كل أبٍ وأم يتمنيان أن يربّيا أبناءهما بأفضل طريقة، ولذلك نبحث كثيرًا، ونقرأ الكتب، ونستمع إلى المختصين، ونحاول أن نأخذ من كل نظرية ما نراه مناسبًا.
لكن مع كثرة الآراء والنصائح، نجد أنفسنا أحيانًا أكثر حيرةً من ذي قبل.
وهنا خطر في بالي سؤال: هل نحن فعلًا نفتقد أساليب التربية؟
أم أننا ابتعدنا عن المصدر الذي قدّم أعظم نموذج عملي في تربية الإنسان؟
عندما نتأمل سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، نكتشف أن التربية لم تكن عنده مجموعة قواعد جامدة أو نظريات معقدة، بل كانت رحمةً، وقدوةً، وصبرًا، وفهمًا لطبيعة الإنسان. كان يربي بمواقفه قبل كلماته، وبأخلاقه قبل توجيهاته، حتى استطاع أن يصنع جيلًا غيّر مجرى التاريخ.
ومن هنا كانت هذه الوقفة مع التربية في مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعلنا نقتبس ونتعلم من هذا المنهج العظيم، ونستلهم منه ما يعيننا على تربية أبنائنا .
حيث في مدرسة النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن التربية نظريات وفرضيات، بل كانت روحًا تتحرك في تفاصيل الحياة. فهناك لم يكن الطفل بحثا للتجريب، بل كان إنسانًا كاملًا، يُبنى منذ اللحظة الأولى.
حيث وضع حجر الأساس لأهم مباديء التربية وأفضلها، فالتربية في مدرسة السماء لم تكن تنظيرا يُدرّس بل روح وحياة تُمارس، ولو تأملنا ذلك بعمق أكثر… سندرك بأن كثيرًا مما ندرسه الآن لم يكن جديدًا كما نظن، فقد سبقنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه المعاني، قبل أن تتحول إلى نظريات تُدرّس ومفاهيم تُحلّل.
وهنا يتبادر سؤال:
هل يحتاج الطفل فعلًا إلى مزيد من الأوامر؟
أم إلى من يشعر به… ويفهم ما بداخله؟
اليوم نطالع الكثير من الأساليب التربوية، ونقرأ عن مدارس مختلفة، لكننا نلاحظ أنها رغم اختلافها تلتقي عند نقطة واحدة:
أن الطفل، قبل أي شيء، يحتاج إلى ارتباط عاطفي حقيقي يشعره بالأمان.
ومن هنا برزت نظرية التعلق التي قدمها جون بولبي، والتي تشرح كيف أن علاقة الطفل بمَن يرعاه في سنواته الأولى، تشكّل نظرته لنفسه وللعالم من حوله مدى حياته.
وهذا ما نجده في منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في التربية حيث قال (أولادنا أكبادنا)، وبهذا أسس لواحدة من أهم قواعد التربية وأكد أن الطفل يحتاج إلى ارتباط عميق مع مربيه حتى يشعر بالأمان ويكون في المستقبل شخص مستقر نفسيا .
لكن الأمان وحده لا يكفي فهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهي نظرية التربية بالاحترام المتبادل وبناء تقدير الذات:
يُنظر للطفل كشخص مستقل له كيانه ومساحته الشخصية، وهو عنصر أساسي في النمو النفسي السليم، ونشاهد التطبيق النبوي في مشهد حضاري راقي يعطينا أجمل دروس الاحترام.
وذلك من خلال تعامله مع فاطمة الزهراء عليها السلام، لم تكن العلاقة علاقة أب بابنته فقط، بل علاقة احترام تقدير متبادل. فقد روي: أنّ السيّدة فاطمة عليه السلام كانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام لها من مجلسه وقبّل رأسها، وأجلسها في مجلسه، وإذا جاء إليها لقيته، وقبّل كلّ واحد منهما صاحبه وجلسا معاً.
وهنا تأتي المقولة التي اختصرت فلسفة التربية:
“فاطمة بضعة منّي وهي قلبي وهي روحي الّتي بين جنبي، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله”.
أي مستوى من التقدير هذا !
حيث يبنى الانسان من جذوره .
وعندما يشعر الطفل بالتقدير… يبدأ طبيعيًا في طلب مساحة يتحرك فيها.
وهنا تظهر فكرة المرونة التربوية بشكل واضح حيث تؤكد أن الطفل يحتاج إلى مساحة للتعبير إما باللعب أو الكلام.
وفي جانب آخر، يكشف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن فهم واستيعاب عميق لعالم الطفل فعندما، كان الحسن والحسين عليهما السلام وهما صغيران يعلوان ظهر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد يصلّي لحظة قد يراها البعض إزعاجًا، لكنه لم يرها كذلك. لم يزجر، ولم يغضب، ولم يقطع صلاته، فكان يُطيل سجوده حتّى ينزلا عن ظهره.
