قال الشاعر:
أبا الفضل، يا من أسس الفضل، أبى الفضل أن يكون لك أبا..
عندما نسمع بكلمة "عباس"، يتبادر إلى أذهاننا معنى الجود، ومعنى السخاء والكرم، ومعنى التضحية، ومعنى الإيثار، ومعنى الفداء. هذه المعاني السامية كلها تتجسد في شخصية مميزة وفريدة من نوعها، ألا وهي شخصية العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكيف لا يكون كذلك وقد كان والده سيد الزاهدين، والحامدين، والشاكرين، والعابدين، والمتقين، وأبو الأرامل والأيتام.
لذلك كان من الجدير بأن تكون أم العباس على هذا المستوى من الدين والتقوى والورع والخلق الرفيع، فتزوج بـ"فاطمة بنت حزام الكلابية"، وهي امرأة ولدتها فحول العرب، ذات حسب ونسب، وكان من المعروف عنها بأنها امرأة عفيفة، تقية، ذات خلق رفيع ودين، وأنجبت له أربعة أبناء، لذلك سميت فيما بعد بـ"أم البنين"، وكان أولهم وأفضلهم العباس (عليه السلام)، ولقب بـ"قمر بني هاشم"، وذلك لشدة جماله وحسن هيئته، فقيل إن وجهه كان كفلقة القمر في ليلة تمامه وكماله، وكان أيضًا عريض المنكبين وطويل القامة، وقيل إنه إذا ركب فرسًا كانت رجلاه تخطان الأرض خطًا، وهو القائد العسكري لقوات الإمام الحسين (عليه السلام)، وسنده الأكبر، وحامل لوائه في معركة كربلاء.
أما إخوته الثلاثة الذين أنجبتهم "أم البنين" فهم عبد الله، وجعفر، وعثمان، وكلهم استشهدوا في كربلاء، وتحت راية أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، ولواء أخيهم أبي الفضل العباس.
فكان للعباس (عليه السلام) شأن كبير عند آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعند الحسين، وعند الله سبحانه وتعالى، فلذلك كانت له كرامات كثيرة لا تعد، وقد ذُكر بعضها في بعض الكتب.
وقد حكى بعض المؤمنين والعلماء عن كرامات وتجارب حصلت لهم إثر زيارتهم لأبي الفضل العباس (عليه السلام).
وذكر بعض العلماء أيضًا أنه عند العطش الشديد، وعدم توفر الماء، وعند الشدائد، فإن ترديد ورد: "يا صاحب القربة أغثني" بعدد معين، يشعر الإنسان بالارتواء من العطش بإذن الله تعالى، والعدد هو (١٣٣)، وهو عدد اسم "العباس" عند حسابه بالجمل.
وهنا سأذكر لكم "اثنتين" من الكرامات لأبي الفضل العباس (عليه السلام)، من بين الألوف المؤلفة منها.
الكرامة الأولى:
روى أحد خدمة أبي الفضل العباس (عليه السلام) قال: كان هناك وفود من الزوار في زيارة أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) من جنوب العراق، وكانوا قد قطعوا مسافات طويلة ومرهقة مشيًا على الأقدام، وذلك من جنوب العراق إلى وسطه، حتى وصلوا إلى كربلاء المقدسة.
وفي تلك الأثناء دخل أحد هؤلاء الزوار إلى الحضرة العباسية، وبعد إتمام زيارته وصلاته، ومن شدة تعبه تمدد مقابل الحضرة العباسية، ممددًا رجليه.
وقال هذا الخادم: فجئت إليه ونهرته، وقلت له: لا يصح لك أن تمد رجليك مقابل أبي الفضل العباس، وهذا ليس من الأدب.
فغضب الزائر وانزعج، وقال له: لماذا يا سيد؟ هل هو بيت أبيك؟ إنه بيت العباس، وخرج وهو ممتعض ومستاء من تصرف الخادم معه.
وخرج إلى مسجد العلقمي المجاور للحرم الشريف.
وفي نفس تلك الليلة رأى هذا الخادم في عالم الرؤيا أن العباس (عليه السلام) كان جالسًا على كرسي، وعليه هيبة الأنبياء والصديقين، والنور يشع من جبهته، فكان السادة من الخدم يتوافدون عليه الواحد تلو الآخر، وكان يوزع عليهم الهدايا والجوائز، كل شخص على حسب استحقاقه، إلى أن وصل الدور لي، فأعرض العباس بوجهه عني.
فقلت له: لماذا يا مولاي؟ أنا خادمكم ومن مواليكم، فما تقصيري يا مولاي؟
فقال العباس (عليه السلام): البيت بيتي، والزائر زائري، فإني لا أرضى عنك حتى تذهب وترضيه عنك.
