في زمن تتوهج فيه الشاشات أكثر من الشمس، يجلس أطفالنا أمام هواتف صغيرة، يحدقون في عالم افتراضي، يسرق منهم الطفولة لحظةً بلحظة. إنه مشهد مأساوي، حيث لا دماء تُراق ولا جروح تُرى، بل موت بطيء يتسلل عبر الضوء الأزرق، عبر ساعات ضائعة خلف شاشة لا ترحم.
طفل صغير يحدق في شاشة مضيئة، بينما تتلاشى ملامح الطفولة شيئًا فشيئًا وتُستهلك خلفها، لا خلف لعب وضحكات.
الهواتف الذكية ليست مجرد وسيلة ترفيهية، بل قد تتحول إلى أداة تدمير بطيء لطفولة أبنائنا إذا غابت المسؤولية والوعي، فإن للهواتف الذكية أضرارًا كبيرة، ولقد حذرت منظمة الصحة العالمية والبحوث المرتبطة بها بأن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية قبل سن 13 سنة يؤدي إلى أخطار جسيمة، جسدية ونفسية واجتماعية.
1- الأضرار الجسدية لاستخدام الهواتف الذكية: ضعف وقصر في النظر، أثر الضوء الأزرق الذي يصدره الجهاز، وخصوصًا إذا كانت الغرفة مظلمة، صداع وآلام في الرأس والرقبة والعمود الفقري، أثر الوضعيات الخاطئة عند الجلوس. ويقول الأطباء المختصون أيضًا بهذا الجانب إن قضاء وقت طويل على الهواتف الذكية له أخطار صحية كثيرة، منها أنه يؤثر بشكل سلبي على دماغ الطفل، فيضعف لديه المهارات كالقراءة والكتابة والتخيل.
2- من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن هذه الهواتف تجعل الطفل انطوائيًا ومنعزلًا عن عائلته أو أقرانه، وكثيرًا ما يُصاب الطفل بحالة من التوحد إثر قضاء ساعات طويلة على جهاز الهاتف، أو قد تراوده نوبات غضب كبيرة وعصبية إثر أخذ الجهاز منه.
كما ينبغي في عمر الطفولة، وحتى يعيش الطفل طفولته بحرية وبدون قيود الهاتف، أن يقضي أعوامه باللعب، إما بنشاط حركي أو فكري، مثل الرسم، الدمى، المكعبات.. ويجب ألا يُترك طفل يبلغ من العمر ثلاثة أو أربعة يتصفح مقاطع اليوتيوب الشورت وحده وبدون رقابة من الأهل، لأن هذا يؤثر على دماغه الصغير بشكل سلبي جدًا، عدا ما تعرض هذه المقاطع من محتوى قد لا يتناسب مع عمر الصغير ومستوى فهمه، إضافة إلى أنها قد تعرض محتوى غير أخلاقي، وهذه كارثة كبيرة، لأن الطفل يقلد ما يشاهد مع عدم تفريق عقله بين الخطأ والصواب.
وهنا يكون دور الأم الفعال، لأنها غالبًا تكون مع الطفل أكثر من والده. وفي أيام العطلة الصيفية، لتفادي أضرار الهاتف، بإمكان الوالدين عمل نشاطات كثيرة تحد وتقلل من أضراره وكثرة استخدامه لدى الأطفال والمراهقين من الجنسين، وذلك بإدخالهم بدورات تقوية للدروس المدرسية مثلًا، أو دورات تعليمية متنوعة، منها رياضية، أو دينية، أو فنية، كل طفل على هوى ميوله ورغباته، وبهذا نتخلص من أضرار الهاتف النقال التي لها بداية وليس لها نهاية.
وفي أيام الدراسة يجب عمل خطة محكمة من قبل الوالدين، وهي أولًا عدم إعطائهم الهواتف إلا بعد إتمام واجباتهم المدرسية قدر المستطاع، ثانيًا تعليم الطفل استخدام قاعدة (20-20-20)، والقاعدة تنص على أنه في كل 20 دقيقة تُعطى استراحة للعين لمدة 20 ثانية، وذلك بالنظر لأي مجسم يبعد عنها 20 قدمًا.
ولا يصح إعطاء الطفل جهاز الهاتف أكثر من ساعتين يوميًا. ويرى بعض الأهل في هذه الأيام بأنهم كلما أعطوا ابنهم جهاز الهاتف في سن مبكرة أكثر، أنهم يحبونه ويدللونه أكثر في نظرهم، وأنهم إذا كانوا يحبونه ويدللونه يجب عليهم أن يشتروا له جهاز (الأيباد) في عمر مبكرة! فأصبح شراء الأيباد للطفل بعمر مبكرة "موضة" بالنسبة لهم وبالنسبة لكثير من الأهالي مع الأسف.
في حين أن جهاز الأيباد من المفترض أن يُشترى لأولاد في عمر الإعدادية لأغراض الدراسة والبحث العلمي، وإذا سألنا بعض الأهل لماذا تشترون لأطفالكم جهاز الأيباد في هذا العمر؟ أجابوا: لأجل الألعاب، حتى يلعبوا...
هذه الألعاب الإلكترونية التي أثبت ضررها الكبير على الدماغ والتي تؤدي إلى إدمان الطفل عليها، غير أن هناك ألعابًا لها حسابات إلكترونية، وهذه أكثر ضررًا وسلبية على الأطفال والمراهقين، فبإمكان الطفل أو المراهق أن يلعب هذه اللعبة مع أناس غرباء لا يعرفهم، ويتعرف عليهم من خلال هذه اللعبة، فلا يعرف إلى أين تسوقه هذه اللعبة.
علاوة على ذلك، فهناك لعبة الحوت الأزرق، وهي من أخطر الألعاب الإلكترونية التي اشتهرت على السوشيال ميديا، والتي تؤدي بالطفل أو المراهق إلى الانتحار في النهاية، لأنها تعمل على وتيرة اللعب بأعصاب المراهق وتدخله بحالات من الكآبة، فيجب على الأهل أن يكونوا حذرين جدًا من هذه الألعاب ومدى خطورتها الحقيقية على أطفالهم. وقد ذهب ضحية هذه اللعبة الكثيرون، ولذلك نرى بأنها تشكل خطرًا حقيقيًا على أطفالنا وعلى حياتهم.
لذلك، إننا حين نترك أطفالنا أسرى الشاشات فإننا نشارك في كتابة فصل من رواية الانتحار البطيء... فلنكن نحن من يغير النهاية، ونمنحهم فرصة أن يعيشوا طفولتهم كما يجب: لعب، اكتشاف، ضحكات صافية، بعيدًا عن أسر الأجهزة.





اضافةتعليق
التعليقات