من الأخطاء الشائعة التكلم عن التخطيط كموضوع عام؛ فهذا يشتت الأهداف والأولويات ومجالات العمل وغير ذلك، والأفضل أن نجعل للخطة أربعة أعمدة تقوم عليها وهذه الأعمدة هي:
1- المعرفة بالتخطيط
مادمنا نتكلم عن «خطة» فعلينا معرفة علم التخطيط أي من يعد الخطة؟ وما هي أهمية العمل الجماعي في التخطيط ؟ وما دور لجان التخطيط وغير ذلك؟ وقال لي أحد الزملاء إن التخطيط أداة ويقصد أن أي متخصص في أي مجال بإمكانه أن يخطط إذا تعرف على التخطيط من خلال دورة أو محاضرة أو كتاب وقلت له: أن التخطيط ليس سكينا أو جهاز يسهل معرفة تشغيله بل هو علم وتخصص قائم بذاته وبحاجة لمن يتخصص فيه حتى يتمكن من إدارة العملية التخطيطية وهذا يعني أن الخطة بحاجة إلى متخصصين في التخطيط، وأن يكون لهم خبرة عملية في مجال التخطيط، وأحذر من الاعتماد على الخبرة العملية الوهمية؛ أي يعتبر البعض أن عنده خبرة في التخطيط لأنه مسئول أو شارك في إعداد عدة خطط تشغيلية وإستراتيجية فهذا قد يكون أعد خطط ضعيفة أو فاشلة ولم يعمل خطط على أسس علمية صحيحة، وكل مؤسسة بحاجة إلى دليل تشغيلي قواعد وسياسات وإجراءات ومسئوليات تحدد كيفية إعداد الخطط التشغيلية وتنفيذها ومتابعتها وتقييمها وتعديلها.
2- المعرفة بالإدارة:
الإدارة علم هام جداً لأنها تعني الأدلة التشغيلية؛ أي اللوائح والنظم وتعني الاتصالات والصلاحيات والمعنويات والحوافز الإيجابية والسلبية، وتعني التدريب وإدارة الاجتماعات والتقارير، وتعني التسويق والعلاقات العامة وشئون الموظفين والتطوير الإداري وأنظمة المعلومات، فالإدارة هي الماكينة التي تحرك المؤسسة والإدارة مسئولة عن العمل الجماعي والتوعية والسرعة والاقتصاد في النفقات وتطوير الموارد البشرية، وتهتم بثقافة المؤسسة وكيفية تطويرها، وفي تسهيل الأمور وفي تقييم الأداء.
وهذا وغيره يعني أننا محتاجين في إعداد الخطة إلى متخصصين في علم الإدارة وأن يكونوا ذوي خبرة إدارية كبيرة بالمؤسسة والغريب أننا لا نجد دور هام للإداريين في الخطط بل قد لا نجد في الخطة على مستوى الدولة اهتمام كبير بهذا الموضوع بل كثيراً ما تطغى الجوانب الاقتصادية في حين أن خطة الدولة بحاجة إلى تنمية إدارية وتنمية اقتصادية وتنمية تعليمية وتنمية علمية .... الخ.
3-السياسات العامة:
إذا تكلمنا عن البحث العلمي؛ فالمقصود بالسياسات العامة نظام العلم والتقنية في الدولة من حيث كفاءة الأبحاث وارتباطها بالتنمية والآلية الصحيحة لتحديد الأولويات البحثية؛ كمشاريع ومجالات وأين نجحت الأبحاث؟ وأين فشلت؟... الخ فهذا علم قائم بذاته ولا يعرفه الباحثون بالبترول أو الطاقة أو المياه، وإذا كان الكلام عن الزراعة؛ فالمقصود حجم القطاع الزراعي وأرباحه وخسائره ومزاياه ومشاكل المزارع وأهمية القطاع الزراعي مقارنة بغيره، وخطط الدولة لهذا القطاع والإحصائيات والأرقام المتعلقة بذلك، والاتفاقيات والقوانين المؤثرة، وهذه الأمور لا يعرفها المتخصصون في الزراعة في الجوانب الفنية وإذا كنا نخطط لمستشفى حكومي أو خاص، فالمطلوب معرفة الأمراض المنتشرة وإحصائيات عنها وتكلفتها وأسبابها وعادات المجتمع وماذا يأكل؟ ودرجة ممارسة الرياضة؟ وغير ذلك وهذه الأمور لا يعرفها الأطباء وليسوا هم أصحاب التخصص فيها، فالمعرفة بالبيئة العامة في مجال العمل مهمة جدا جدا وكثير ما يتم تجاهلها أو يفتى فيها الباحثون أو المزارعون أو الأطباء فليتم تحرير هذا المجالات وإعطائها للمتخصصين فيها إذا كنا نريد أن ننجح في التخطيط.
