في عالمٍ تحوّلت فيه الشاشات إلى مرايا مشوهة تُريك الأشياء على غير مقاساتها الحقيقية — تماماً كالملاحظة التحذيرية المثبتة على زجاج السيارات الجانبي — يجد الإنسان المعاصر نفسه غارقاً في حالة ذهنية يُطلق عليها الفلاسفة والمفكرون وصف "الاستلاب". إنها حالة تدريجية من الانسلاخ عن الواقع والهروب من المسؤولية الشخصية، لتصبح الذات مجرد ظل يدار بواسطة المؤثرات الخارجية والإشعاعات الخوارزمية.
من مجتمعات الواقع إلى وهم "الريلز"
يبدأ الاستلاب حين تتوارى الواقعية ليحل محلها التبرير المستمر والاتكالية. لم يعد الفرد يرى نفسه مسؤولاً عن أفعاله؛ فالشاب الذي يفتقر للالتزام الأخلاقي يُلقي باللائمة فوراً على بيئته الأسرية، وتلك التي تخوض تجارب ملتبسة تبرر سلوكها بغياب الاحتواء. تُشبه هذه الحالة الدخول في غيبوبة فكرية تجعل المرء يتحرك كـ "زومبي" في مجتمعه، يتجاوز حدود الآخرين ويرتكب أخطاء جسيمة، ثم يتساءل بذهول: "هل أنا من فعل هذا حقاً؟".
لكن الجذر الأكثر خطورة لهذه الظاهرة لا يكمن فقط في التسلية العابرة، بل في "شيوع المعرفة السطحية". في السابق، كان استيعاب أي مفهوم يقتضي ملازمة معلم أو قراءة كتاب عميق؛ أما اليوم، فقد توهمت الأجيال الشابة أنها امتلكت العلوم بمجرد مشاهدة مقطع فيديو لا يتجاوز دقيقة واحدة. لقد أصبح الجميع يفتي في الصحة النفسية، والتشخيص الجسدي، واقتصاد العالم، والدين، لتتشكل طبقة واسعة تتوهم المعرفة، بينما هي في الواقع مستلبة ومجردة من أدوات التحليل البشري الحقيقي.
تشويه العلاقات والهروب من المواجهة
يتجلى هذا الزيف المعرفي بأبشع صوره في شبكة العلاقات الاجتماعية. فبين فتاة تغرق في أوهام العاطفة الإلكترونية العابرة مع غرباء يقطعون وعوداً زائفة وتتجاهل محيطها وواقعها الاجتماعي، وبين شاب يرفع شعارات النخوة والشهامة في العلن بينما يستهلك مشاعر الآخرين بوعود معسولة غير قادر على إيفائها؛ تضيع المسؤولية الفردية. إن استسهال خوض العلاقات وإعطاء الوعود دون امتلاك القدرة على بناء حياة واقعية لا ينتج سوى كائنات معتلة نفسياً، ويفكك اللبنات الأساسية للمجتمعات قبل أن تبدأ حتى.
الخروج من سجن الوهم
إن الوهم الأكبر الذي تسوقه منصات التواصل الاجتماعي هو إيهام المتابع بأنه يستهلك محتوى مفيداً لمجرد أنه يتابع حسابات جيدة. فالمحتوى السريع — حتى وإن كان جيداً — لا يبني عقلاً برهانياً ولا يصنع تجربة إنسانية ناضجة. المعرفة الحقيقية تتطلب المعاناة الذهنية، والبحث العميق، والصبر على قراءة كتاب أو الاستماع لتفكيك فكري طويل يمتد لساعات.
إن ما نعيشه اليوم من استسهال وسريان خلف المظاهر ليس سوى البروفة الأولى لما ستكون عليه حياتنا بعد عشر سنوات. والسبيل الوحيد للخروج من سجن الاستلاب هو العودة إلى الفطرة والعقل البرهاني، ومواجهة الذات بشجاعة، والوعي بأن صناعة الإنسان الذاتي المسائل عن أفعاله تحتاج جهداً وتعباً حقيقيين، لا مجرد متابعة عابرة لـ "الستوريات".








اضافةتعليق
التعليقات