فهذا السلوك، بمفهوم علم النفس، يعبّر عن مرونة تربوية عالية؛ حيث تُقدَّم الحاجة العاطفية للطفل على صرامة قوانين التربية واستيعاب لاحتياجات الطفل الحركية .
وهنا يظهر التحدي الحقيقي… كيف نوجّه الطفل دون أن نكسر هذه المساحة؟
وهنا ظهر أسلوب في التربية وهذا مايُعرف اليوم بالتعزيز الإيجابي، وهو ببساطة أن نلفت نظر الطفل لما فعله بشكل صحيح، وندعمه فيه.
وهذا ما نجده في تعامل رسولنا الأعظم، حين عطس غلام صغير لم يبلغ الحلم فقال: الحمد لله، قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
“بارك الله فيك”
كلمة واحدة بسيطة لكنها تزرع داخل الطفل شعورًا بالقيمة والانجاز.
فالطفل لا يتعلم كآلة بل يتفاعل بالمشاعر والكلمات والمواقف التي تتكوّن داخله.
اليوم يتحدث علم النفس التربوي، ومنه ما طرحه (كارل يونغ) عن أهمية حماية الطفل من التجارب التي قد تترك أثرًا نفسيًا مبكرًا وهو ما يُعرف اليوم بحماية الطفل من الصدمات النفسية المبكرة، وقد سبق نبينا هذه النظرية حينما طبق هذا المفهوم تطبيقا عمليا عندما أتوا إليه بصبيّ صغير ليدعو له بالبركة أو يسمّيه، فأخذه ووضعه في حجره فبال الصبيّ عليه، فصاح بعض من رآه حين تبوّل فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تزرموا بالصبيّ” دعوه حتّى يقضي بوله.
فترك الطفل حتى ينتهي، دون أن يوبّخه أو يحرجه، ودون أن يثقله بنظرة قاسية أو كلمة قد تجرح مشاعره، ولو تأملنا هذا الموقف في واقعنا اليوم، تصوّر أن أماً في زيارة عائلية … مع ابنها الصغير، وهذا موقف يتكرر كثيرا في بيوتنا فكسر هذا الصغير كأساً زجاجياً وهو يلعب .
فالأم في ذلك الموقف أمام خياران :-
إما أن تغضب وتقول له: كم مرة قلت لك اجلس بهدوء! انت دائمًا تكسرالأشياء!”
أو أن تنظر لما بعد الموقف، لا للموقف نفسه.
فتقول لطفلها “هل خفت لما انكسر الكأس؟”، لا بأس سلامتك الأهم عندي لكن في المرة القادمة انتبه اتفقنا؟
ثم يتساعدان بتنظيف المكان . ولو توقفنا عند هذه المواقف… سنفهم شيئًا أعمق بكثير، حيث يُشار إلى هذا الجانب بما يُعرف بالذكاء العاطفي، وهو قدرة الإنسان على أن يفهم مشاعره، ويتعامل معها بوعي، وأن يدرك كذلك مشاعر الآخرين ويُحسن التعامل معها.
ويرى أصحاب هذه النظرية أن فهم وإدارة مشاعر المربي ومشاعر الطفل وطريقة التعامل معها أساس الصحة النفسية للطفل .
وهنا يظهر أمر لا يمكن تجاهله: الرحمة، فالقسوة التي يظنها البعض قوة، ليست في حقيقتها إلا نقصًا في الفهم، وخللًا في التعامل مع المشاعر.
ولنبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم موقف حازم في هذا الأمر، ونرى ذلك من خلال هذه الرواية أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبَّلَ الحسن والحسين عليه السلام فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة من الأولاد ما قبّلت واحداً منهم قطّ!
فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى التمع لونه وقال للرجل: “إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك فماذا أصنع لك”.
عندما تُفهم مشاعر الطفل… يتغيّر داخله شيء لا نراه مباشرة، عند هذه النقطة… تتضح الصورة بالكامل، فهذه الروايات تكشف لنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصنع إنسانًا سوياً نفسيًا، هذه المواقف ليست أحداثًا متفرقة… بل منهج يُعاش.
وما ندرسه اليوم كنظريات، كان يُمارس على أرض الواقع قبل ١٤٠٠سنة من قِبل المدرسة المحمدية .
ويبقى السؤال: هل نحتاج المزيد من الأساليب …
أم أننا بحاجة إلى الرجوع إلى الأصل؟
فالمسألة لا تتعلق بكم نعرف، بل بكيف نُحوّل هذا الفهم إلى سلوك نعيشه كل يوم.




اضافةتعليق
التعليقات