تتزاحم المظالم في الآونة الأخيرة فترى الظلم هو المسيطر في العالم فكل يوم نصحو على قتل وضحايا حرب وجوع وعطش، ومشاهد لا يحملها قلب الإنسان المؤمن، أطفال هناك خائفة ونساء لا تدري بماذا وبمن وكيف تحتمي من هول ما يحدث، فلا شيء يسعفها غير الدعاء بالرحمة، وهذه الرحمة العظيمة هي الاستشهاد بالنسبة لهم، هذه الظلامات التي تشجي الصدور، وينهال الدمع طوعا لها، ويكاد الكل يعرف أن هناك فرعون زمانه قد طغى، وإن هناك موسى وآسيا بنت مزاحم وكثير من المؤمنين قُتلوا ضريبة إيمانهم فقط، فالظالم والمظلوم هي قضية أزلية منذ أن قتل قابيل هابيل، إلا أن هناك مظالم لا يدركها فاعلها وقد يرتدي لباس المظلوم ويوقن أنه كذلك ويقنع من حوله بذلك!
في جولة فكرية حول ما أسمع من قصص وحكايا، أرى أم ظالمة وتٌلزم أبناءها بطاعتها وتهددهم بسلاح الدعاء والعقوق، وأخ يأخذ حقوق أخوته ويراها حقّه المشروع، وأب يتفضل على أبناءه بإنجابه لهم فيريدهم عبيد له مسلوبي الإرادة، فيتحكم في حياتهم، زوج يؤذي زوجته، والعكس وارد، وإراقة الدماء كشربة ماء يشربها الظالم بكلمة أحيانا، فقد يقتل لينهي حياة، أو ينهي فرحة، أو يريق دمعة، أو يسلب حلما، أو يُيَتم طفلا مع حياة أبويه، وقد يقتل حنية شخص تجاه أهله وعائلته، كل هذه تدخل في خانة المظالم، ولا يحتاج أي فرد سوى الإطلاع على أحاديث الظلامات ليرى ما يرى من هول العذاب لها في الدنيا والآخرة، فقد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): دعوة المظلوم مستجابة وإن كانت من فاجر محوب على نفسه (1).
ظلامات لا نشعر بها
ويدخل في باب الظلامات ما نطلق عليه مصطلحات حديثة كالتنمروالمزح والشتم وفاكهة المجالس (الغيبة) وفحش الكلام وهذا الأخيرمتفشي بصورة مخيفة فبعض المصطلحات يدخل فيها قذف المحصنات، والاتهام بالزنا، وأحكام هذين الأمرين مرعب لو تأملنا في أحكامها، ففي حديث قدسي ورد في كتاب آفات اللسان روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئا من الجوارح فيقول: أي رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا، فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام وانتهب بها المال الحرام وانتهك بها الفرج الحرام، وعزتي [وجلالي] لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك.
انتقال المظلوم إلى ظالم
لعله من أكثر الأحاديث الذي أرعبني فكثيرا ما نقوم به عندما تضيق بنا السبل ونصل إلى مرحلة ما قبل الجزع فنروح ندعو بموت أحدهم فقط كي نتخلص من الأذى الذي آذانا به، خصوصا أولئك الذين تكون زمام أمورنا بيدهم فلا نستطع ردعهم ولا نقوى على مواجهتهم وهم الذين وهذا ما ذكره الإمام زين العابدين (عليه السلام) في وصيته فقد قال الباقر (عليه السلام): لمّا حضرت عليّ بن الحسين (عليه السلام) الوفاة ضمّني إلى صدره ثمّ قال: يا بنيّ، أوصيك بما أوصاني به أبي (عليه السلام) حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أنّ أباه أوصاه به، فقال: يا بنيّ، إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلّا الله(2).
إلا إن هذا المظلوم نفسه يضع الإمام المعصوم له حدودا في الدعاء فقد قال الصادق (عليه السلام): إنّ العبد ليكون مظلوماً، فما يزال يدعو حتّى يكون ظالماً.
«فما يزال يدعو» يحتمل وجوهاً:
الأوّل: أنّه يفرط في الدعاء على الظالم حتّى يصير ظالماً بسبب هذا الدعاء، كان ظلمه بظلم يسير كشتم أو أخذ دراهم يسيرة، فيدعو عليه بالموت والقتل والفناء أو العمى أو الزمن وأمثال ذلك، أو يتجاوز في الدعاء إلى من لم يظلمه كانقطاع نسله أو موت أولاده وأحبّائه أو استيصال عشيرته وأمثال ذلك، فيصير في هذا الدعاء ظالماً.
الثاني: أن يكون المعنى أنّه يدعو كثيراً على العدوّ المؤمن ولا يكتفي بالدعاء لدفع ضرره بل يدعو بابتلائه، وهذا ممّا لا يرضى الله به فيكون في ذلك ظالماً على نفسه بل على أخيه أيضاً، إذ مقتضى الأخوّة الإيمانية أن يدعو له بصلاحه وكفّ ضرره عنه كما ذكره سيّد الساجدين (عليه السلام) في دعاء دفع العدوّ، وما ورد من الدعاء بالقتل والموت والاستيصال، فالظاهر أنّه كان للدعاء على المخالفين وأعداء الدين بقرينة أنّ أعداءهم كانوا كفّاراً لا محالة كما يومئ إليه قوله تعالی: ﴿وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾(3).
مواساة للمظلوم
لعله من الأحاديث التي قرأتها تسر قلب المظلوم وتلهمه الصبر عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك، فإنّما يسعى في مضرّته ونفعك، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه، ومن سلّ سيف البغي قتل به، ومن حفر بئراً لأخيه وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه انتهكت عورات بيته، بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد(4).
وخير مواساة هي الاطلاع على سيرة رسول الرحمة وآل بيته الكرام (صلوات الله عليهم)، ما ارتفعت درجاتهم ووصلوا إلى هذه المنزلة العظيمة إلا بصعوبة ابتلائهم فهذا رسول الأمة يقول (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)، وها هم أهل بيته عليّه كيف سلب حقّه وتجرأ عليه من لا يصلون إلى ذرةٍ من تراب نعله، ومولاتي فاطمة وهي تصفع وتضرب ويسقط جنينها، وحسنه الذي عاش غريبا ومات مسموما من أقرب الناس له زوجته، ومن لا يعرف ما جرى في كربلاء من ظلامات صغيرة وأخرى كبيرة ومفجعة على يد الوحوش، وكذلك بقية الأئمة (عليهم السلام).
سبب المظالم
لعل أدق تشخيص لكثرة الظلامات هي الابتعاد عن الدين الذي وضع حقوق وواجبات لكل فرد ورسم حدود التعامل، ووضع أسس الأخلاق، فلم تغادره صغيرة وكبيرة إلا ونظمها، فالأم والأب والزوج والزوجة والحاكم والمسؤول وغيرهم كلٌّ له حقوق وعليه واجبات وعنده حدود شرعية في التعامل، ينبغي أن يطلع عليها ويعرف تبعاتها، فلو قرأوا قرآنهم واطلعوا على أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والأحكام الفقهية لما وصلوا إلى هذا الحد من التمرد والظلم ولعل هناك كتاب اسمه (ثواب وعقاب الأعمال) يكفي أن يطلع عليه أي مؤمن ليرى عظيم فعله وكيف كتابه يوما ما سيقول فيه (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة وكبيرة إلا أحصاها)، وهناك لات حين مندم.








اضافةتعليق
التعليقات