ولسلطنة عمان تجربة ناجحة في تحقيق انتصار ساحق بفضل الله على مرض الملاريا حيث كانت الإصابات بهذا المرض ثلاثمائة ألف سنوياً في سنة 1990 وانخفضت خلال سبع سنوات إلى حوالي 1500، وذلك لأن الخطة لم تكن اكتشاف دواء جديد بل محاربة البعوض والسعي للقضاء عليه بردم أماكن المياه الراكدة، وغير ذلك وكم وكم من أمراض علاجها ليس طبياً وتحتاج إلى متخصصين آخرین وخطط مختلفة.
4- المعرفة بالتخصص الفني:
لا شك أن من المهم المعرفة بالتخصص الفني للنجاح في التخطيط فنحن نحتاج في البحث العلمي إلى متخصصين في البترول والطاقة والمياه والبيئة والغذاء.. الخ، ونحتاج في وزارة الصحة إلى متخصصين في القلب وأمراض الحساسية والعظام وغير ذلك، ونحتاج في التخطيط للزراعة المتخصصين في زراعة القمح والفواكه والخضروات والمحميات والري ... الخ، والملاحظ أن المتخصصين في الجوانب الفنية هم العادة المسيطرون على التخطيط والخطة فتظهر بصماتهم واضحة عليها لأنه: في العادة يكون وزير الصحة طبيب ووكيل الوزارة طبيب وهكذا مما يجعل الجوانب الفنية هي المسيطرة مع أن أهميتها لا تزيد عن %25 ، وهذا يوضح لنا سبب فشل كثير من الخطط وانفصالها عن الواقع وسخرية الكثيرين من التخطيط والخطط، فالخطط تجدها لا تؤثر على العمل الإداري ولا يشعر حتى بوجودها أو تجدها ذات تركيبة تخطيطية فاشلة أي كلام إنشائي أو لا تفهم البيئة الخارجية التي تعمل فيها.
ربيع المعلومات
تحتاج عملية التخطيط إلى كم هائل من المعلومات والدراسات والأرقام والتحاليل حتى نكون قادرين على معرفة نقاط قوتنا وضعفنا الحقيقية، ومعرفة الفرص الحقيقية من الوهمية ومعرفة التهديدات الجادة من السرابية، وهذه المعلومات ذات علاقة بالبيئة الداخلية للمؤسسة والبيئة الخارجية التي تتعامل معها أي العملاء والمنافسين والتطور التقني والقوانين ذات العلاقة، ولا يمكن أن يكون التخطيط ناجحاً في ظل ضعف المعلومات وقلة الدراسات وغياب كثير من الأرقام وليس كل المعلومات المطلوبة يمكن توفيرها من خلال تقارير فكثير من المعلومات والمقترحات موجودة في عقول العاملين في المؤسسة وخارجها.
وعلينا الاجتهاد في الحصول عليها فليس كل ما يقال يكتب ولهذا لابد من المقابلات الكثيرة والاجتماعات والحوارات والتشاور والاستعانة بأفراد من خارج المؤسسة من مستشارين وغيرهم فهناك حاجة لنظام قوي جداً للمعلومات والدراسات للتخطيط بل لكل عمل إداري؛ وإذا نظرنا للواقع العربي رأينا فقر مدقع في المعلومات وعدد ونوعية الدراسات ومجالاتها ووجدنا أغلب المدراء لا يعرفون حتى بما هو موجود من دراسات على قلتها وإذا عرفوا بعض عناوينها فإنهم لم يقرأوها فمؤسساتنا تفتقد في أحياناً كثيرة حتى مكتبة تجمع ما تم فيها من دراسات وما قدمت من اقتراحات؛ فالمرحلة الأولى في التخطيط تحتاج على الأقل ستة شهور إن لم يكن سنة كمرحلة أولى من إعداد خطة خمسية.
