الزواج أحد مصاديق معاجز الباري، وهو مسكن الروح ومكان اطمئنانها، وهو تهويدة الجسد من وحشة غريزته واكتفاءه بحلال الله (عز وجل) عن حرامه، وما ذُكر في القرآن الكريم عنه يكفي أن يهرع الشاب والشابة ويسعون إليه ويقدمونه على بقية حاجاتهم لما فيه من ألفة ومحبة ومودة ورحمة، وفي كل مفردة يحتاج أن نقف عندها ونشرح مواطن التعامل معها لكن سأختصر الحديث عنها بالإشارة ففي المعنى المُراد من (..وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً..).
فالمحبة جنوح يعيش في داخل الإنسان أنا أحب فلان بمعنى أن في نفسي ميولا إليه لكن المودة تعني إبراز المحبة فالمودة من صفات الفعلأي أن المحبة ترجمتها بالأفعال (وهذه هي المودة) فالمحبة شيء كامن في النفس وحاجة الإنسان للمودة تضاهي حاجته للمحبة معناها أن الإنسان مُحتاج إلى تبادل الحب بينه وبين طرف آخر، يحتاج الزوج إلى أن يشعر أن زوجته تبادله الحُب وتحتاج الزوجة إلى أن تشعر أن زوجها يبادلها الحب وهذا الأمر قائم على المبادرة، بمبادرة إظهار المحبة وإبرازها.
لذلك ورد في الحديث عن الإمام الباقر: "قول الزوج لزوجته أحبك لا يذهب من قلبها أبدا" لماذا؟ لأنه إبراز، فكلاهما بحاجة فطرية إلى التعبير للشعور بالاطمئنان، وعند الخروج من عالم القلوب إلى عالم أكثر عمقا، والذي يُعبِّر عنه القرآن الكريم (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) مَوْثِق؛ عَهْد، ويُقال وثِق بالشّخصِ أي ائتمنه، صدّقه، وضع ثِقتَه به.
إنَّ تعبير القرآن (أخذنَّ) أي الفتاة تأخذ موثق من الشاب، فهذه الحيثية متعلقة كليّا بالرجل، وعندما نتسائل عن الموثق الذي تريده المرأة لعله يتجسد في كونها أمانة عند الرجل، بمعنى أن الرجل لو أٌعطي قارورة من الفخار كما عُبِّر عن المرأة، وهذه القارورة يجب أن يأخذها معه في كل مكان وزمان ويجب عليه الحفاظ عليها دون الكسر فكيف يمكن أن يعاملها؟ فالفتاة كذلك هي وديعة عنده فكيفما كانت في بيت أهلها تحظى بالاحترام والأمان على الرجل أن يوفر لها أكثر من ذلك فهي أعطته أعلى ما تملك وهو شرفها وجعلته أمينا عليه.
والشيء الآخر هو الأمان وهذا لا يقدر بثمن بل يكاد أن يكون في المرتبة الأولى لحاجتها فإن شعرت بالأمن مع هذا الرجل ستعطيه ما يريده بل أكثر ستجعل من داره جنّة صغيره، يأوي إليها من كل هم وتعب، وفي قراءة على دقة مستوى الأمان الذي تحتاجه هي أن تأمن منك عليها أن تخاف عليها من نفسك أولا، فلا تؤذيها بكلمة أو موقف تتركها فيه غريبة تشعر بأنها عارية الظهر، أن تحميها من نفسك والمجتمع، فعندما تقع في ما يؤلمها تكون أنت أول من تستحضره مؤمنة بحكمتك وحمايتك لها، وما توفره لها يعاد عليك وعلى أبنائك.
فالأولاد الذين يتربون في بيئةٍ قائمة على المحبة والعطف والرحمة والمودة كان الأولاد مُستقرين هادئين واستقرارهم ينعكس على أبناءهم وأحفادهم، أنت بالرحمة مع زوجتك تخلُق أجواء من الهدوء تمتد إلى أجيال وأجيال، ولذلك ترى بيوت النبوة بيوت النبي وأهل بيته بيوت الرحمة والعطاء، بيوت البذل لأنها بيوتٌ بُنيت على تلك العلاقة الزوجية الحميمة وعلى منطق الرقة والعطف ولم تُبنى على منطق الوظيفة والواجب، لذلك أبناء أهل البيت كأهل البيت يعيشون رقةً وعطفاً ورحمة.
