لا يمكن لقارئ التاريخ أن يغفل عن صعوبة الظروف السياسية التي عاشها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فقد كانت فترة إمامته مرحلة استثنائية بسبب الرقابة العباسية.
لقد عاش الإمام في سامراء في ظل ظروف سياسية معقدة حالة الحصار والرقابة المشدّدة طوال حياته منذ أن رُحِّلَ مع أبيه الإمام الهادي عليه السلام بأمر المتوكّل العباسي من المدينة إلى سامراء (سُرَّ مَن رأى) وقد كان وقتها طفلا صغيرًا إلى أن استشهد فيها والامام يشرح ما أصابه عندما قال عليه السلام: «ما مُنِيَ أحدٌ من آبائي بمثل ما مُنيتُ به».
و هذه الظروف قد فرضت قيودًا كبيرة على حركة الإمام واتصاله المباشر بأتباعه
لأن لقاءات الإمام بالناس لم تكن سهلة وذلك بسبب الرقابة الشديدة التي كان محاطا بها، فكان اللقاء المباشر به محدودًا وقد يكون محفوفًا بالمخاطر
وهذا ما نجده من خلال ماكتبه إلى بعض شيعته يقول لهم: «ألا لا يُسَلِّمَنَّ عليَّ أحد، ولا يشير إليَّ بيده، ولا يومئ، فإنكم لا تؤمنون على أنفسكم).
لكن رغم هذه الظروف الأمنية المشددة استطاع الامام عليه السلام أن يحافظ على دوره القيادي فهذه الأحداث لم تنهِ التواصل بينه وبين شيعته وإنما دفعته لاستخدام وسائل أكثر تنظيما وحذرا ومن هذا الوسائل الوكلاء فلقد كان للوكيل دور في نقل الرسائل والتوجيهات وإيصال الحقوق المالية ومساعدة الشيعة في مناطق مختلفة وهو وسيلة للحفاظ على ارتباط الشيعة بالإمام وتنظيم شؤونها لصعوبة الوصول إليه وأكد الإمام (ع) على وثاقة الوكيل وضرورة الرجوع إليه كما يظهر في قوله عليه السلام: (العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤديان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان).
ولقد وضع الإمام أسلوب آخر لقيادة الشيعة عن بعد وهو أسلوب يُكمل أسلوب الوكالة تمثَّل في المراسلات التي كانت تتم بسرية شديدة بين الامام العسكري (ع) ووكلائه وشيعته وتتجلى طبيعة هذا الأسلوب ودرجة الحذر المتبعة فيه بوضوح في الرواية التي تذكر أن الإمام العسكري سلّم داود بن الأسود خشبة مجوفة وطلب منه إيصالها إلى عثمان بن سعيد العمري، فلما انكسرت الخشبة عندما كان في طريقه لايصالها وجد داخلها كتبًا.
وتكشف هذه الرواية عن الحذر الشديد الذي اتبعه الإمام (ع) في مراسلاته وعن أهمية دور الوكلاء في نقل التوجيهات والحفاظ على سرية التواصل مع شيعته لاسيما في ظل الرقابة العباسية.
وهكذا أصبحت المراسلات وتوثيق الوكلاء في تلك الظروف الحرجة ضرورة أساسية لاستمرار التواصل بين الإمام وشيعته ومعرفة بعضهم البعض وهذا ما نلحظه في رسالة الإمام العسكري (ع) إلى إسحاق النيسابوري
التي كتب فيها يقول:
((فلا تخرجن من البلدة حتى تلقى العمري رضي الله عنه برضاي عنه، وتسلّم عليه وتعرفه ويعرفك، فإنه الطاهر الأمين العفيف القريب منا وإلينا، فكل ما يحمل إلينا من شيء من النواحي فإليه المسير آخر عمره، ليوصله إلينا)).
ولم يقتصر التواصل العلمي مع الإمام العسكري على المراسلات فقط بل شكل أيضًا الإجابة عن الأسئلة الدينية ومعالجة المشكلات التي يطرحها أصحابه عندما يُشكل عليهم مسألة ويتبيّن ذلك من ما ورد في سؤال الفهفكي الإمام العسكري (عليه السلام) ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا ويأخذ الرجل القوي سهمين؟ قال(ع) لأن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة إنما ذلك على الرجال).
وكذلك كان للإمام العسكري دور في معالجة الشبهات الفكرية التي يُثيرها المنحرفون وعقائدهم المضللة وهذا من أبرز المواقف التي تكشف عن الدور الفكري للإمام الحسن العسكري وقدرته على معالجة الانحراف الفكري بالحجة والبرهان لا بمجرد المواجهة المباشرة.
ويتضح ذلك في موقفه عندما واجه شبهةَ فيلسوف العراق إسحاق الكندي، الذي شرع في تأليف كتاب في ما زعم أنه «تناقض القرآن».
فعندما علم الإمام بذلك، لم يطلب مواجهته مباشرة، بل وجّه أحد تلامذة الكندي إلى أن يسأله سؤالًا بسيطًا: هل أنت متأكد أن المعنى الذي فهمته من القرآن هو المعنى الذي أراده الله؟
فأدرك الكندي صحة هذا الاحتمال، وأعاد النظر في فكرته، ثم لما علم أن هذا التوجيه صادر عن الإمام العسكري (ع)، قال: «وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت»، ثم دعا بالنار وأحرق ما ألّفه.
وهكذا عالج الامام الانحراف الفكري بالحجة والبرهان لا بمجرد المواجهة المباشرة
وتكشف هذه الحادثة عن قدرة الإمام (ع) على معالجة الشبهات و الانحراف الفكري بالحجة والبرهان، بما ينسجم مع المرحلة التي فرضت عليه أساليب غير مباشرة في أداء دوره القيادي.
ولم يقتصر دور الإمام الحسن العسكري (ع) على التواصل مع شيعته والإجابة عن أسئلتهم ومواجهة الانحرافات الفكرية والعقائدية بل أيضًا أسهم في إعداد مجموعة من العلماء والفقهاء والرواة والوكلاء الذين حملوا علوم أهل البيت (ع) ونقلوها إلى من يأتي بعدهم.
وكان من أبرز وكلائه عثمان بن سعيد العمري، الذي لم يقتصر دوره على عصر الإمام العسكري (ع)، بل أصبح بعد شهادة الامام ع أول نائب خاص للإمام المهدي (عج) في الغيبة الصغرى. ومن هنا يظهر أن إعداد الرواة والفقهاء والوكلاء لم يكن أثره محصورًا في زمن الإمام العسكري (ع)، بل امتد أثره إلى المرحلة اللاحقة، وساهم في استمرار التواصل مع مدرسة أهل البيت (ع) خلال عصر الغيبة.
يتضح مما سبق أن الإمام الحسن العسكري (ع) واجه ظروفًا سياسية ورقابية صعبة لكن لم تمنعه من ممارسة دوره القيادي فاعتمد على المراسلات والوكلاء والرواة في الحفاظ على التواصل مع شيعته ونشر علوم أهل البيت (ع) كما أسهم في إعداد الرواة والوكلاء الذين امتد أثرهم إلى المرحلة اللاحقة.
وبذلك شكّلت مرحلة الإمام العسكري (ع) مرحلة انتقالية مهمة، حافظت على استمرار المدرسة العلمية والارتباط بالإمام ومهّدت عمليًا لمرحلة الغيبة الصغرى.







اضافةتعليق
التعليقات