كتاب «فكرة الرسم: كيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع» (Drawing Thought) للفنانة والباحثة التربوية أندريا كانترويتز، صادر عن MIT Press سنة 2022. وهو ليس كتابًا لتعليم مهارات الرسم الأكاديمية فحسب، بل دعوة إلى النظر للرسم بوصفه وسيلةً للتفكير والمعرفة.
يرى الكتاب أن الرسم ليس مرحلةً لاحقة للفكرة، نستخدمه فقط لعرض ما نعرفه؛ بل هو وسيلة تساعدنا على تكوين الفكرة ذاتها. فعندما نعجز عن التعبير بالكلمات، يمكن للخطوط والعلامات والعلاقات البصرية أن تمنح أفكارنا شكلًا مرئيًا، فتجعلها قابلة للتأمل والمراجعة والتطوير.
بعبارة موجزة: نحن لا نرسم فقط ما نراه، بل نتعلّم أن نرى من خلال الرسم.
تخيّل طفلًا صغيرًا يمسك قلم تلوين أو قطعة طباشير، وأمامه سطح فارغ: ورقة، أو رصيف، أو جدار. ما الذي يدفعه إلى الرسم؟ إنها فرحته الخالصة بترك أثره في العالم. فهناك متعة أصيلة في تتبّع حركة اليد على الصفحة البيضاء ورؤية الخطوط تتحول شيئًا فشيئًا إلى شيء ذي معنى: خط منحني قد يوحي بتلّ، أو بملامح وجه، أو بطائر محلّق؛ وبقعة بسيطة قد تمنح الشكل المسطّح إحساسًا بالعمق والحجم.
هذه المتعة عرفها معظمنا في طفولته: متعة الرسم البسيطة، والإحساس بأن اليد تستحضر ما لم يكن موجودًا. والخبر الجيد الذي يحمله الكتاب هو أن هذه المتعة لا تزال متاحة للجميع؛ فلا حاجة إلى أن يكون المرء فنانًا محترفًا أو «موهوبًا» بالمعنى الشائع لكي يستعيدها.
كثير من الناس يفقدون ثقتهم بالرسم في سن الثامنة أو التاسعة، عندما يبدأ القلق من عدم إتقان الشكل، ومن أن العلامات على الورق لا تطابق الصورة المتخيلة في الذهن أو الواقعة في العالم. غير أن أندريا كانترويتز تلفت النظر إلى أن مطابقة الواقع ليست الغاية الأهم في الرسم. فالرسم وسيلة للملاحظة والاكتشاف واختراع أشياء لم نرها أو نتخيلها من قبل. لذلك فإن الخطوط الفوضوية والتجريبية ليست عيبًا، بل قد تكون مصدر مفاجآت وأسئلة وأفكار جديدة؛ فالكمال ليس هو المقصود.
يرى الكتاب أن الرسم ليس مجرد مهارة فنية أو طريقة لتزيين الأفكار، بل هو أداة للتفكير. فنحن لا نرسم فقط ما نراه، بل نتعلم أن نرى من خلال الرسم. وحين لا تكون الفكرة جاهزة للكلمات، تستطيع الخطوط والعلامات أن تمنحها شكلًا مرئيًا، فتغدو قابلة للتأمل والتعديل والتطوير.
ومن خصائص الرسم أن متعته تبدأ فورًا، حتى قبل امتلاك الخبرة. فالقراءة أو الاستماع إلى صوت معين أو لعب لعبة هي متع ندخل غالبًا إلى عالم صنعه شخص آخر، أما في الرسم فإن الإنسان يبدأ العملية بنفسه: يترك أثره، ويتابع ما تقوده إليه العلامات، ويستمتع باكتشاف ما ينشأ أمامه.
وبعد استعادة متعة الرسم، تظهر فوائده الأعمق. فهو يبطئ الإنسان ويجعله يلاحظ ما تتجاوزه العين في عجلة التصنيف والانتقال إلى الشيء التالي. ومحاولة رسم شيء من الملاحظة تجبرنا على النظر إليه حقًّا: إلى تفاصيله، ونِسَبه، وظلاله، وعلاقته بالفراغ المحيط به. وهذه الممارسة لا تبقى محصورة في الورقة، بل تنمّي الانتباه في الحياة اليومية أيضًا.
كما يساعد الرسم على أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا بطريقة تفكيره؛ فعندما يختار ما الذي يركّز عليه، ومتى يبطئ أو يسرّع، وكيف يعيد النظر في ما رسمه، يتعلم التفكير بصورة أكثر استراتيجية. وقد تكفي عشر دقائق من الرسم أثناء نزهة أو على طاولة المطبخ كي يعود بعدها إلى أعماله اليومية بإحساس أكثر حضورًا وانتباهًا، كأن الرسم أيقظه من سيرٍ آلي في تفاصيل الحياة.
تستند كانترويتز إلى خبرتها الفنية والتربوية، وإلى أفكار من علم النفس المعرفي وعلوم الدماغ. وهي تؤكد أن التفكير ليس نشاطًا ذهنيًا منعزلًا؛ بل يتصل بالعين واليد والحركة والجسد والبيئة. والرسم يترك أثرًا خارجيًا للأفكار والإدراكات، بحيث يمكن الرجوع إليه لاحقًا بالنقد والمراجعة وإعادة البناء.
خلاصة الكتاب
يحرّر كتاب (فكرة الرسم) الرسمَ من حصره في الموهبة أو إنتاج صورة جميلة. إنه يدعونا إلى اعتباره مساحة للّعب، والانتباه، والمعرفة، والتجريب. فالورقة ليست مكانًا لنسخ العالم فقط، بل مكان للحوار معه: نرسم كي نلاحظ أكثر، ونفهم أعمق، ونتخيّل ما يمكن أن يكون.




اضافةتعليق
التعليقات