لماذا بات الخيط ناعما؟
ما أورته سابقا مهما اتسم بالجمال إلا أنه لابد أن تشوبه شائبة الاختلافات وليست (الخلافات) وهناك فرق بين المفردتين، فالمشاكل الزوجية كما وصفها أهل السلف بأنها كالتوابل تعيد متانة وقوة العلاقة وتبزر مدى غلظة المودة والمحبة بينهما، فقرأت قبل فترة عبارة مفادها (إننا نسينا الأخطاء كي نبقى مع بعض ولم ننس بعضها من أجل بضعة أخطاء)، وحقيقة الزوجين لا يملكون من العصمة ما يمنعهم عن الخطأ فكما أن الزوجة عاطفية وقد تتسرع في إطلاق بعض الأحكام فالزوج لا يخلو من تفريغ ما موجود في الخارج داخل المنزل، لكن الأهم هو الطريقة التي تعالج بها هذه المشاكل بأن يستمع أحدها للآخر استماعا لا يُراد به الرد بل الفهم والاحتواء، فإن أُريد به الرد فهذا يعني أنهما يعيشان حالة من الانفصال فكل واحد يريد أن يبرهن للآخر بأنه لم يخطئ، وبالتالي تزداد المشكلة، وفي قبالها لو كانوا _كما يروى عن أمير المؤمنين في رثاء الزهراء صلوات الله عليهما_ كزوج حمامة في إيكة، لكانت كل المشاكل تنتهي إلى تحسين العلاقة.
إلا أن الكسل الحاصل في العلاقات الزوجية واختيار منطقة الأمان على مواجهة المشاكل وإيجاد حلول لحفظ العلاقة الزوجية، هو السائد فسابقا كان الزوج لا بديل له عن زوجته ومهما حدث اختلاف أو فراق بينهم يعودون لبعضهم لحاجاتهم المعنوية والمادية والفطرية، أما الآن فوجود البدائل هو الذي أحدث هذه الفجوة وسهولة التخلي بالعلاقة، فهذا تخبره والدته والمجتمع بأن هناك ألف امرأة تتمناك وكذلك الفتاة عندما يخبروها بأنها ما دامت تملك وظيفتها ما حاجتها بالرجل!.
أصبح المجتمع يضع وراء كل مشكلة بين الزوجين كلمة طلاق، لذلك تم استسهاله، فالصبر بين الزوجين على بعضهما وانتظار نضج العلاقة وتقارب الأرواح يكاد أن يختفي من مجتمعنا، فالآن تراهم يكتفون بما يُعبر عنه في مواقع التواصل (حلاوة البدايات) ولا يريدون ما يأتي بعده من تحمل للمسؤوليات وإدارة حكيمة للعلاقة، فنرى اليوم كثيرا ممن ينشرون صور لزوجين كبار في السن معا، ويعلقون بأن هذه اللوحة أجمل تجليات الزواج الدائم_ وطبعا هي الأصل أن يبقيا معا حتى المشيب_ لكن هل يعلمون كَم المواقف التي صبروا بها على بعض؟ وكم تسامحوا؟ وكم مرة تناثرت دموعهم بسبب بعض ولم يجدوا سوى كفوف بعض لمسح هذه الدمعة، وكم مرة ذهبت لأهلها لتقيس مودتها في قلبه، فلحقها بحجّة ألا يطيق فراق الأطفال، وهي كررتْ عبارة (متحملته لخاطر الأطفال) ألف مرة لتعود إلى أمانها معه، حتى غادر الجميع وبقيا معا تسنده ويسندها، صديقان يغامران ويتشاجران معا لا يجدان بدائل عن بعض.
أما السبب الذي أراه مهما جدا هو وجود الحكماء في العائلتين والذي أشار له القرآن الكريم بحكم من أهلها وحكم من أهله، وشرطهما وهو (يريدا اصلاحا) وليس لتأجيج النيران بين بعض، فهناك بعض الحلول التي تصلح العلاقة منها أخبرني بها أحد المشايخ حين اتفق مع عائلة الطرفين بطرد الزوجين من العائلتين حتى لا يجدوا غير بعض فيتحملوا بعضهما عنوة.
فالخلافات الزوجية التي لا تجد اسناداً من أطراف من خارج العلاقة يكون حلها سهلا، فقد تُحل مشكلة بضحكة أو وجبة عشاء، أو من خلال الأطفال وهكذا حتى تتغلب مودتهم لبعض على المشكلة ويحل الوئام.








اضافةتعليق
التعليقات