يقين الإنسان بأن هناك بابٌ لا يغلق قط يجعله يتمسك به كلما ضاقت به الدنيا، أو تعسرت به الأمور لكن آل الرسالة وضعوا لنا في موقف دعاء حتى نستمر في طرق هذه الباب على طول الأيام فعلمونا إن يكون حالنا في دعاء الشدة مثله كمثل دعائنا في حالة الرخاء لأن الإنسان بحاجة دائما للشعور بحاجته لله (عز وجل).
وهذا ما يتجلى في دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام) حيث تتجسد في دعائه هذا كل معاني التذلل والخوف والشكر والاعتراف والتواضع والكثير الكثير من العبارات التي يحتاج أن يقف عندها أهل اللغة والأخلاق والأصول والفروع.
لكن على مستوى الكاتبة أقول لم أنهِ هذا الدعاء يوما إلا وشعرت شعور من يخرج من حمامِ بعد مدة لم يستحم، هكذا أشعر بأن جميع أدران العام تتساقط بعد إنتهائه فيعيد ترتيب أولياتك بالنظر إلى علاقتك بالله (عز وجل) وبالدنيا ولجميع مشاكلك، هذا الدعاء الذي يعتبر محطة نقف فيها ونتأمل فيها فلا زلتُ أتذكر أول يومٍ لي في الجامعة، وأول محاضرة حضرتها، كان أول ما خطّه الدكتور على السبورة عبارة: (عَمِيَتْ عينٌ لا تراك عليها رقيبًا)، تلك العبارة التي أعرفها لكنها كانت المرة الأولى التي شعرتُ بعمقها وفهمتها حين رددها بصوته الشجي، الذي تداخل مع صوت أذان الظهر، لم أتجاوز صداها في روحي، وحين كنتُ أمارس مهنة التدريس، كنتُ أخطّها لتلاميذي وأشرحها لهم، وفي يوم الامتحان أتجنب مراقبتهم، وأجعلهم يستشعرون مراقبة الله (عز وجل) في داخلهم.
هذا الدعاء الذي طالما كان حلمي أن أكمل دراستي العليا لأجعله موضع إبحاري، دعاء يجمع بين الإنابة والاعتراف والشكر والتعظيم، مضامينه عجيبة، فيه التوحيد: (اللهم إني أرغب إليك، وأشهد بالربوبية لك، مقرًّا بأنك ربي، إليك مردّي، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئًا مذكورًا، وخلقتني من التراب، ثم أسكنتني الأصلاب، آمنًا لريب المنون)، كما يتضمن أصول الدين وفروعه، وفيه روح العبادة والاستنهاض لها، والتفكر فيها، والاستشعار بهيبة الحضور، فيقول: (اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك، وخِرْ لي في قضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخّرت ولا تأخير ما عجّلت).
هذا التسليم والرضا، والشعور بالمراقبة، يحرّك في الإنسان نفسه اللوّامة، فيتساءل: أين أنا من حلاوة العبادة والمراقبة؟ فلو راقبنا طفلًا صغيرًا لأدّينا صلاتنا بطريقة أفضل، فكيف بالله عز وجل، وهو الشاهد وهو الحاكم؟ فضلًا عن بقية الأعمال.
ولو استحضرنا حقيقة شهادة الباري على أعمالنا، لما عصيناه، ولا ظلمنا أنفسنا ولا غيرنا، ولحلّت السكينة في قلوبنا، ولأمنت من خوفها وعجلتها، وانتقاله إلى تذكيرنا بالنِعم التي اعتياديتها جعلنا ننسى شكر الله (عز وجل) عليها فيقول: (فَأيُّ نِعَمِكَ يا إلهي اُحصي عَدَداً وَذِكراً أم أيُّ عَطاياكَ أقومُ بِها شُكراً، وَهي يا رَبِّ أكثَرُ مِن أن يُحصيها العادّونَ أو يَبلُغَ عِلماً بِها الحافِظونَ، ثمّ ما صَرَفتَ وَدَرَأتَ عَنّي اللهُمَّ مِنَ الضُّرِّ وَالضَّرَّاءِ أكثَرُ مِمَّا ظَهَرَ لي مِنَ العافيَةِ وَالسَّرَّاءِ).
وهناك عبارة في الدعاء لو وضعناها قاعدة في حياتنا لأقفلنا ملف كل قواعد الحياة وفلسفاتها حين يقول بأبي وأمي: (وَإلى غَيرِكَ فَلا تَكِلني إلهي إلى مَن تَكِلُني إلى قَريبٍ فَيَقطَعُني أم إلى بَعيدٍ فَيَتَجَهَّمُني أم إلى المُستَضعِفينَ لي وَأنتَ رَبّي وَمَليكُ أمري) لعلها لا تحتاج إلى قراءة بقدر ما بحاجتها إلى الشعور فيها وذرف الدموع ومع كل دمعة ترى دنياك تتساقط أمام عينك، في كل مرة أقرأه، ينتابني شعور مختلف الوقع؛ أراه دعاءً مطهِّرًا لما مرّ بي خلال عامٍ واحد، ومهيئًا لي لاستقبال شهر الحسين (عليه السلام)، حتى تؤتي الدمعة أُكلها.
وهاهي الحيرة تنتابني ما هو المقطع الذي أتركه للتأمل وكل الدعاء يحتاج إلى وقفات لذلك أتمنى لو يقرأ في السنة لأكثر من مرة أو نستعد له قبل فترة لفهم مضامينه.
وختاما هذا المقطع عجيب الاعتراف به (إلهي هذا ذُلّي ظاهِرٌ بَينَ يَدَيكَ وَهذا حالي لا يَخفى عَلَيكَ مِنكَ أطلُبُ الوُصولَ إلَيكَ وَبِكَ أستَدِلُّ عَلَيكَ فَاهدِني بِنورِكَ إلَيكَ وَأقِمني بِصِدقِ العُبوديَّةِ بَينَ يَدَيكَ، إلهي عَلِّمني مِن عِلمِكَ المَخزونِ وَصُنّي بِسِترِكَ المَصونِ إلهي حَقِّقني بِحَقائِقِ أهلِ القُربِ وَاسلُكَ بي مَسلَكَ أهلِ الجَذبِ، إلهي أغنِني بِتَدبيرِكَ لي عَن تَدبيري وَبِاختيارِكَ عَن اختياري وَأوقِفني عَلى مَراكِزِ اضطِراري، إلهي أخرِجني مِن ذُلِّ نَفسي وَطَهِّرني مِن شَكّي وَشِركي قَبلَ حُلولِ رَمسي، بِكَ أنتَصِرُ فَانصُرني وَعَلَيكَ أتَوَكَّلُ فَلا تَكِلني وَإياكَ أسألُ فَلا تُخَيِّبني وَفي فَضلِكَ أرغَبُ فَلا تَحرِمني وَبِجَنابِكَ أنتَسِبُ فَلا تُبعِدني وَبِبابِكَ أقِفُ فَلا تَطرُدني).








اضافةتعليق
التعليقات