأربعين هي من الزيارات المستحبة، وقد عقد الشيخ الحر العاملي في الوسائل بابًا أسماه: «باب تأكد استحباب زيارة الحسين يوم الأربعين من مقتله، وهو يوم العشرين من صفر».
وقد حرص عليها الشيعة، وأكدوا على هذه الشعيرة؛ لأنها من علامات المؤمن، فقد روى الشيخ المفيد والشيخ الطوسي، قالا: روي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام أنه قال: «علامات المؤمن خمس: صلاة الإحدى والخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم».
وإذا تتبعنا النصوص، نرى بأنها لم تقف فقط عند بيان مكانة زيارة الأربعين، بل رسمت للزائر أيضًا صورة الزيارة الكاملة بما تتضمنه من حضور القلب، وآداب الدعاء، والتوجه التام إلى الله تعالى، حتى يعيش هذه التجربة الروحية بكمالها.
وقد روى الشيخ الطوسي بإسناده عن صفوان الجمال، قال: قال لي مولاي الصادق في زيارة الأربعين: «تزور ارتفاع النهار، وتقول: السلام على ولي الله وحبيبه...»، وذكر الزيارة إلى أن قال: «وتصلي ركعتين، وتدعو بما أحببت، وتنصرف».
وبعد أن تبيّن لنا الروايات آداب الزيارة، تنقلنا إلى الحديث عن آثارها، وما أعده الله تعالى لزائري الإمام الحسين عليه السلام من الثواب الجزيل والكرم الإلهي لزائر الإمام الحسين عليه السلام، بحيث يقر الله عز وجل عين المؤمن بقضاء حوائجه في الدنيا والآخرة، وكشف الغموم والهموم، وغفران الذنوب، وقضاء الحوائج، غير أن قبول الزيارة مرتبط بإخلاص النية لله تعالى.
فلقد قال أبو عبد الله عليه السلام: «مَن زارَ قَبرَ الحُسَينِ للَّهِ وفِي اللَّهِ، أعتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ، وآمَنَهُ يَومَ الفَزَعِ الأَكبَرِ، ولَم يَسأَلِ اللَّهَ تَعالى حاجَةً مِن حَوائِجِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ إلّا أَعطاهُ».
وعن عاصم بن حميد الحناط، قال: سَأَلتُ جَعفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ عَن زِيارَةِ قَبرِ الحُسَينِ؟ فَقالَ: «يا عاصِمُ! مَن زارَ قَبرَ الحُسَينِ وهُوَ مَغمومٌ أذهَبَ اللَّهُ غَمَّهُ، ومَن زارَهُ وهُوَ فَقيرٌ أذهَبَ فَقرَهُ، ومَن كانَت بِهِ عاهَةٌ فَدَعَا اللَّهَ أن يُذهِبَها عَنهُ أذهَبَها عَنهُ، وَاستُجيبَت دَعوَتُهُ، وفُرِّجَ هَمُّهُ وغَمُّهُ، فَلا تَدَع أن تَأتِيَهُ، فَإِنَّكَ كُلَّما أتَيتَهُ كُتِبَ لَكَ بِكُلِّ خُطوَةٍ تَخطوها عَشرُ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عَنكَ عَشرُ سَيِّئاتٍ، وكُتِبَ لَكَ ثَوابُ شَهيدٍ في سَبيلِ اللَّهِ أُهريقَ دَمُهُ، فَإِيّاكَ أن تَفوتَكَ زِيارَتُهُ».
ونرى كيف لم يقتصر الحديث في الروايات على فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام، بل اهتمت أيضًا بتفصيلٍ مهم من تفاصيل هذه الزيارة، وهو المشي، وأكدت على فضله والثواب الكبير عليه؛ لما فيه من تعبيرٍ صادق عن المحبة والولاء، وتحمل التعب والصعوبات والمشقة في سبيل هذه الشعيرة. ومنها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «مَن أتى قَبرَ الحُسَينِ ماشِيًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ يَرفَعُها ويَضَعُها عِتقَ رَقَبَةٍ مِن وُلدِ إسماعيلَ».
وتكشف لنا هذه الرواية عن عناية النصوص بالمشي إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام، فلم تجعل الثواب مرتبطًا بالوصول فقط، فالمشي إلى الزيارة لا يُفهم في هذه الروايات على أنه انتقالٌ مكاني فحسب، بل إن الطريق إلى الزيارة جزءٌ من التجربة الروحية نفسها، فهو حالةٌ إيمانية يعيش فيها الزائر معنى الولاء والمحبة، وبهذا يكون قد بدأ بجني ثمار هذه الزيارة وهو في الطريق إلى مرقد الإمام الحسين عليه السلام.
وعن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: «مَن أتى قَبرَ الحُسَينِ ماشِيًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ ألفَ حَسَنَةٍ، ومَحا عَنهُ ألفَ سَيِّئَةٍ، ورَفَعَ لَهُ ألفَ دَرَجَةٍ».
والمتأمل في هذه الرواية يلحظ أن قيمة المشي هنا لا تكمن في قطع المسافة فقط، بل في المعاني التي يحملها الزائر معه من صبرٍ ووفاءٍ واستعدادٍ لتحمل المشقة في سبيل ما يؤمن به، فيكتب اسمه من المفلحين. عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «مَن خَرَجَ مِن مَنزِلِهِ يُريدُ زِيارَةَ الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، إن كانَ ماشِيًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ حَسَنَةً، وحَطَّ بِها عَنهُ سَيِّئَةً، حَتّى إذا صارَ بِالحائِرِ كَتَبَهُ اللَّهُ مِنَ المُفلِحينَ».
وفي نهاية هذا المطاف مع روايات أهل البيت عليهم السلام، يدرك المتأمل في مسيرة الأربعين أن هذه الزيارة بقيت حاضرةً في وجدان المؤمنين جيلًا بعد جيل؛ لأنها تجسد الارتباط القوي بقضية الإمام الحسين عليه السلام وما تمثله من قيم الحق والعدل والصبر. فهي ليست مجرد شعيرةٍ موسمية، بل مدرسةٌ عملية لترسيخ مبادئ كربلاء في حياة المؤمن، واستلهام معاني الثبات على الحق، ونصرة المظلوم، والتمسك بالمبادئ والقيم مهما عظمت التضحيات.





اضافةتعليق
التعليقات