هل شعرت يوماً بوطأة المجتمع يزن خطواتك على ميزانٍ لم تختر كِفتيه؟ هل أُدينت تصرفاتك لمجرد أنها لم تخضع لتلك القواعد العرفية غير المكتوبة؟
قف لحظة وتأمل: هل نعيش الحياة كما نسعى ونشتهي، أم كما يُملى علينا في نصٍّ صاغه الآخرون؟ وهل نمتلك الجرأة لنكون أنفسنا بصدقٍ خالص، حتى لو غدونا في أعينهم غرباء؟ والأهم من ذلك كله: هل نحن مستعدون لدفع ثمن الصدق؟
هذا التمزق النفسي ليس مجرد هاجسٍ عابر، بل هو جوهر التجربة التي عاشها «ميرسو»، بطل رواية الغريب لألبير كامو—إحدى شامخات الأدب الوجودي.
لم يكن ميرسو مجرماً بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه كان كائناً مجرّداً من الادعاء؛ يرى الحياة كما هي بشكلها المباشر: عارية من الغايات الزائفة، ومستقرة في حقيقتها العبثية. كان يدرك أن معظم طقوس البشر ليست سوى مسرحية إثبات حُسن سير وسلوك لدرء أحكام المجتمع. وحين ترفض أداء دورك في هذه المسرحية، تتحول فوراً إلى «الغريب»، ثم إلى «الخطر المريب»، ليُحكم عليك بالسجن—ليس خلف قضبان الحديد فحسب، بل خلف سجن كلماتهم ونظراتهم.
لم تكن خطيئة ميرسو في الفعل، بل في اللامبالاة. لقد ارتكب الذنب الأعظم في نظر الجماعة: رفض التظاهر بحزنٍ لا يقتات عليه قلبه، وأبى الخضوع لأعرافٍ لا يؤمن بها. لم يزيف مشاعره ليشتري حبهم، ولم يتصنع لينال قبولهم. وهذا تحديداً ما يرعب العالم: أن يرى إنساناً حرّاً لا يحتاج إلى استصدار صكوك الغفران من أحد.
كان ميرسو يرى الحياة في لحظتها الراهنة، مجردة من المساحيق البلاغية والمشاعر المصطنعة. وهذا ما صاغه كامو في مفهوم «العبث»: أن تعترف بأن العالم قد يخلو من معنى غائي مُسبق، ومع ذلك تملك شجاعة العيش فيه، ومواجهة عبثيته بصدرٍ واسع دون أن تكذب على نفسك.
أما «الغريب» فهو من يرفض الامتثال لقواعد اللعبة:
عند وفاة أمه: لم يهرق دموعاً مجانية ليرضي توقعات الحاضرين؛ لم يمثّل دور الابن المكلوم لأنه ببساطة لم يشعر بهزّة الدمع في تلك اللحظة.
عندما سألته امرأة عن الحب: لم يبعها أوهاماً وردية، بل قالها بصلابة صادمة: «لا أعرف ما إذا كنتُ أحبك».
لقد كان صادقاً إلى حد الفجيعة بالنسبة لهم، فحكموا عليه بالبرود ووسموه بالخروج عن النظام.
كم مرة بكينا فقط لأنهم ينتظرون منا الدموع؟ وكم مرة ابتسمنا لمجرد أنهم يتوقعون منا الابتهاج؟
كم ضغطنا على أنفسنا، واعتصرنا أوقاتنا ونزفنا أعتى طاقاتنا، فقط لنؤدي دوراً غريباً عن أرواحنا؟ كم من الآلام الدفينة والأوجاع الصامتة تحمّلناها على حساب راحتنا، قُرباناً لقربان «القيل والقال»، وخوفاً من خدش الصورة النمطية التي رسمها الآخرون لنا؟
لقد أتقنّا الصمت حتى بتنا لا نبوح بما يختلج في أعمق طبقات صدورنا، ووارَينا ذواتنا الحقيقية خلف أقنعةٍ مستعارة، لمجرد حصد رضا مجتمعٍ لا يرضى!
وهنا وجب التنبيه: لستُ أدعو بالحرية إلى انسلاخٍ أو انفتاحٍ أهوج، ولا إلى كسر الحدود والأحكام التي شرعها الإسلام وأملاها علينا الفطرة والضمير الحيّ؛ بل إنَّ الخطأ الفادح والخطيئة الكبرى تكمن في «قولبة أفكارنا ومشاعرنا» وقسر شخصياتنا على الارتداء لما لا يتطابق مع دواخلنا الصادقة.
كم مرة بكينا فقط لأنهم ينتظرون منا الدموع؟ وكم مرة ابتسمنا لمجرد أنهم يتوقعون منا الابتهاج؟ نحن نمارس الزيف المتبادل خوفاً من كلمة «غريب»، ورعباً من نبذ الجماعة.
ماذا لو قررنا اليوم أن نخلع هذه الأقنعة المستعارة؟ ماذا لو ملكنا الجرأة لنقول بصوتٍ خفيض ولكن ثابِت: «أنا لا أشبهكم»؟
هل نستطيع حينها احتمال مرارة العزلة؟ وهل نمتلك الشجاعة الكافية لندفع الثمن الباهظ للصدق والحقيقة؟








اضافةتعليق
التعليقات