ولنسمي هذه المرحلة ربيع المعلومات ولن نتخذ قرار في هذه المرحلة ولن نحدد هدف بل سنجمع المعلومات بوسائل مختلفة ونتحاور حولها ونتعمق فيها وأحيانا تكون المعلومة صغيرة أهمية كبيرة في إتخاذ هدف أو قرار والغريب فعلاً أننا نادراً ما نعطي هذه المرحلة حقها بل تجدنا نقفز عنها أو نتجاهلها ونعتبر ما عندنا كمسئولين وأفراد من العلم يكفي خاصة مع انتشار وباء كل راضي بعقله وكثيرون يعتقدون أن صورة الواقع معروفة وسهلة وما علينا أن نعمله معروف وسهل فلماذا نتعب أنفسنا في تجميع المعلومات؟ وكم وكم وكم من اجتماعات حدثت ولم يتم مناقشة المواضيع فيها بصورة صحيحة لعدم توفر المعلومات الكثيرة والصحيحة.
فاجتماعات لجان التخطيط تجدها تنتهي في ساعة أو ساعتين مع أن الموضوع بحاجة إلى دراسات وأرقام وحوارات لساعات بل أيام ولا نريد اجتماعات مليئة بالجدل والآراء السطحية والخبرات المحدودة كما هي العادة بل نريد اجتماعات مليئة بالخبرات والتجارب والدراسات العميقة، وقال لنا محاضر عربي قبل أكثر من عشر سنين هناك كذبة صغيرة وكذبة كبيرة والإحصائيات ويقصد أن بعض الإحصائيات كذبتها أكبر من غيرها وأقول من الضروري التعامل مع الأرقام والإحصائيات بوعي فبعض الإحصائيات تعطي مؤشرات خاطئة فمثلاً كثير من الموظفين المستقيلين لا يكتبون أسباب استقالتهم بصورة صريحة وواضحة بل يكتفون بكتابة وجدنا وظيفة أفضل وكلامهم صحيح، ولكنه لا يعطى الصورة الكاملة ولهذا تكون إحصائيات دائرة شؤون الموظفين ليست صحيحة.
كما أن زيادة الإيرادات لا تعني بالضرورة نجاح لأن المصروفات قد تكون زادت بصورة كبيرة كما أن نقاط الضعف عادة لا يتم كتابتها بصورة صحيحة وواضحة وقد لا يتكلم عنها في المقابلات والاجتماعات بالصورة المطلوبة وهذا يعني أن علينا التعامل مع المعلومات بحذر وبتعمق ويقال أحياناً أن عملية "إعداد الخطة" أهم من الخطة في كثير من الدول النامية وهذا صحيح لدرجة كبيرة لأن أغلب الخطط التي يتم إعدادها ضعيفة.
أولاً تنفذ في حين أن عملية تجميع المعلومات والحوار حولها والتفكير فيها وتبادل الأفكار والمقترحات تؤدي إلى قفزة كمية ونوعية في الرصيد العلمي للمؤسسة والمسئولين والأفراد فيزيد رصيدنا عن أوضاع المؤسسة وعن احتياجات العملاء وعن اللوائح والإجراءات مما يجعل المخلصين يتحركون فوراً لإصلاح ما يمكن إصلاحه وتطوير ما يمكن تطويره دون انتظار إنجاز وثيقة الخطة كما أن الخطة لا تتعامل مع كل الأمور في المؤسسة؛ ولا كل الأولويات بل في أحسن الأحوال مع خمسين في المئة.








اضافةتعليق
التعليقات