فقلت له: وكيف لي أن أجده من بين هذه الألوف من الزائرين؟
فقال العباس (عليه السلام): تذهب إلى مسجد العلقمي، فتجده مستلقيًا، وتحت رأسه طابوقة حمراء.
فقال الرجل: جلست من النوم وأنا في حالة من الرعب والدهشة مما رأيت، ولبست ملابسي، وأخذت بعض الطعام والنقود، وخرجت إلى مسجد العلقمي، فوجدت الرجل مستلقيًا بين جمع من الزائرين على الطابوقة الحمراء، كما أخبرني العباس (عليه السلام).
فدنوت منه وأيقظته، فلما رآني انزعج، وقال: حتى هنا لحقتني أيضًا! حتى وأنا في بيت الله!
فقال له الخادم: جئت لأعتذر منك وأطلب منك براءة الذمة، وأحضرت لك شيئًا من الطعام وبعض النقود.
فتقبلها الزائر، وقبل الاعتذار من الخادم.
الكرامة الثانية:
حكى أحد المؤمنين، قال: إبان النظام الصدامي البائد، وعندما سمحوا للإيرانيين بدخول العراق، كنت مع أول قافلة قدمت من إيران إلى العراق لزيارة المراقد المقدسة، وكنت أنا الوحيد الذي أتكلم العربية والفارسية معًا.
فمكثنا في كربلاء أربعة ليالٍ، تشرفنا فيها بزيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، لكني أثناء زيارتي رأيت شيئًا أدهشني.
فعلى مدى الأيام الأربعة التي مكثت فيها في كربلاء، كنت في كل مرة أذهب فيها لزيارة مرقد الحسين (عليه السلام)، أرى هناك شخصًا يقف أمام الضريح الشريف، ويتكلم بكلمات نابية مع الإمام، وكان الناس يرونه، ولا يتكلم معه أحد أو يردعه أحد.
هذا الحدث تكرر لليوم الرابع على التوالي، فلم أتمالك نفسي واندفعت إليه لأضربه على فعلته المشينة، فمنعني أحد خدمة الحرم الحسيني، وقال لي: لا تفعل هذا، إن هذا الشخص من أزلام النظام الصدامي الوحشي، ولا أحد يستطيع الوقوف في وجهه؛ لأنه سيلاقي مصير الموت حتمًا، فاتركه ينبح كالكلاب السائبة، وإن الحسين (عليه السلام) سيقتص منه وينتقم لاحقًا، من دون شك.
يقول الرجل: ذهبت إلى الفندق وأنا متألم؛ لأني لم أستطع فعل شيء، ولم أستطع ردع الرجل، وأخذت أبكي، حتى إني أجهشت بالبكاء وأنا متألم، وأخذت أتوسل بالإمام الحسين (عليه السلام) حتى ينتقم من هذا المجرم.
وفي الزيارة الأخيرة لمرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي زيارة الوداع، رأيت هذا المجرم كعادته يقف أمام الضريح المقدس، وأخذ يتكلم بكلمات نابية مع الإمام.
فما كانت إلا دقائق معدودة، وإذا بي أرى هذا الرجل وقد سقط على الأرض مغشيًا عليه، ثم ارتفع قليلًا عن الأرض، وأخذ يلتطم بضريح الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم سقط أرضًا وهو ميت.
ففرحت فرحًا كبيرًا، كما فرح الناس الحاضرون معي في الزيارة، وأخذوا يهللون ويكبرون ويصلون على محمد وآل محمد.
وشكرت الإمام الحسين (عليه السلام)، لأنه عجل في إهلاك هذا اللعين، وسألته عن صبره وتأخيره في إهلاك هذا الظالم.
وذهبت إلى الفندق، وشددت أمتعتي للسفر، ونمت مبكرًا، فرأيت أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) في الرؤيا، وقد أعدت عليه السؤال مرة أخرى، فقال لي: إن هذه ليست ضربتي، وإنما ضربة العباس أخي؛ لأنه كان عندي في تلك الليلة.
فالسلام عليك يا سيدي ومولاي أبا الفضل العباس، ما بقيت وبقي الليل والنهار، فإنه معروف بغيرته وحميته ودفاعه عن أهله وأخواته حيًا وميتًا، في حياته وحتى بعد استشهاده، وإن الأقلام لقاصرة مهما كتبت في حقه، فسلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد مظلومًا، مؤثرًا، مدافعًا، ويوم يبعث حيًا.








اضافةتعليق
التعليقات